الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شهر رمضان
أوله السبت برؤية واضحة وذلك ثامن عشر أيار ثالث عشري بشنس خامس الجوزاء، وفي أوله فشا الموت بالطاعون بدمشق وما حولها.
ويوم السبت أوله جاءت الأخبار متواترة أن السلطان رسم برجوع القاضي علاء الدين ابن أبي البقاء من القاهرة إلى الشام وكان وصل إلى القاهرة آخر نهار الأحد سابع عشر شعبان فلما كان من الغد أدخله الدوادار على السلطان فوقف وتحدث معه وربما أغلظ له في القول، فلما كان يوم الأربعاء العشرين منه، كذا قال لي صلاح الدين صهر القاضي علاء الدين، وفي بعض الكتب يوم السبت لم يفجأهم إلا دخول جركس ومعه المحاضر ومطالعة النائب بأمره، فأمر بإخراجه ليحاقق على ما كتب فيها، ولما أمر بإخراجه أخرج في الحال وأقام بالخانقاه أيامًا ثم شرع في السفر.
وليلة الاثنين ثالثه قبض على شهاب الدين الحاجب وأودع العذراوية لأنه كان يتكلم لابن الطبلاوي.
ويوم الثلاثاء رابع طلوع الثريا ونقل المياه حادي عشر أيار.
ويوم الأربعاء خامسه نودي بالبلد على لسان النائب ..... كل عشر أواق بدرهم وأن بما دونه كل رطل بدرهم وأن الشعير كل رطلين إلا ثلث بدرهم أو كما قالوا ففرح الناس بذلك وتوقف الخبازون في ذلك لأنه وقع عن غير علم منهم والحال يقتضي خلاف هذا التسعير وإن كان الشعير الجديد يباع رخيصًا بدون المائة وربما اشترى بعض العوام على حكم هذا
السعر من بعض الخبازين قهرًا فأوصل الأمر إلى المحتسب فلم يكن عنده من ذلك علم فبلغ الأمر للنائب فأحضر المنادي فإذا هو ينادي من تلقاء نفسه وهو رجل عنده خفة فقبض عليه وبطل ذلك واستمر الخبز كل ثمان أواق بدرهم ..... دون ذلك فاضطرب الناس وضرب المنادي ثم استقر من الغد بين ذلك.
ويوم الخميس سادسه وصل الأمير جركس مملوك النائب الذي ذهب بالمحاضر المتعلقة بالقاضي علاء الدين بعد ما غاب سبعة عشر يومًا، وأخبر أنه فارق القاضي علاء الدين في الطريق.
ويومئذ خلع على ابن العلاني بالوظائف التي كان يباشرها شهاب الدين الحاجب أو بعضها وعلى ابن سويدان بمباشرات أخر.
ويومئذ سعر الخبز المعروك كل سبع أواق بدرهم والخبز المعتاد كل تسمع أواق بدرهم فإن الشعير الجديد دخل كثيرًا وأبيع بما دون المائة.
ويوم الثلاثاء رابعه توفي القاضي زين الدين عبد الرحيم (1) بن عبد الكريم بن عبد الرحيم النواوي قاضي زرع وغيره من المعاملات بنوى، وكان حفظ المنهاج واشتغل بدمشق بالقيمرية وقرأ على الحسباني وغيره وذلك في حدود السبعين وقبلها وسمع معي في حدود سنة ثمان وتسع وستين على المجد الأربلي بالقيمرية وغيره وكتب اسمه في استدعاء إجازة جماعة من أصحاب ابن البخاري وابن القواس وابن عساكر ونحوهم، ثم تعلق على قضاء البر في أيام القاضي ولي الدين وبعده وأقام بزرع مدة إلى آخر وقت ثم انفصل عنها في العام الأول، ثم ولي قضاء إربد أُفرد له وأضيف له معامله بسبب أنها صارت ذا سوق في أيام ابن النشو فتوجه إلى بلده فمات قبل المباشرة، وكان لا بأس به وهو خير هؤلاء النواويين قرنًا، وبينه وبين الشيخ محيي الدين قرابة من جهة النسب أحسبه قارب الخمسين.
(1) تاريخ ابن قاضي شهبة 3/ 677.
ويوم الجمعة سابعه أخرجت وظائف ابن الجواشني لفقيه الأمير جلبان رجل أعجمي بعد ما ورد الخبر بإخراجه من القاهرة مع القاضي علاء الدين وبعد ما كان وصل من قريب توقيع باستمراره في وظائفه ومن الوظائف تدريس الحنفية بالقلعة ومباشرات بالجامع وغير ذلك وخطابة الخاتونية وخطب بها هذا المتولي في الجمعة الآتية رابع عشره.
ويوم الأحد تاسعه توفي بالمارستان سعد (1) النيني رجل من الفقهاء.
وفي العشر الأول قدم التجار الذين كانوا مع القفل وأخبروا بما عاينوا ورأوا وكيفية أخذ تجاراتهم وما .... عليهم من الأموال.
ويوم الأحد تاسعه أول بونة، ويوم الاثنين عاشره نودي بدار السعادة بتأهب العسكر للخروج إلى ناحية بلاد الشمال ليخرجوا حين يرد كتاب نائب حلب، بلغهم بقصد ابن تمرلنك بلاد أرزنجان كما وقع في العام الأول.
ويوم الاثنين عاشره توجه جماعة من التجار الذين لهم بضائع في القفل الذي أخذه نعير إليه بعد ما جاء حاجبه يخبر أنه إنما يطلب الذي عادته يأخذ من التجار، وأنه شق عليه كونهم شوروا مع فضل بن عيسى عن الطريق وتوجه معهم من جهة النائب والأمير جلبان.
ويوم الثلاثاء حادي عشره وصل عدد المتوفين بالديوان إلى الزيادة على الخمسين بخلاف من يموت بالمارستان والصالحية ثم نقص إلى الثلاث واستمر.
ويوم السبت نصفه أول حزيران وإلى الآن لم يشتد الحر وإنما وقع الحر في أيام قبيلة متخللة والأيام باردة والهواء في أكثر الأوقات بارد يبرد الماء وحصل بذلك لطف في الصوم.
وفي أوائله وصل وزير صاحب المغرب إلى مصر وحجوا في هذا العام ركبًا ومعه تحف وهدايا سنية للملك الظاهر.
(1) * * * *
ويوم الاثنين سابع عشره عند العصر وصل القاضي علاء الدين مرسمًا عليه صحبة بريدي ومعه أيضاً ابن الجواشني وابن قاضي أذرعات وأخبر بذلك النائب فأمر باعتقالهم بالعذراوية ووصل من كان مرافقاً للقاضي علاء الدين في السفر وهو صهره صلاح الدين وأتباعه وكان مدة الغيبة من دمشق شهرًا ونصف وصل في اليوم السادس عشر من خروجه وأقام على الطريق في الرجوع مثل ذلك فإنه أخذ في السير في أول الشهر أو ثانيه وأقام هناك أربع عشر يومًا.
ويوم الخميس العشرين منه عقد مجلس بدار العدل للقاضي علاء الدين بن أبي البقاء بحضرة النائب والقضاة وادعى عليه ببعض ما كانت الدعوى تقدمت وبغيوه وكان قائماً بين يدي النائب ثم أجلس إلى جانب كاتب السر وانفصلوا على غير شئ إلا ما ثبت عليه لجهة المارستان بمقتضى اعترافه ومبلغه أحد وعشرون ألفاً ادعى خصمٌ بعضها.
وليلة الاثنين رابع عشريه أول الليل توفي ..... البعلي (1) المعروف بابن الأقرع بالمدرسة الوجيهية بدمشق وصُلي عليه ضحوة النهار بالجامع وصُلي عليه بباب الفراديس وكانت له جنازة مشهودة حضرها خلق كثير، وكان قدم من سنوات من بعلبك وعرض عليّ مختصر صحيح مسلم للمنذري والمنتقا لابن تيمية امتحاناً على العادة وتعجب الناس من ذلك، وكانت له حافظة جيدة وذكاء وفهم، ثم أخذ يعمل مواعيد عن ظهر قلب بمسجد المغاربة وجعل له ابن وطبة السكري على ذلك معلومًا ثم فارقه، وانتمى إلى شهاب الدين الحاجب فعمل له أيضًا معلوماً على ميعاد بالجامع وهو رباط الحبش وعمل له النائب بتربته أيضاً ميعاد واشتهر عند العوام وكان عنده طلاقة لسان فيما يورده، ولم أسمعه إلا أنه بلغني أمره، فمات مطعوناً انقطع يومين أو ثلاثة.
ومات قبله بيوم أمير يقال له الطنبغا الأينالي.
وكثر الموت بالطاعون في العشر الأخير وفي الغالب أن المطعون
(1) تاريخ ابن قاضي شهبة 3/ 687، إنباء الغمر 3/ 417، شذرات الذهب 8/ 623.
ينقطع يومًا واحدًا أو يومين وهو في الصغار كثير بلغني أن العدد بالديوان نحو الستين وذلك خارج عن من يموت بالمارستان والصالحية ونحوها وربما يبلغ المائة بدمشق وهو في قرى المرج كثيرٌ جدًا وهو مع هذا العدد طاهر طهور من يموت فيه أضعاف هذا العدد فإنه قط ما دخل بيتاً إلا ومات به جماعة متعاقبون ومعًا.
ويوم الأربعاء سادس عشريه مات كزل الحاجب المتوفا فورثه أخوته من أبيه ومنهم سبط القاضي علاء الدين ابن أبي البقاء، وكان شكلًا حسنًا مراهقًا.
وفي هذه الأيام قدم ابن عبيدان قاضي حمص منها شكى عليه حاجبها إلى النائب أنه سعى في تخليص غريم له كان أنهم بدخوله إلى داره والاجتماع بأهله فقبض عليه وسجن، فلما جاء رمضان فإن القاضي قال على جهة الشفاعة ينبغي أن يطلق فجاء إلى النائب فشكاه وأغلظ القول فطلبه النائب فوقف بين يديه وأدلى بحجبه فسلمه الله تعالى.
فصلٌ الصيف نقلت الشمس إلى برج السرطان في الساعة الثالثة عشر من يوم الخميس سابع عشريه ثالث عشر حزيران وتاسع عشر بونة.
ويوم الجمعة ثامن عشريه وصل الإفراج عن شهاب الدين ابن الحاجب فأطلق من العذراوية، وجاءه خلعة بالاستمرار على إقطاعه وحجوبيته وكان معتقلاً خمسة وعشرين يوماً وبعض يوم، واستمر أيضًا على مباشراته السلطانية.
ويوم السبت تاسع عشريه توفي تقي الدين محمد (1) بن شمس الدين محمد بن محمد المعروف بابن الأعرج السمسار أبوه، بمنزلهم بالعريض مطعوناً وصلى عليه بعد الظهر بجامع تنكز ودفن بالصوفية وكان في عشر الأربعين، قرأ القرآن واشتغل بالفقه وتنزل بالمدارس وانتهى بالشامية وولى
(1) * * * *
مباشرات، وكان له أخ أصغر منه اسمه أيضًا محمد وكلاهما سمعت في حدود سنة خمس وسبعين على ابن حنش وغيره، ومات الأصغر من سنوات وكان بزوريًا لم يشتغل وأَبوهما حي إلى الآن فجع بهما ونزل عن وظائفه لوالده فيما يصلح أن يباشره ولولد له صغير، فسعى ابن الجباب في خطابة كفر
…
فأخذها لابنه، وولي الشيخ جمال الدين الكردي مشيخة الصلاحية وكان هو نزل له عنها.
ويوم سابع عشريه توفي علاء الدين علي (1) بن ناصر جابي أوقاف الحرمين والعادلية الكبرى ودار الحديث الأشرفية بصفد، ذهب يزور ابنته فمات هناك وكان له حظ من العبادة من صلاة وحج ومجاورة وعنده أمانة وضبط للمال.
ويوم الأحد ضحوة النهار توفي الشيخ الإمام العالم العامل العابد الفقيه الأوحد بدر الدين أَبو محمد الحسن (2) بن الخطيب علاء الدين علي بن سرور بن سليمان الرمثاوي الأصل الحديثي الدمشقي المعروف بابن خطيب الحديثة بالقرب من مدرسة أفريدون العجمي ظاهر باب الجابية، وصلي عليه ضحى النهار على باب المدرسة ثم عند مسجد الدنان ودفن بمقبرة الباب الصغير بالقرب من المسجد المذكور، تقدم عليه في الصلاة أولًا تقي الدين أَبو بكر الحصني بإذن أخيه وثانيًا الشيخ علي بن أيوب، مولده سنة ست وثلاثين وسبعمائة ثم اشتغل في العلم في صغره وحصل وكتب بالشامية البرانية على مسائل بسبب الانتهاء بها في جماعة فكان أحسنهم كتابة وذلك سنة بضع وخمسين، وقد سمع من الجوخي وغيره ثم ترك المدارس والوظائف وأقبل على العبادة والطاعة فكان يقوم الليل ويتحرى وسطه وينام آخره ويصوم يومًا ويفطر يومًا وتارة يفطر أيامًا ويصوم مثلها ويواظب على
(1) * * * *
(2)
تاريخ ابن قاضي شهبة 3/ 206، إنباء الغمر 3/ 403، الدرر الكامنة 2/ 24 (1530)، الذيل على دول الإسلام 394، شذرات الذهب 8/ 620.
صوم الأيام الثلاث ويكثر من تلاوة القرآن والتسبيح، وهو مع ذلك على زيه الأول ولباس الفقهاء، وكان شكلًا حسنًا ذا وجه نير وانبساط مع من يحادثه وإذا خلي وحده فلا تراه إلا مصليًا أو تاليًا أو ذاكرًا أو ما شاء الله تعالى من أنواع الخير ويكثر المطالعة في الكتب الفقهية والزهدية وغير ذلك، وكان فهمه في الفقه والعلم فهمًا جيدًا جدًا وله أسئلة ويبدي إشكالات ويجيب ويبحث وفي الجملة فما في الفقهاء مثله ولا أعبد منه، وكان أخوه القاضي شرف الدين قد كفاه هم الدنيا فتولى القيام بأموره وهو مقبل على شأنه وتزوج وجاءه أولاد وخلف ولدين ذكرًا وأنثى، وكان تزوج بامرأة شابة حسناء ثم طلقها من أشهر وهي بنت جارية أخيه وأَبوها شمس الدين الحواري الذي كان زوج أختهما، واتفق بعد موته وتزويجها بعده أنها جاءت إلى بيتهم زائرة فطعنت وماتت بعدما أبرأت ذمة زوجها الشيخ بدر الدين وذلك بعد موته بشهرين كاملين في آخر ذي القعدة.