الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أريد بها الصفة كانت متعلقة بالمقدور وإذا أطلقت على النبات الحسن لم يكن لها متعلق فيعلم كونها مجازا فيه.
فائدتان:
الأولى: يجوز أن يريد الله بكلامه خلاف ظاهره إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، وذلك لأن القرينة تبين لنا أن الظاهر غير مراد.
قال الشيخ تاج الدين السبكى رحمه الله
(1):
قد يريد الله بكلامه خلاف ظاهره، إذا كانت هناك قرينة يحصل بها البيان ولا يمكن أن يعنى بكلامه خلاف ظاهره من غير بيان. اه.
وقال الشيخ جلال الدين المحلى رحمه الله
(2):
ولا يجوز أن يرد فى الكتاب والسنة ما يعنى به غير ظاهره إلا بدليل يبين المراد كما فى العام المخصوص بمتأخر. اه.
مثال ذلك: آيات التشبيه كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (3) وقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (4) فالظاهر هنا غير مراد حيث أقام الله تعالى قرينة قاطعة على عدم التشبيه والمثيل له، فقال جل شأنه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (5) وإنما قال الجمهور: لا بدّ من وجود قرينة، لأن اللفظ بالنسبة إلى خلاف الظاهر الذى لا تدل عليه قرينة مهمل لا يفهم منه معنى، والخطاب بما لا يفهم المراد منه ممتنع لعدم الفائدة.
(1) الإبهاج: 1/ 230.
(2)
شرح الجلال على جمع الجوامع: 1/ 233.
(3)
سورة الفتح الآية: 10.
(4)
سورة الرحمن آيتا: 26، 27.
(5)
سورة الشورى الآية: 11.
وذهب المرجئة (1) إلى القول بجواز أن يعنى خلاف الظاهر بدون قرينة، وغالوا فى ضلالهم حيث قالوا: إن المراد بظواهر الآيات والأخبار الدالة على عقاب الفاسقين، ووعيد العصاة والمذنبين هو الترهيب فقط لحمل الناس على الكف عن ارتكاب المعاصى، وذلك حتى لا يختل نظام العالم بناء على معتقدهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر.
ويترتب على هذا الكلام الخطير الكذب فى أخباره تعالى وهو كفر والعياذ بالله، ويرد عليهم بأن كلامهم هذا يؤدى إلى ارتفاع الوثوق عن النصوص الشرعية لاحتمال أن يراد بها خلاف الظاهر وهو باطل قطعا.
أضف إلى ذلك أنه يفتح بابا للفساد وافتراء المفترين على الدين حتى يصرفوا كل النصوص الشرعية عن ظاهرها، بحجة أنها غير مرادة، وينهدم بذلك- لا قدر الله- صرح الدين. هذا وما يقال بالنسبة للقرآن الكريم، يقال أيضا بالنسبة للسنة المطهرة فلا يتأتى فيها ألفاظ مراد بها غير الظاهر بدون قرينة.
وبهذا يتضح لنا أن الألفاظ لا بدّ أن تستعمل فى معانيها الموضوعة لها، حيث لا قرينة وإذا وجدت القرينة حملت الألفاظ عليها ويكون ذلك من باب المجاز. كما لا يجوز حيث لا قرينة أن تستعمل الألفاظ فى غير
(1) المرجئة: فرقة تزعم أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله دخل الجنة وإن عمل أى عمل. فهم يرون أن الإيمان قول بلا عمل، كأنهم قدموا القول وأخروا العمل أى أرجئوه فسموا مرجئة، ويعتقدون أن الذنوب كلها صغائر ولا تضر مرتكبها ما دام على الإسلام ولذاك قال شاعرهم:
مت مسلما ومن الذنوب فلا تخف
…
حاشا المهيمن أن يرى تنكيدا
لو رام أن يصليك نار جهنم
…
ما كان ألهم قلبك التوحيدا
(اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازى 107، وشرح البيجورى على الجوهرة 2/ 129).
معانيها الظاهرة، لأن هذا يؤدى إلى الكذب فى خبر الله تعالى، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، ويستهان بالشريعة ويخلع المرء بذلك ربقة الإسلام من عنقه وهو لا يدرى.
الثانية: لا يجوز ورود ما لا معنى له فى القرآن والسنة، لأنه نقص والنقص على الله تعالى محال. وجوّز الحشوية (1) على الله تعالى أن يخاطبنا ويتعبدنا بالمهمل، واستندوا إلى ثلاث شبه تفيد فى نظرهم أن الله عز وجل خاطبنا بالمهمل وهذه الشبه هى:
الشبهة الأولى: قالوا: إن المهمل قد ورد كثيرا فى القرآن الكريم، كأوائل السور نحو: الم- الر- ص- ق- ن. إلى غير ذلك مما لا معنى له، وإذا كان هذا قد ورد وقد تعبدنا الله تعالى به.
إذن فالخطاب بالمهمل متعبد به وهو المطلوب.
وأجيب عن هذا من قبل الجمهور: بأننا لا نسلم أن أوائل السور لا معنى لها، بل لها معانى ذكرها العلماء، ونصوا عليها، والقارئ فى كتب التفسير وعلوم القرآن يجد أن من العلماء من فوض علمها إلى الله تعالى وقال: هى مما استأثر الله تعالى بعلمه، فهى لها معان ولكن معانيها مما استأثر الله به، ومن ثم فعدم معرفتنا معانيها لا يكون دليلا على أنها مهملة. ومن العلماء من فسرها وإن كانوا قد اختلفوا فى معناها:
1 -
فقال بعضهم: هى أسماء السور.
2 -
وقال بعضهم: هى أسماء الله تعالى. قال الشعبى رحمه الله: فواتح السور من أسماء الله تعالى.
(1) الحشوية بفتح الشين لأنها منسوبة إلى الحشى بالقصر كالفتى ويجوز إسكان الشين على أنها منسوبة إلى الحشو الذى لا معنى له فى الكتاب والسنة وسموا حشوية من قول الحسن البصرى رحمه الله لما وجد كلامهم ساقطا، وكانوا يجلسون فى حلقته أمامه ردوا هؤلاء إلى حشى الحلقة أى جانبها- شرح جلال الدين المحلى، وحاشية البنانى عليه 1/ 232، 233.