الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا وقبل أن أنهى الكلام عن العام أذكر بإيجاز من باب الفائدة مسائل متعلقة به ذكرها العلماء قديما وتناولوها بالشرح والبيان:
المسألة الأولى: اختلف العلماء فى لفظ «من» وهو من صيغ العموم هل يتناول الأنثى؟ أو هو خاص بالذكر؟
ذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه ومن نهج نهجه إلى القول بأن «من» إذا وقعت شرطا عمت الذكور والإناث وذلك لإشعارها بالعموم عند الإبهام فى باب الشرط، واتفاق الشرع والوضع على القضاء بذلك، قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى (1) فالتفسير بها دال على تناول «من» لهما، وقال سبحانه:
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً (2).
ومن قال: «من أتانى أكرمته» لم يختص وجوب إكرامه بالذكور دون الإناث، وكذلك من قال:«من دخل دارى من أرقائى فهو حر» اندرج فى حكم التعليق الذكور والإناث (3).
وذهب السادة الحنفية إلى أنها تخص الذكور دون الإناث، وقالوا:
بأن من ذهب إلى القول بأنها تشمل الذكور والإناث فقد أبطل تقسيم العرب فيهما، فإنهم قالوا فى الذكور: من ومنان ومنون وفى الإناث:
منه ومنتان ومنان.
قال الشيخ الزنجانى رحمه الله تعقيبا على كلام الحنفية
(4):
«غير أن هذا ضعيف فإنه من شواذ اللغة والقانون الأصلى فى بابها
(1) سورة النساء الآية: 124.
(2)
سورة الأحزاب الآية: 31.
(3)
تخرج الفروع على الأصول للزنجانى 178، 179، وشرح الجلال المحلى 1/ 428.
(4)
المرجع الأول السابق.
التعميم كما ذكرنا، ويتفرع عن هذا الأصل أن المرتدة تقتل عند الشافعى رضى الله عنه تمسكا بقوله صلى الله عليه وسلم:«من بدل دينه فاقتلوه» (1) وعندهم- أى الحنفية- لا تقتل لقصور اللفظ عن تناولها» المسألة الثانية: الأصح فى الأصول أن الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ يشمل الكافر والعبد وذلك لعموم اللفظ، وقيل: لا يعم الكافر بناء على عدم تكليفه بالفروع، ولا العبد لصرف منافعه إلى سيده شرعا (2).
المسألة الثالثة: اختلف العلماء فى العام إذا سبق للمدح كقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (3) أو الذم كقوله تعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (3) هل هو باق على عمومه؟ على مذاهب:
الأول: نعم حيث إنه لا تنافى ولا تضاد بين العموم وبين المدح أو الذم، ولم يوجد صارف يصرفه عن عمومه، وهو لأكثر الحنفية والمالكية والحنابلة (4).
الثانى: لا يبقى على عمومه، لأنه لم يسق للتعميم وإنما سيق للمدح
(1) أخرجه مسلم فى صحيحه بمعناه 2/ 40. وابن ماجة فى سننه 2/ 848.
(2)
المعتمد فى أصول النفقة لأبى الحسين البصرى 1/ 294 وتنقيح الفصول 196، والإتقان 3/ 57.
(3)
سورة الانفطار آيتا: 13، 14.
(4)
فواتح الرحموت 1/ 283، وتيسير التحرير 1/ 257.
أو الذم وهو للإمام الشافعى رحمه الله (1). وبناء على عدم إفادته العموم منع بعض الشافعية الاستدلال بقوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (2) على وجوب الزكاة فى الحلى من الذهب والفضة، لا من اللؤلؤ وغيره بأن هذا العام وقع فى معرض الذم فلا عموم له فيجوز ألا يتناول الحكم الحلى.
والثالث: التفصيل فيعم إذا لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك، ولا يعم إن عارضه ذلك. وهذا المذهب عبر الشيخ جلال الدين السيوطى عنه بالأصح (3).
مثال العام الذى يفيد العموم حيث لا معارض قوله تعالى:
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ومثاله مع المعارض قوله تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ* إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (4) فهذا النص سيق للمدح وظاهره يعم الأختين بملك اليمين جمعا، وعارضه فى ذلك قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ (5)
(1) التمهيد للأسنوى: 98.
(2)
سورة التوبة آيتا: 34، 35.
(3)
الإتقان 3/ 56.
(4)
سورة المؤمنون آيتا: 5، 6.
(5)
سورة النساء الآية: 23.
فهو عام فى كل أختين ولم يسق للمدح، وإنما سيق بعد ذكر المحرمات إلحاقا لمحرمات تعم الحرائر والإماء. ومن هنا حمل العلماء النص الأول المسوق للمدح على غير
ذلك بأن لم يرد تناوله له.
ومثاله فى الذم قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
…
الآيتان فواضح أنه مسوق للذم، وظاهره يعم الحلى المباح لكن عارضه قوله صلى الله عليه وسلم:«لا زكاة فى الحلى» (1) فحمل الأول على غير ذلك.
المسألة الرابعة: اختلفت العلماء فى الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ هل يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ على ثلاثة مذاهب هى:
المذهب الأول: وهو أصحها (2) وعليه الأكثرون نعم لعموم الصيغة له.
والثانى: لا يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه ورد على لسانه لتبليغ غيره ولماله من الخصائص.
والثالث: إن اقترن الخطاب بكلمة «قل» لم يشمله صلى الله عليه وسلم لظهوره فى التبليغ وذلك قرينة عدم شموله والا فيشمله.
المسألة الخامسة: اختلف فى الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى:
(1) أخرجه البيهقى فى المعرفة من حديث عافية بن أيوب عن الليث عن أبى الزبير عن جابر ثم قال: لا أصل له وإنما يروى عن جابر من قوله وعافية قيل ضعيف وقال ابن الجوزى ما نعلم فيه جرحا. وقال البيهقى مجهول ونقل ابن أبى حاتم توثيقه عن أبى زرعة- تلخيص الحبير 2/ 176.
(2)
الإتقان 3/ 57.
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (1) وقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ (2) هل يشمل الأمة؟ فقيل نعم لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفا. والأصح فى الأصول المنع لاختصاص الصيغة به (3).
(1) سورة المائدة الآية 67.
(2)
سورة الأحزاب الآية 1.
(3)
شرح الجلال المحلى 1/ 426.