الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال الآمدى رحمه الله
(1):
«اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس ونسخها معا
…
ثم قال: أما نسخ التلاوة والحكم فيدل عليه ما روت عائشة رضى الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات فنسخت بخمس وليس فى المصحف عشر رضعات محرمات ولا حكمها فهما منسوخان». وفى رواية- وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (2) -، وهذا الحديث صحيح وإذا كان موقوفا على السيدة عائشة رضى الله عنها فإن له حكم المرفوع لأن مثله لا يقال بالرأى. بل لا بدّ فيه من توقيف.
وقد تكلم العلماء فى قولها- وهن فيما يقرأ من القرآن- فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك. فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة، والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفى وبعض الناس يقرؤها.
وقال أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه: نزلت ثم رفعت. وقال مكى (3): هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو والناسخ أيضا غير متلو ولا أعلم له نظيرا.
قال الشيخ محمد عيد المحلاوى رحمه الله
(4):
«ما يكون منسوخ التلاوة والحكم معا وهو ما نسخ فى حياته صلى الله عليه وسلم من القرآن بالإنساء، أى الرفع عن القلوب، كما روى
(1) الإحكام 3/ 129.
(2)
أخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الرضاع 2/ 616.
(3)
الاتقان 3/ 71.
ومكى بن حموش بن محمد القيسى المقرئ صاحب كتاب الرعاية فى تجويد القرآن توفى بقرطبة سنة 437 هـ- وفيات الأعيان لابن خلكان 2/ 120 -
(4)
تسهيل الوصول له 136.
أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة فجاز ذلك فى حياته صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (1) ولم يجز ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (2) وقد يرفع الحكم والتلاوة بدليل شرعى فيكون نسخا، وبدون دليل شرعى فلا يسمى نسخا».
هذا وللإمام الحنفى شمس الأئمة السرخسى كلام طيب لا بأس بإيراده هنا تتميما للفائدة.
يقول رحمه الله (3):
«
…
وله طريقان: إما صرف الله تعالى عنها القلوب، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف. ثم هذا النوع من النسخ فى القرآن كان جائزا فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فالاستثناء دليل على جواز ذلك، وقال: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها (4) وقال: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ (5) فأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز هذا النوع من النسخ فى القرآن عند المسلمين، وقال بعض الملحدين ممن يتستر بإظهار الإسلام، وهو قاصد إلى إفساده: هذا جائز بعد وفاته أيضا، واستدل فى:
ذلك بما روى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان يقرأ «لا ترغبوا
(1) سورة الأعلى آيتا: 6، 7.
(2)
سورة الحجر الآية: 9.
(3)
أصول السرخسى 2/ 78.
(4)
سورة البقرة الآية: 106.
(5)
سورة الإسراء الآية: 86.
عن آبائكم فإنه كفر بكم» وأنس رضى الله عنه كان يقول: قرأنا فى القرآن «بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا» وقال عمر رضى الله عنه- قرأنا آية الرجم فى كتاب الله ووعيناها (1).
وقال أبىّ بن كعب رضى الله عنه: إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها. والشافعى رضى الله عنه لا يظن به موافقة هؤلاء فى هذا القول، ولكنه استدل بما هو قريب من هذا فى عدد الرضعات.
ثم قال رحمه الله: «والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (2) ومعلوم أنه ليس المراد الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا. فالغفلة والنسيان متوهم مناوبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عز وجل، ولأنه لا يخلو شىء من أوقات بقاء الخلق فى الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحى فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التى حملوها، إذ العقل لا يوجب ذلك، وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحى ينزل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو جوزنا هذا فى بعض ما أوحى إليه لوجب القول بتجويز ذلك فى جميعه فيؤدى إلى القول بأن لا يبقى شىء مما ثبت بالوحى بين الناس فى حال بقاء التكليف، وأى قول أقبح من هذا؟ ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما فى أيدينا اليوم أو كله مخالف لشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نسخ الله ذلك بعده وألف بين قلوب الناس على أن
(1) سيأتى- إن شاء الله- قريبا أن ما روى عن أنس وعمر رضى الله عنهما مما نسخ تلاوته دون حكمه.
(2)
سورة الحجر الآية: 9.
ألهمهم ما هو خلاف شريعته، فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنه هو الحافظ لما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وبه يتبين أنه لا يجوز نسخ شىء منه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بطريق الاندراس (1)، وذهاب حفظه من قلوب العباد، وما ينقل من أخبار الآحاد شاذ لا يكاد يصح شىء منها ويحمل قول من قال فى آية الرجم (2) إنه فى كتاب الله، أى فى حكم الله تعالى كما قال تعالى:
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (3) أى حكم الله عليكم، وحديث عائشة لا يكاد يصح لأنه قال فى ذلك الحديث، وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل داجن (4) البيت فأكله ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، ولا يتعذر عليهم إثباته فى صحيفة أخرى فعرفنا أنه لا أصل لهذا الحديث».
هذا ما قاله شمس الأئمة رحمه الله، ويمكن أن يلخص فى النقاط التالية:
الأولى: يجوز نسخ التلاوة والحكم معا فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثانية: لا يجوز النسخ مطلقا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. وقد وافق الإمام الجمهور فى هاتين النقطتين.
(1) درس الأثر يدرس دروسا ودرسته الريح تدرسه درسا أى محته- لسان العرب 2/ 1359 -
(2)
نص الآية هو: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله- تفسير آيات الأحكام تنقيح وتصحيح الشيخ السائس 3/ 105 - .
(3)
سورة النساء 24.
(4)
الداجن يطلق على الشاة التى تعلقها الناس فى المنازل وقد يطلق على غير الشاء من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها- لسان العرب 2/ 1131 - .