الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكذلك حلال بنص الحديث الكبد والطحال وكلاهما دم.
القسم الثالث: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحدا، ولكن سبب الحكم فيهما مختلف.
مثاله: قال تعالى فى كفارة القتل الخطأ:
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (1) وقال فى كفارة الظهار:
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (2) فيلاحظ أن الحكم فى هاتين الآيتين واحد، وهو وجوب عتق رقبة، والسبب مختلف، لأن سبب المقيد القتل الخطأ وسبب المطلق هو الظهار، وقد اختلف العلماء فى هذه الحالة على مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: وهو لبعض الشافعية: يحمل المطلق على المقيد، ويكون اللفظ دالا على أن المطلق مراد به المقيد، لأن كلام الله تعالى متحد فى ذاته، فهو كالكلمة الواحدة، فإذا نص على اشتراط الإيمان فى كفارة القتل كان ذلك تنصيصا على اشتراطه فى كفارة الظهار (3).
غير أن الآمدى ضعّف هذا المذهب بقوله:
وهذا مما لا اتجاه له، فإن كلام الله تعالى إما أن يراد به المعنى القائم بالنفس أو العبارات الدالة عليه، والأول وإن كان واحدا لا تعدد فيه غير أن تعلقه بالمتعلقات (4) مختلف باختلاف المتعلق ولا يلزم من تعلقه بأحد
(1) سورة النساء الآية 92.
(2)
سورة المجادلة 3.
(3)
شرح الإسنوى 2/ 140، وأصول الفقه للشيخ أبى زهرة 136.
(4)
كلام الله صفة أزلية قائمة بذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، منزهة عن التقديم
المختلفين بالإطلاق والتقييد، أو العموم والخصوص، أو غير ذلك أن يكون متعلقا بالآخر، وإلا كان أمره ونهيه ببعض المختلفات أمرا ونهيا بباقى المختلفات، وهو محال، بل كان يلزم من تعلقه بالصوم المقيد فى الحج بالتفريق حيث قال تعالى: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ (1) وبالتتابع فى الظهار حيث قال سبحانه: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ (2) أن يتقيد المطلق فى اليمين، إما بالتتابع أو التفريق، وهو محال أو بأحدها دون الآخر، ولا أولوية. كيف وإنه يلزم من تقييده بأحدهما دون الآخر إبطال ما ذكروه من أن التنصيص على أحد المختلفين يكون تنصيصا على الآخر.
وإن أريد به العبارة الدالة فهى متعددة غير متحدة، ولا يلزم من دلالة بعضها على بعض الأشياء المختلفة دلالته على غيره وإلا لزم من ذلك المحال الذى قدمنا لزومه فى الكلام النفسانى (3) أه.
المذهب الثانى: وهو لجمهور الحنفية: ولا يحمل المطلق على المقيد
والتأخير والإعراب والبناء ومنزهة عن السكوت النفسى بأن لا يدبر فى نفسه الكلام مع القدرة عليه.
وكلامه تعالى صفة واحدة لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة- مثلا «أمر» ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنى «نهى» ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا- مثلا «خبر» . وهكذا وكلامه سبحانه يطلق على الكلام النفسى القديم وعلى الكلام اللفظى بمعنى أنه خلقه وليس لأحد فى أصل تركيبه كسب.
(1)
سورة البقرة الآية 196.
(2)
سورة المجادلة الآية 4.
(3)
الإحكام 2/ 164، وفواتح الرحموت 1/ 365.
لا باللفظ ولا بالقياس، حيث إن حمل المطلق على المقيد فيه رفع لحكم (1) المطلق، وذلك نسخ له، والنسخ لا يثبت بالقياس ويرون إيجاب العمل بكل من النصين، فيجوز عندهم إعتاق الرقبة الكافرة فى كفارة الظهار، لأن النص ورد مطلقا فيها ولا يصح عندهم إعتاق الرقبة الكافرة فى كفارة القتل، بل لا بدّ من كونها مؤمنة عملا بالنص المقيد الوارد فيها، ولا تعارض عندهم بين النصين.
أضف إلى ذلك: أن حمل المطلق على المقيد يقتضى اتحاد التاريخ فى النّزول، ليكون المقيد تفسيرا للمطلق، والآيات التى وردت مطلقة يختلف زمان نزولها عن الآيات التى وردت مقيدة، وقد تكون المطلقة أسبق نزولا فكيف تقيد بما يجيء بعد وجودها؟
المذهب الثالث: وهو الأظهر من مذهب الشافعى كما قاله الآمدى وصححه: أنه إن وجد جامع بين المطلق والمقيد حمل المطلق على المقيد بالقياس كالمثال المذكور، لأن بين المطلق والمقيد جامعا وهو أن كلا منهما فيه عتق للرقبة التى قصد الشارع حريتها وحثّ على ذلك. وهذا إنما تتحقق فائدته فى الرقبة المؤمنة دون الكافرة، فكان المقصود من المطلق المقيد لهذا السبب، ويكون ذلك تخصيصا والتخصيص بالقياس جائز.
وإن لم يوجد جامع بين المطلق والمقيد لم يحمل المطلق على المقيد وذلك لعدم وجود الدليل الذى يدل على الحمل فيبقى المطلق على إطلاقه عملا بظاهر اللفظ (2).
قال الشوكانى رحمه الله (3): قال الرازى فى الحصول وهو القول المعتدل
(1) يرى الشافعية أن حمل المطلق على المقيد يعتبر بيانا لكون المطلق مرادا به المقيد ابتداء سواء علم التاريخ أو لم يعلم.
(2)
نهاية السول 2/ 141
(3)
المحصول 1/ 590، 591 مخطوط، وإرشاد الفحول 165.