الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو وإن كان خبر آحاد إلا أن العلماء تلقته بالقبول، وأجمعت العامة على القول به.
وقال ابن سلامة رحمه الله
(1):
نسخت بالكتاب والسنة. فالكتاب قوله تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ (2). الآية وأما السنة فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» . اه.
وقال ابن العربى رحمه الله
(3):
والصحيح نسخها وأنها مستحبة إلا فيما يجب على المكلف بيانه، أو الخروج بأداء عنه وعليه يدل اللفظ بظاهره اه.
وقد اختلف القائلون بالنسخ (4): فذهب طاوس وقوم معه إلى أن الوصية للوالدين والأقربين نسخت وبقيت للقرابة غير الوارثين، فمن أوصى لغير قرابة لم تجز. وذهب غيرهم إلى أنها منسوخة فى حق من يرث وحق من لا يرث (5).
وحجة الأولين: أن الوصية لمن يرث ومن لا يرث من الأقربين، كانت واجبة بالآية فنسخت منها الوصية للوارثين، وبقيت للأقربين غير الوارثين على الوجوب، ويؤكد هذا قوله صلى الله عليه وسلم:«ما حق امرئ مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (6).
(1) الناسخ والمنسوخ له 16.
(2)
سورة النساء الآية: 11.
(3)
أحكام القرآن له 1/ 71.
(4)
تفسير آيات الأحكام 1/ 55، 56.
(5)
قال ابن كثير رحمه الله تفسير القرآن له 1/ 302 - «على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخا فى اصطلاحنا المتأخر لأن آية الميراث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث فرفع حكم من يرث بما عين له وبقى الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم إن الوصاية فى ابتداء الإسلام إنما كانت ندبا حتى نسخت» .
(6)
أخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الوصية 2/ 11.
وحجة الآخرين: ما رواه الشافعى (1) عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكم فى ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم، فأعتقهم عند الموت فجزأهم النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء. فأعتق اثنين وأرق أربعة.
فلو كانت الوصية واجبة للأقربين وإذا جعلت فى غيرهم بطلت لما أجازها النبى صلى الله عليه وسلم فى العبدين، لأن عتقهما وصية لهما وهما غير قريبين.
هذا ما قاله الجمهور تجاه هذه الآية على حين ذهب إلى القول بأنها محكمة (2) الحسن البصرى والعلاء بن زيد ومسلم بن يسار وروى عن طاوس.
وقد ذكر الفخر الرازى (3) فى تفسيره أن أبا مسلم الأصفهانى يرى أن الآية محكمة غير منسوخة وقرر مذهبه بوجوه منها:
أولا: لا يوجد تعارض أو اختلاف بين آية الوصية وآية المواريث. بل آية الوصية مقررة لها، والمعنى كتب ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين فى قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إذ كتب على المحتضر أن يوصى للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم.
ثانيا: لا منافاة بين ثبوت الوصية للأقرباء، وثبوت الميراث. فالوصية عطية من حضره الموت، والميراث عطية من الله تعالى. فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.
ثالثا: لو قدر حصول المنافاة بين آية الميراث، وآية الوصية لكان يمكن
(1) إختلاف الحديث له بهامش الأم 7/ 270، 271.
(2)
الناسخ والمنسوخ لابن سلامة 16.
(3)
التفسير الكبير 5/ 61.
جعل آية الميراث مخصصة لآية الوصية، لأن هذه الآية تفهم بعمومها أن الوصية واجبة لكل قريب، وآية المواريث أخرجت القريب الوارث فبقيت آية الوصية مرادا بها القريب الذى لا يرث إما لمانع من الإرث، وإما لأنه محجوب بأقرب منه، وإما لأنه من ذوى الأرحام.
والحق أن ما ذهب إليه أبو مسلم وغيره هو الذى تستريح النفس إليه، لأن آية المواريث لم تبين إلغاء ما دلت عليه آية الوصية، وليس هناك تناقض بين الحكمين حتى نضطر إلى إبطال إحدى الآيتين بالأخرى.
وأما الحديث فإنما يحتج به من يقول إن النص القطعى ينسخ بالظنى، ومن هنا فيجب التوفيق بين الآيتين كما ذكر أبو مسلم وغيره، وقد ذهب الإمام الطبرى فى تفسيره
إلى قول أبى مسلم فقال رحمه الله (1) فى تفسير الآية:
فإن قال قائل: أو فرض على الرجل ذى المال أن يوصى لوالديه وأقربيه الذين لا يرثون؟. قيل: نعم وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من العلماء منهم الضحاك، فقد كان يقول: من مات ولم يوص لذى قرابته فقد ختم عمله بمعصية، ومنهم مسروق فقد حضر رجلا فوصى بأشياء لا تنبغى فقال له مسروق: إن الله قسم بينكم فأحسن القسم، وإنه من
(1) جامع البيان فى تفسير القرآن للطبرى 2/ 68.