الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد اختلف العلماء في أوله فقيل: من أول سورة "ق" وقيل: من أول "الحجرات" وقيل: من أول "القتال"، وذكر الزركشي والسيوطي اثني عشر قولًا في ذلك1.
وينقسم المفصل إلى ثلاثة أقسام:
أ- الطوال: من أوله إلى سورة "البروج".
ب- وأوساطه: من سورة "الطارق" إلى سورة "البينة".
ج- وقصاره: من "الزلزلة" إلى آخر القرآن.
وفي سورة الفاتحة خلاف فقيل من أوله وقيل من المفصل2.
1 البرهان: الزركشي ج1 ص245، 246، والإتقان: للسيوطي ج1 ص63.
2 فتح الباري: ابن حجر ج8 ص659.
ترتيب السور:
للعلماء في ترتيب السور في القرآن الكريم ثلاثة أقوال:
الأول: أن ترتيب السور على ما هو عليه في المصحف الآن توقيفي وأنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن ربه عز شأنه كترتيب الآيات سواء بسواء.
قال أبو بكر الأنباري: "اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن"1.
وقال الكرماني في البرهان: "ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب"2. وقال الطيبي: "أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقا على
1 الإتقان: السيوطي ج1 ص62.
2 البرهان: الزركشي ج1 ص259، والإتقان للسيوطي ط1 ص62.
حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ"1.
وقال أبو جعفر النحاس: "إن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم"2.
وقال ابن الحصَّار: "ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي"3.
وغير هؤلاء من العلماء ومن أدلتهم:
1-
إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ترتيب السور في مصحف عثمان رضي الله عنه ولو كان ترتيبه بالاجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة في الترتيب بمصاحفهم.
2-
قال ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى: "ومما يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفيًّا ما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف.. وفيه.. فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من "ق" حتى نختم". ثم قال ابن حجر: "فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم"4.
وإذا جمعت أعداد السور المذكورة هكذا 3+5+7+9+11+13 كان المجموع 48 سورة قال الزركشي: "وحينئذ فإذا عددت ثمانيًا
1 الإتقان: السيوطي ج1 ص62.
2 المرجع السابق: ج1 ص62.
3 المرجع السابق: ج1 ص63.
4 فتح الباري: ابن حجر العسقلاني ج9 ص42، 43.
وأربعين سورة كانت التي بعدهن سورة "ق"1. وهذا يدل على أن السور كانت مرتبة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
3-
قال السيوطي رحمه الله تعالى: "ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلاءً "يعني متوالية" وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات ولاء، بل فصل بين سورها وفصل بين "طسم" الشعراء و"طسم" القصص بـ "طس" مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهادا لذكرت المسبحات ولاء، وأخرت "طس" عن القصص"2.
القول الثاني: أن ترتيب السور اجتهاد من فعل الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا قول جمهور العلماء، قال ابن فارس: جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا هو الذي تولته الصحابة وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور فهو توقيفي تولاه النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه3. ومما استدلوا به على ذلك.
1-
اختلاف ترتيب السور في مصاحف الصحابة قبل أن يجمع القرآن، فلو كان توقيفيًّا لاتفقت مصاحفهم كما اتفقت في ترتيب الآيات، فقد كان مصحف علي مرتبًا على النزول وأول مصحف ابن مسعود البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ومصحف أبي الفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران.
1 البرهان: الزركشي ج1 ص247. قلت: هذا إذا لم نعد الفاتحة، أما إذا عددناها فإن التي بعدهن سورة "الحجرات" ولهذا وقع الاختلاف في أول المفصل، ومن لم يعد الفاتحة من الطوال فقد عدها من المفصل.
2 الإتقان: السيوطي ج1 ص63.
3 الإتقان: السيوطي ج1 ص62.
2-
ما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالبقرة، ثم النساء ثم بآل عمران في ركعة1. قال عياض: هو دليل لكون ترتيب السور وقع باجتهاد الصحابة حين كتبوا المصحف2.
القول الثالث: أن ترتيب بعض السور كان توقيفيًّا وبعضها كان باجتهاد الصحابة:
قال الزركشي: مال ابن عطية إلى أن كثيرًا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والمفصل وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده، وقال أبو جعفر بن الزبير الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف3.
مناقشة الأدلة:
1-
استدل القائلون بالتوقيف في ترتيب السور بإجماع الصحابة على ترتيب عثمان رضي الله عنه وهذا لا يدل على ما ذهبوا إليه، لأن إجماعهم على ترتيب عثمان لا يشترط له أن يستند إلى التوقيف عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد وافقوا عثمان على هذا الترتيب توحيدًا لكلمة الأمة وقطعا لأسباب الاختلاف كما وافقوا على الاقتصار على حرف واحد.
أما استدلالهم بحديث حذيفة فإن ذكر العدد لا يلزم منه ترتيب السور، بل قال ابن حجر نفسه الذي استدل بهذا الحديث "ويحتمل أن الذي كان مرتبا حينئذ حزب المفصل خاصة بخلاف ما عداه"4.
1 صحيح مسلم، ج1 ص536، 537.
2 إجمال البيان: عبد الله بن أحمد، ص128.
3 البرهان: الزركشي، ج1 ص257، 258، وانظر: الإتقان: السيوطي ج1 ص62.
4 الإتقان: السيوطي، ج1 ص63.
وأما استدلال السيوطي فإن ما أورده لا يلزم منه أن ترتيب السور توقيفي فعدم ترتيب المسبحات ولاء قد يكون لمراعاة مناسبات أخرى أهم من مناسبة فواتح السور، ولهذا مال السيوطي نفسه إلى رأي آخر.
2-
وأما القائلون بأن الترتيب كان كله بطريق الاجتهاد، فإن من أدلتهم اختلاف ترتيب السور في مصاحف الصحابة ولا يصلح هذا دليلًا على ما ذهبوا إليه فقد يكون ترتيب الصحابة قبل أن يعلموا بالتوقيف فلما بلغهم ذلك رجعوا عن ترتيب مصاحفهم.
وأما استدلالهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صلى بالبقرة والنساء وآل عمران في ركعة فلا يدل على ما ذهبوا إليه كما قال السيوطي، وعلل ذلك بقوله:"لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ولعله فعل ذلك لبيان الجواز"1.
3-
وأما الرأي الثالث فإنه يستند إلى أدلة الرأي الأول وهو أن ترتيب السور توقيفي أما القسم الاجتهادي فإن أدلته ضعيفة لا تستند إلى دليل قوي.
الرأي الراجح:
إن استعراض الأدلة يوقفنا على ثبوت التوقيف في ترتيب أكثر سور القرآن الكريم وما لم يرد دليل على ترتيبه لا يعني أنه رتب بطريق الاجتهاد، فقد يكون ترتيبه بدليل لم يصل إلينا.
وعلى هذا فإن الرأي الراجح أن ترتيب سور القرآن الكريم كترتيب آياته بالتوقيف عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن ربه سبحانه وتعالى مع ما في أدلة هذا الرأي من الاحتمال كما ذكر إلا أنه أقوى الآراء.
1 الإتقان: السيوطي، ج1 ص63.
الموقف من هذا الترتيب:
وعلى كل حال ومهما يكن من أمر سواء أكان هذا الترتيب الذي نجده في المصاحف بطريق التوقيف أم بطريق الاجتهاد، ثم أجمع الصحابة عليه، ومضت الأمة على قبوله، فيجب التمسك به والإعراض عن الدعوات الزائفة لإعادة ترتيب المصاحف حسب النزول أو الموضوع أو غير ذلك؛ لأن في ترتيب سوره معاني لا تقل عن معاني الترتيب في آياته، جد كثير من العلماء في استنباطها وتحصيلها. فضلا عن مخالفة الإجماع وما في ذلك من مفاسد عظيمة.
أما ترتيب السور في التلاوة فليس بواجب وإنما هو مندوب إلا في تعليم الصبيان، فالأولى أن يبدأ بهم من آخر المصحف إلى أوله، والله أعلم.
حكمة تسوير القرآن:
لتقسيم القرآن الكريم إلى سور حكم عديدة منها:
1-
التيسير والتشويق لمدارسة القرآن الكريم وحفظه إذ لو كان سبيكة واحدة لشق حفظه وصعبت مدارسته.
2-
الدلالة على موضوع السورة وأهدافها إذ إن لكل سورة موضوعا خاصا، وأهدافا معينة، فسورة يوسف تترجم لقصته، وسورة التوبة تتحدث عن المنافقين وتكشف أسرارهم.. وهكذا.
3-
التنبيه إلى أن الطول ليس شرطا من شروط الإعجاز والتحدي، فسورة الكوثر ثلاث آيات وهي معجزة إعجاز سورة البقرة.
4-
التدرج في تعليم الأطفال من السور القصار إلى السور الطوال تيسيرا من الله لعباده لحفظ كتابه.
5-
أن الكتاب إذا انطوت تحته أنواع وأصناف وأبواب وفصول كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا.
6-
أن القارئ إذا ختم سورة أو جزءا كان أنشط له وأبعث على التحصيل والاستمرار في التلاوة منه لو استمر على الكتاب بطوله، كالمسافر إذا قطع ميلا نفَّس ذلك عنه وتجدد نشاطه ولذا جزئ القرآن أجزاءً وأحزابًا وأرباعًا وأخماسًا وأعشارًا.
7-
أن الحافظ إذا حذق سورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيعظم عنده ما حفظه ويحرص على معاهدته وتكرار تلاوته، ومنه حديث أنس رضي الله عنه:"كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا"1.
8-
أن التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض وبذلك تتلاحظ المعاني ويتجاوب النظم2.
1 مسند الإمام أحمد ج3 ص120، 121، وشرح السنة: البغوي ج13 ص306.
2 تفسير الكشاف: الزمخشري: ج1 ص241، وقال الجرجاني في حاشيته على الكشاف:"وكون التفصيل سبب تلاحق الأشكال من حيث أنه يورد في كل منها الأمور المتلائمة فتتلاحظ حينئذ المعاني ويتجاوب أطراف النظم وجوانبه" الكشاف ج1 ص241.