الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إثبات إعجاز القرآن الكريم:
حين نزل القرآن الكريم لم ينزل بما يوافق معتقدات الجاهلية أو يداريها بل نزل هادمًا لها، مبطلًا لأصولها، منكرًا لمبادئها، ساخرًا من معتقداتها وأهلها أهل جاهلية، أهل عناد واستكبار، أهل طغيان وجبروت، أهل أنفة وعزة، لو كان عندهم أدنى قدرة على معارضة القرآن أو الإتيان بمثله وقد تحداهم واستثارهم لذلك ما ترددوا وما تلكئوا ولكنهم يعلمون من فورهم أن بينهم وبين ذلك بُعد ما بين المشرقين أو قل بعد ما بين السموات والأرضين.
نعم عجزوا وهم أهل اللغة وأهل البيان "أجل، لقد سجل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن. وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي"1 جمعوا الحشود في الصحراء، ورفعوا المنابر في الأسواق وعرضوا فيها أنفس بضائعهم، وأجود صناعاتهم وما البضاعة إلا بضاعة الكلام وما الصناعة إلا صناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها، ويتنافسون في نقدها، "فما هو إلا أن جاء القرآن.. وإذا الأسواق قد انفضت إلا منه، وإذا الأندية قد صفرت إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يباريه أو يجاريه"2 كرروا النظر ورجعوا البصر علهم يجدون فيه فجوة ينفذون منها فعاد إليهم البصر خاسئًا وهو حسير.
"ولم يسد القرآن عليهم باب المعارضة بل فتحه على مصراعيه فدعاهم إليه أفرادًا أو جماعات. بل تحداهم وكرر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، متهكمًا بهم، متنزلًا معهم إلى الأخف فالأخف
…
، وأباح
1 النبأ العظيم: د. عبد الله دراز، ص83.
2 المرجع السابق: ص83، 84 بتصرف.
لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة فقال:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} 1 وقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} 2 فانظر أي إلهاب!! وأي استفزاز! لقد أجهز عليهم بالحكم البات المؤبد في قوله: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} ثم هددهم بالنار، ثم سواهم بالأحجار، فوالله لو كان فيهم لسان يتحرك، لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألداء وأباة الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته ولا سلمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه، وما استطاعوا له نقبًا
…
حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا السيوف بدل الحروف، وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان"3.
سلكوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم كل سبيل للتوقف عن دعوته، ساموه بالمال، وعرضوا عليه الملك، وقاطعوه ومن معه حتى يموتوا جوعًا، وتآمروا على قتله، وأخرجوه من بلده وسلكوا أصعب الطرق وأعرضوا كل الإعراض عن الطريق الوحيد الذي عرضه عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم لإبطال دعوته وهو أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فوجدوا أن كل سبيل أهون من هذا السبيل، وكل مشقة دون هذا المطلب، فأي شيء يكون العجز إن لم يكن هذا هو العجز كل العجز4.
1 سورة الإسراء: الآية 88.
2 سورة البقرة: الآية 24.
3 النبأ العظيم: ص84، 85 بتصرف.
4 المرجع السابق: ص87، 88 بتصرف.