الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلة ذلك: أن المأمورية هو فعلنا وفعلنا لا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون قد وقع منا فعلا، وإما أن يكون لم يقع منا بعد.
فإن كان قد وقع منا بعد فقد فنى، لأن أفعالنا أعراض فانية، ولا يجوز أن ينهى عما قد فنى لأنه لا سبيل إلى عودته أبدا. وكذلك لا يجوز أن يؤمر أيضا بما قد فنى، لأنه لا يجوز أن يعود أيضا، ولا يجوز كذلك أن يباح لنا ما قد فنى لأن كل هذا محال.
وان كان لم يقع منا فكيف ينسخ شىء لم يكن بعد
؟
وبذلك يتضح لنا جليا أن المرفوع إنما هو الأمر المتقدم وليس الفعل الذى لم نفعله بعد وقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (1).
دليل على ذلك حيث يفيد أن الآية هى المنسوخة لا أفعالنا المأمور بها والمنهى عنها. والآية هى الأمر الوارد من الله تعالى بإيجاب ما أوجب، أو تحريم ما حرم، وأما المأمورية فهى حركاتنا وأعمالنا من صلاة وصيام وإقامة حد ونحو ذلك. هذا وقد قال العلماء إن الكلام ينقسم أربعة أقسام:
1 -
أمر.
2 -
رغبة.
3 -
خبر.
4 -
استفهام.
فالاستفهام والخبر والرغبة لا يقع فيها نسخ، وإنما يسمى الرجوع عن الخبر والاستفهام استدراكا، وكل ذلك منفى عن الله تعالى، لأن الرجوع عنهما إنما هو تكذيب للخبر المرجوع عنه. وأما الرجوع عن الرغبة
(1) سورة البقرة الآية: 106.
فإنما يسمى استقالة أو تنزّها عما انحط إليه قبل ذلك. أما الأمر- وهو الذى يقع عليه نسخ- فمراتبه فى الشريعة خمسة هى
1 -
الحرام: وهو الطرف الأول، وقد عرفه البيضاوى فقال (1): والحرام ما يذم شرعا فاعله.
2 -
الفرض: وهو الظرف الثانى، وقد عرفه البيضاوى بقوله (1): إنه الذى يذم شرعا تاركه قصدا مطلقا.
3 -
الكراهة: وهى تلى الحرام فى المرتبة- وهى الأشياء (3) التى تركها خير من فعلها، إلا أن من تركها أجر ومن فعلها لم يأثم.
4 -
الندب: وهو يلى مرتبة الفرض، وهو الأشياء التى فعلها خير من تركها إلا أن من فعلها أجر ومن تركها غير راغب عنها لم يأثم (4).
5 -
المباح: ويقع فى المرتبة بين الكراهة والندب- وهو ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم، ففعله لا يترتب عليه أجر ولا إثم، وكذلك تركه لا يترتب عليه أجر أو إثم كجلوس الإنسان مربعا أو مرفوع الركبة الواحدة، وصباغة ثوبه أخضر أو أسود- مثلا (5) -.
فإذا نسخ الفرض ننظر: فإن كان بلفظ لا تفعل بعد أن أمرنا بفعله فهو منتقل إلى التحريم، لأن هذه صيغة التحريم. وإن نسخ بأن قال:
«لا جناح عليكم» أو بلفظ تخفيف أو بترك أو بفعل لم ينتقل إلا إلى أقرب المراتب إليه، وهو الندب وذلك مثل صيام عاشوراء، فإنه لما نسخ وجوبه انتقل إلى الندب وذلك عند من يقول: إن صومه كان واجبا.
(1) منهاج البيضاوى وشرحه نهاية السول 1/ 41، 47.
(3)
الإحكام لابن حزم 4/ 456.
(4)
انظر: المراجع السابقة.
(5)
الإحكام لابن حزم 4/ 456، ونهاية السول 1/ 48.
وكذلك إن نسخ التحريم فإن كان نسخه بلفظ «افعل» . انتقل إلى الفرض لأن هذه صيغة الفرض.
وإن نسخ بقوله لا جناح عليكم، أو بلفظ تخفيف انتقل إلى أقرب المراتب إليه وهى الكراهة.
وإذا نسخت الكراهة أو الندب بلفظ «أفعل» انتقلا إلى الفرض.
وإن نسخا بلفظ «لا تفعل» انتقلا إلى التحريم.
وإن نسخا بلفظ تخفيف انتقلا إلى الإباحة المطلقة لأن الإباحة أقرب إليهما من الفرض والتحريم.
لكن هل يقل نسخ على الأوامر المتعلقة بالأصول؟
الحق أن النسخ إنما يقع فى خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات، أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة فلا نسخ فيها على الرأى السديد الذى عليه الجمهور. وذلك لأن العقائد حقائق ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، فبدهى ألا يتعلق بها نسخ، وأما أمهات الأخلاق فلأن حكمة الله فى شرعها ومصلحة الناس فى التخلق بها أمر ظاهر لا يتأثر بمرور الزمن، ولا يختلف باختلاف الأشخاص والأمم حتى يتناولها النسخ بالتبديل والتغيير. وأما أصول العبادات والمعاملات فلوضوح حاجة الخلق إليهما باستمرار لتزكية النفوس وتطهيرها، ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق والخلق على أساسهما، فلا يظهر وجه من وجوه الحكمة فى رفعها بالنسخ.
وأما مدلولات الأخبار المحضة فلأن نسخها يؤدى إلى كذب الشارع فى أحد خبريه الناسخ والمنسوخ وهو محال عقلا ونقلا.
أما عقلا فلأن الكذب نقص والنقص عليه تعالى محال.
وأما نقلا فلمثل قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (1) نعم إن نسخ الخبر دون مدلوله جائز وله صورتان إحداهما: أن تنزل الآية مخبرة عن شىء، ثم نسخ تلاوتها فقط والأخرى: أن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شىء ثم يهانه أن نتحدث به.
وأما الخبر الذى ليس محضا بأن كان فى معنى الإنشاء، ودلّ على أمر أو نهى متصلين بأحكام فرعية عملية فلا نزاع فى جواز نسخه، والنسخ به لأن العبرة بالمعنى لا باللفظ.
مثال الخبر بمعنى الأمر: قوله تعالى:
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً (2) فإن معناه ازرعوا.
ومثال الخبر بمعنى النهى: قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ (3).
فإن معناه لا تنكحوا زانية أو مشركة- بفتح التاء- ولا تنكحوهما- بضم التاء. والفرق بين أصول العبادات والمعاملات وبين فروعها أن فروعها هى ما تتعلق بالهيئات والأشكال والأمكنة والأزمنة والعدد أو هى كمياتها وكيفياتها. وأما أصولها فهى ذوات العبادات والمعاملات بقطع النظر عن الكم والكيف.
هذا وما قلته من قصر النسخ على ما كان من قبيل الأحكام الفرعية هو الرأى السائد الذى تستريح النفس إليه، وهناك آراء مغايرة حرىّ بمن
(1) سورة النساء الآية: 87.
(2)
سورة يوسف الآية: 47.
(3)
سورة النور الآية: 3.
يكتب فى النسخ- مستقلا- أن يتعرض لها بالتفصيل (1). هذا وللإمام الشاطبى رحمه الله فى هذه النقطة كلام طيب لا بأس بإيراده تتميما للفائدة يقول رحمه الله (2):
القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات والتحسينيات لم يقع فيها نسخ، وإنما وقع النسخ فى أمور جزئية بدليل الاستقراء، فإن كل ما يعود بالحفظ على الأمور الخمسة (3) ثابت، وإن فرض نسخ بعض جزئياتها فذلك لا يكون إلا بوجه آخر من الحفظ، وإن فرض النسخ فى بعضها إلى غير بدل فاضل. الحفظ باق إذ لا يلزم من رفع بعض أنواع الجنس رفع الجنس.
بل زعم الأصوليون أن الضروريات مراعاة فى كل ملة، وإن اختلفت أوجه الحفظ بحسب كل ملة، وهكذا يقتضى الأمر فى الحاجيات والتحسينيات.
وقد قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (4).
وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ (5).
وقال بعد ذكر كثير من الأنبياء عليهم السلام:
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (6).
(1) شرح لحلال المحلى 2/ 84 - 87، وارشاد الفحول 186، وغاية الوصول 89، ومناهل العرفان 2/ 107.
(2)
الموافقات 3/ 117، 118.
(3)
هى حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.
(4)
سورة الشورى الآية: 13.
(5)
سورة الأحقاف الآية: 35.
(6)
سورة الأنعام الآية: 90.