الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقًا1.
1 صحيح البخاري: ج1 ص2، 3.
إمكانية وقوع الوحي:
من المعلوم أن العالم ينقسم إلى قسمين:
1-
عالم الغيب "أو ما وراء المادة".
2-
عالم الشهادة:
وقد ضاقت عقول فئة من الناس فلم تؤمن إلا بعالم الشهادة وأنكرت عالم الغيب، وهذا بلا شك قصور في الإدراك وفي وسائله.
ولو تأمل هؤلاء لأدركوا أن فيما أنكروا ما لا يخفى على ذي لب، وأن في عالم الغيب ما هو أقوى ثبوتًا من بعض ما في عالم الشهادة.
أرأيتم ذلك العقل الذي يؤمنون به هل يستطيعون إثبات وجوده بوسائل الإدراك عندهم، وهل يجرؤ أحدهم على إنكار وجوده.
وتلكم الروح التي تسري في أجسادهم هل يدعي أحدهم إنكارها ولو مجرد دعوى.
هل يجرؤ أحدهم على التسوية بين الجسد الميت والجسد الذي تدب فيه الروح، وهل يستطيع بوسائل إدراكه إثبات وجودها.
ألا فليراجع أولئك وسائل الإدراك عندهم وليعلموا قصورها وليبحثوا عن الخلل فيها. وليعلموا -أيضًا- أن هناك عالمًا آخر أوسع من العالم الذي يعيشون فيه. هو عالم الغيب.
وللمتأمل في عالم الشهادة علامات بارزة وأدلة ثابتة لذوي الألباب تدل دلالة قاطعة على عالم الغيب.
والوحي من عالم الغيب الذي يجب الإيمان به، ومن صفات المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب، ولمن طلب الأدلة العلمية -للطمأنينة القلبية- على إمكانية وقوع الوحي نذكر منها:
1-
الحالة الإنسانية نفسها: فالإنسان نفسه أول ما يولد لا يملك من أمر نفسه شيئًا، فلا يملك التحكم في تحريك يده، ولا رأسه، ولا رجله، ولا تحريك بصره يمنة أو يسرة، حتى برازه يخرج بغير إرادته، فلا حول له ولا قدرة ولا سلطان إلا القدرة على تحريك شفتيه للرضاعة!! لأن هناك من كفاه الحاجة إلى كل حركة وهي أمه التي تقوم بكل حاجته، إلا تلك الحركة فلا يمكن أن تقوم بها ولا يمكن أن يستغنى عنها، فمن الذي ألهمه هذه الحركة، ومن الذي علمه!! لا ريب أن قيوم السموات والأرض هو الذي ألهمه وعلمه، فلا عجب إذًا أن يلهم بعض البشر ما تقوم به حياة البشر عامة وصلاح أمرهم.
2-
أن بعض الحشرات كالنحل والنمل وغيرهما تأتي بعجائب الأنظمة ودقائق الأمور مما يطول شرحه وبسطه ويدرك المتأمل أنه من المستحيل أن يكون ذلك صادرًا عن تفكير لها أو منبثق عن غريزتها المجردة، بل يوقن أنها لم تصدر في ذلك إلا عن إلهام رباني ووحي إلهي.
فإذا اقتضت رحمة الله الإلهام إلى تلك الحيوانات والحشرات بما تقوم به حياتها هل يستبعد أحد أن يلهم الله أحدًا من البشر ما تقوم به حياتهم وسعادتهم وهم أعز وأكرم. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} 1.
3-
وفي المخترعات الحديثة والمكتشفات العلمية ما يقرب إلى الأذهان إمكانية الاتصال؛ فإذا كان الهاتف مثلًا يمكن للإنسان بواسطته أن يخاطب من في أقصى الأرض، وأن يسمع حديثه لا يخفى عليه منه شيء ولا يسمع الحاضرون إلا دويَّا كدوي النحل!! فضلًا عن الإذاعة التي تنقل
1 سورة الإسراء: الآية 70.