الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
أن أعداء الإسلام اتخذوا من النسخ فى الشريعة الإسلامية أسلحة مسمومة طعنوا بها فى صدر الدين الحنيف. وقالوا من قدسية القرآن الكريم حتى سخروا عقول بعض المسلمين فجحدوا وقوع النسخ وهو واقع.
لهذا فالواجب يقتضى منا العناية والاهتمام بمعرفة هذا الموضوع الهام وأن نسير فيه بشيء من الحذر الشديد والله الموفق
حكمة الله تعالى فى النسخ:
معلوم عند أهل العلم أن معرفة الحكمة وراء تشريع النسخ نريح النفس وتعصم من الوسوسة، وقد اتفق العلماء جميعا على أن الشريعة الإسلامية نسخت كل شريعة قبلها، وفى هذا بيان شرف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل نسخ بشريعته شريعتهم، وشريعته لا ناسخ لها. وكيف يعترى شريعته نسخ وقد احتوت على أكمل تشريع يفى بحاجات الإنسان إلى يوم القيامة؟
كما اتفق العلماء على نسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض، ولعل الحكمة من وراء هذا النسخ نرجع إلى سياسة الأمة وتعهدها بما يرفيها ويطهرها.
قال الشوكانى رحمه الله
(1):
«
…
وقيل: الحكمة حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم فى تبديل حكم بحكم وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة، وقيل الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم وبأن رفع مؤنتها عنهم فى الدنيا مؤذن برفعها فى الجنة». فالتخفيف عن الناس يظهر فى نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه، وفى ذلك إغراء لهم على المبالغة فى شكره سبحانه وتعالى.
(1) إرشاد الفحول 185.
وأما الحكمة فى نسخ الحكم بما يساويه فهى الابتلاء والاختيار ليميز الله الخبيث من الطيب، أما الحكمة من بقاء التلاوة مع نسخ الحكم- عند القائلين به- فتسجيل هذه الظاهرة الحكيمة ظاهرة سياسة الإسلام للناس حتى يشهدوا أنه الدين الحق، وأن نبيه صلى الله عليه وسلم نبى الصدق. يضاف إلى ذلك ما يكتسبونه من الثواب على هذه التلاوة، ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها.
وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فحكمته تظهر فى كل آية بما يناسبها.
ومن أمثلة ذلك: أنه روى عن عمر بن الخطاب وأبى بن كعب رضى الله عنهما أنهما قالا: كان فيما أنزل من القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. أى كان هذا النص آية تتلى، ثم نسخت تلاوتها وبقى حكمها معمولا به، والسر فى ذلك أنها كانت تتلى أولا لتقرير حكمها ردعا لمن تحدثه نفسه أن يتلطخ بهذا العار الفاحش من شيوخ وشيخات، حتى إذا ما تقرر هذا الحكم فى النفوس نسخ الله تلاوته لحكمة أخرى هى الإشارة إلى شناعة هذه الفاحشة، وبشاعة صدورها من شيخ وشيخة حيث سلكها مسلك ما لا يليق أن يذكر فضلا عن أن يفعل، وسار بها فى طريق يشبه طريق المستحيل الذى لا يقع كأنه قال: نزهوا الأسماع عن سماعها والألسنة عن ذكرها فضلا عن الفرار منها ومن التلوث برجسها (1).
(1) لطائف الإشارات 40، 41، ومناهل العرفان 2/ 92.