الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثانى فى غير واضح الدلالة
غير واضح الدلالة من النصوص هو ما لا يدل على المراد منه بنفس صيغته، بل يتوقف فهم المراد منه على أمر خارجى. إن كان يزال خفاؤه بالبحث والاجتهاد، فهو الخفى أو المشكل، وإن كان لا يزال خفاؤه إلا بالاستفسار من الشارع نفسه، فهو المجمل، وإن كان لا سبيل إلى إزالة خفائه أصلا فهو المتشابه. فغير واضح الدلالة قسمه الأصوليون إلى أربعة أقسام ليست فى مرتبة واحدة فى الخفاء، وإنما هى متفاوتة فأعلاها التشابه، وأقل منه خفاء المجمل، ثم المشكل ثم الخفى.
وهذه الأقسام الأربعة أضداد تقابل الأقسام المذكورة السابقة، فالخفى ضد الظاهر والمشكل ضد النص، والمجمل ضد المبين والمتشابه ضد المحكم، وإليك بيان المراد اصطلاحا بكل واحد منها وأمثلته وحكمه.
أولا: الخفى:
والمراد به عند الأصوليين: اللفظ الذى يدل على معناه دلالة ظاهرة، ولكن فى انطباق معناه على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء تحتاج إزالته إلى نظر وتأمل (1).
فاللفظ حينئذ يعتبر خفيّا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد، ومنشأ هذا الغموض أن الفرد فيه صفة زائدة على سائر الأفراد، أو ينقص عنها صفة أو له اسم خاص. فهذه الزيادة أو النقص أو التسمية الخاصة تجعله
(1) التلويح على التوضيح 1/ 126، وشروح المنار 359، وفواتح الرحموت 2/ 20، وأصول خلاف 170.
موضع اشتباه، فيكون اللفظ خفيّا بالنسبة إلى هذا الفرد لأن تناوله له لا يفهم من نفس اللفظ بل لا بدّ له من أمر خارجى مثاله: قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1).
فلفظ السارق فى الآية الكريمة يطلق على من يأخذ مال الغير خفية من حرز مثله (2)، وهذا هو المفهوم الشرعى له، والظاهر منه أنه يتناول جميع أفراده حتى من يسرق الناس فى يقظتهم بنوع من المهارة وخفة اليد وهو المسمى «الطرار» (3) كما يتناول بحسب الظاهر النباش الذى يسرق أكفان الموتى فى قبورهم، لكن فى اختصاص من يسرق الناس فى يقظتهم باسم الطرار، وفى اختصاص من يسرق الأكفان باسم النباش جعل لفظ السارق خفى المعنى بالنسبة إليهما، لأن انطباق معناه عليهما.
لا يفهم من نفس اللفظ، بل لا بدّ له من أمر خارجى. فتسمية الطرار والنباش بهذا الاسم، أورثت شبهة فى صدق لفظ السارق عليهما، واحتيج فى معرفة ذلك إلى شىء من البحث والتأمل.
وقد بحث العلماء فى هذا فوجدوا أن الطرار سمى بهذا الاسم الخاص لزيادة معناه عن معنى السارق، لأن السارق يسرق الأعين النائمة وهذا يسارق الأعين المتيقظة، ومن ثم اتفقوا على تطبيق حكم السارق عليه (4).
أما النباش فقد اختص بهذا الاسم لنقصانه فى معنى السرقة، لأنه لا يأخذ مالا مرغوبا فيه من حرز أو حافظ، لأن القبر لا يصلح أن يكون حرزا، والميت لا يصلح حافظا فلا يتناوله لفظ السارق، فلا يقام عليه
(1) سورة المائدة الآية: 38.
(2)
مغنى المحتاج 4/ 158.
(3)
الطرار هو الذى يشق كمّ الرجل ويأخذ ما فيه فهو مأخوذ من الطر وهو القطع والشق- لسان العرب 3/ 2654 - .
(4)
المحرر فى الفقه 2/ 156، والمجموع 20/ 75.
حد السرقة، وإنما يعزر وذلك عند الإمام أبى حنيفة رحمه الله (1). أما الجمهور فيرى أن لفظ السارق يتناول النباش، لأن اختصاصه بهذا الاسم لا ينفى انطباق معنى السارق عليه، وإنما يكون هذا الاختصاص كاختصاص نوع معين من أنواع الجنس باسم فيبقى مندرجا تحت هذا الجنس، وعليه فيكون النباش نوعا من أنواع جنس السارق فيصدق عليه اسم السارق.
وكون القبر غير حرز مرفوض، لأنه يصلح أن يكون حرزا بالنسبة للكفن، لأنه معروف أن حرز كل شىء ما يناسبه، وكون الكفن غير مرغوب فيه لا يمنع ماليته، وتقومه فيتحقق الشرط فى المسروق وهو كونه مالا متقوما، ومن ثم يقام على النباش حد السرقة (2).
هذا ومما عرض له الخفاء فى بعض أفراده بسبب وصف يميز هذا البعض عن غيره لفظ القاتل فى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل شيئا» (3) فإن دلالته على القاتل عمدا ظاهرة، أما دلالته على القاتل خطأ ففيها شىء من الخفاء منشؤه الخطأ، فإن الحرمان من الإرث عقوبة فهل يستحقها المخطئ كما يستحقها المتعمد؟
ذهب المالكية (4) ومن نهج نهجهم إلى القول بعدم دخول القاتل خطأ فى الحديث، وذلك لأنه لم يقصد القتل، وعليه فليس من الإنصاف حرمانه من الإرث.
أما الحنفية (5) فسووا بين المخطئ والمتعمد، لأنه قصّر فى حالة
(1) الشهاب فى توضيح الكتاب 3/ 67.
(2)
المحرر فى الفقه 2/ 158، والمجموع 20/ 85، والروضة 10/ 129، وعمدة السالك 182، والمغنى 8/ 272.
(3)
أخرجه ابن ماجة فى سننه 2/ 913.
(4)
بداية المجتهد 2/ 193
(5)
الشهاب 3/ 191.