الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، وأنه أكمل لهم -يوم أنزل هذه الآية على نبيه- دينهم بإفرادهم البلد الحرام وإجلائه عنه المشركين حتى حجه المسلمون دونهم لا يخالطونهم المشركون1.
1 المرجع السابق ج9 ص520.
أوائل وأواخر مخصوصة
مدخل
…
أوائل وأواخر مخصوصة:
وكما بحث العلماء أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن على الإطلاق، فقد أولوا عنايتهم واهتمامهم في معرفة أوائل ما نزل وأواخر ما نزل في موضوعات خاصة كالقتال، والربا، والخمر، والأطعمة، والأشربة، وغير ذلك.
ونظرًا لما في معرفة ذلك من أثر كبير في معرفة الحكم الشرعي، والذي وقع بجهله عدد من العلماء فضلًا عن من دونهم في أخطاء عظيمة فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وأصبح كلامهم حجة عند آخرين، فإني سأبين هنا بشيء من التفصيل بعض هذه الأوائل والأواخر المخصوصة وهي:
1-
أول وآخر ما نزل في الخمر.
2-
أول وآخر ما نزل في الربا.
3-
أول وآخر ما نزل في الجهاد.
أولًا:
أول ما نزل وآخر ما نزل في الخمر:
وإنما قدمته ليكون لوضوحه وظهوره ميزانًا نعرف به مقدار الخطأ الذي وقع من بعض العلماء والمفتين في البحثين الآخرين الربا والجهاد.
وتظهر في التدرج في تحريم الخمر والمراحل التي مر بها حكم الله
سبحانه وتعالى، فقد كان الخمر ميسرًا في الجاهلية لمبتغيه فالتمر والعنب أصناف لا يخلو منها بيت في أرض الحجاز، فالنخيل من زراعة المدينة وما حولها ولا يزال، والعنب في الطائف ولا يزال، واعتصارهما خمرًا أمر معروف لا يكاد ينكره أحد، وشربه شأن مألوف لا يكاد ينكره أحد. وليس من السهل الامتثال للإقلاع عنه لأول الأمر ما لم يكن وراء ذلك عقيدة راسخة واقتناع تام.
فجاء القرآن الكريم بترسيخ العقيدة وتثبيت أركانها حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام شرع في الحلال والحرام ومنه حكم الخمر، مراعيًا أحوالهم فيها واعتيادهم عليها، متخذا من رسوخ العقيدة والتدرج في التحريم وسيلة حكيمة لعلاج هذا الداء وانتزاعه من جسد هذه الأمة فجاء تحريمه بالتدريج، وقد وصفت عائشة رضي الله عنها هذا التدريج فقالت:"إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا. لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} "1. وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده"2.
وجاء التدرج في تحريم الخمر على النحو التالي:
المرحلة الأولى:
أو ما نزل في الخمر قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} 3.
وقد ذكر ابن العربي أقوال العلماء في معنى "سكرا" ثم قال: أما هذه الأقاويل فأسدها قول ابن عباس: "أن السكر الخمر"4 وهل نزلت هذه
1 سورة القمر: الآية 46.
2 صحيح البخاري ج6 ص101.
3 سورة النحل: الآية 67.
4 أحكام القرآن: ابن العربي ج3 ص1141.
الآية قبل تحريم الخمر أو بعده قال ابن العربي: والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر، فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء، وتحريم الخمر مدني1.
فتقسيم هذه الآية ما يتخذون من الخمر إلى قسمين هما:
1-
سكرًا.
2-
رزقًا حسنًا.
فيه إشارة إلى أن السكر ليس من الرزق الحسن وإذا لم يكن كذلك فهو من الرزق الخبيث، وقد ورد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} 2 وإذا كان السكر من الخبائث والرسول صلى الله عليه وسلم يحرم الخبائث فالخمر حرام. لكن هذا ليس نصًّا يوجب الامتناع والكف لكنه إشارة فهمها من فهمها توطئة لدرجة أعلى في التحريم وهي المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية:
قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} 3.
كأن السؤال في هذه الآية نتيجة عدم التصريح بالحكم في الآية الأولى، ولهذا روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لما نزل تحريم الخمر4: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت هذه الآية التي في البقرة: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
…
} الآية5.
1 أحكام القرآن: ابن العربي ج3 ص1141.
2 سورة الأعراف: الآية 157.
3 سورة البقرة: الآية 219.
4 يقتصر بعض الباحثين على ذكر الآيات الثلاث الأخيرة دون الأولى في تحريم الخمر، وقوله في هذا الحديث أن عمر قال: لما نزل تحريم الخمر. إشارة إلى أنه سبق نزول هذه الآية آية أخرى وأنها ليست الأولى.
5 رواه الإمام أحمد في مسنده ج1 ص53، والترمذي ج5 ص253، وأبو داود ج3 ص325.
وتعتبر هذه المرحلة أعلى من المرتبة التي قبلها في التحريم حيث صرحت بالإثم، وصرحت بأن الإثم أكبر من النفع، وفي ذلك إشارة إلى أن العاقل لا يقدم على فعل شيء ضرره أكبر من نفعه وأن عليه أن يفكر في ذلك، ولهذا جاءت الفاصلة في الآية:{لَعَلَّكُم تَتَفَكَّرُونَ} فكان النص على الإثم توطئة للنص على التحريم ولو في أوقات مخصوصة في المرحلة الثالثة.
المرحلة الثالثة:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} 1 وهي أول نص في التحريم، وحتى التحريم كان على مرحلتين تلك المرحلة هي المرحلة الأولى منه تحريم في أوقات معينة وهناك أوقات يظل الخمر فيها مباحًا لكن هذه الأوقات تضيق حتى لا يكاد مبتغيها يجدها؛ فإن شرب بعد الظهر فلن يدري ما يقول قبل العصر وإن شرب بعد العصر فلن يدري قبل المغرب وإن شرب بعد المغرب فلن يدري قبل العشاء، ويقل الشرب بعد العشاء لمزاحمته وقت النوم وهم ليسوا أهل سمر وسهر، فمن يسهر سينام في النهار وكيف يكتسب معاشه، وإن نام بعد العشاء وشرب بعد الفجر فكيف سيعمل ويكتسب وهو في هذه الحالة!! ولهذا قال ابن كثير:"وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما والله أعلم"2، كل هذا كان إرهاصا وتوطئة لتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا صارمًا عامًّا شاملًا في المرحلة الرابعة وهي:
المرحلة الرابعة:
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 3.
1 سورة النساء: الآية 43.
2 تفسير ابن كثير: ج2 ص548.
3 سورة المائدة: 90.
وللمتدبر أن يطيل النظر فيما تحويه هذه الآية وما بعدها من تهيئة للتحريم، ومراعاة لواقع القوم وتمكن الخمر منهم فمزج النص القاطع في تحريمها ببيان آثارها وعواقب شربها الخطيرة وآثار طاعة الله وعواقب معصيته.
ثم وصف الخمر بأوصاف تكفي لتحريمها بأنها رجس وبأنها من عمل الشيطان، وكفى بهذين الأمرين إشارة للتحريم، ومع هذا فقد صرح بالحكم "فاجتنبوه" وتلكم -والله- أبلغ كلمة، نعم إنها أبلغ من "حرام" أو "فاتركوها" أو "لا تشربوها" لأن من لم يشرب الخمر ولكنها وجدت في بيته أو في غرفته لم يخالف النصوص الأخيرة "حرام، فاتركوه، لا تشربوه" لأنه لم يرتكب شيئًا منها لكنه خالف "فاجتنبوه" إذ الاجتناب يقتضي أن تكون في جانب والخمر في جانب آخر غير جانبك، فإن كانت في غرفتك أو في دارك فأنت لم تجتنبها والخطاب ليس بالإفراد بل بالجمع للمسلمين عامة، فإذا وجد في بيت جارك وجب على المسلمين إتلافه فإن لم يفعلوا فإنهم لم يجتنبوه لأنه بينهم بل إن وجد في بلد آخر من بلاد الإسلام ولهم قدرة على إزالته ولم يفعلوا فهم لم يجتنبوه، إن الأمر بالاجتناب يقتضي أن يكون في جانب وبلاد المسلمين في جانب آخر أرأيتم إلى أي مدى وصل التحريم بهذه الكلمة.
تلكم المراحل التي مر بها تحريم الخمر، ولو قال قائل: إن الخمر فيها إثم وفيها منافع قلنا: تلكم مرحلة في التحريم، وإن قال: إن الخمر محرمة قرب الصلاة جائزة في غير أوقات الصلاة قلنا: تلك مرحلة تجاوزها التشريع إلى مرحلة الحسم في التحريم، فإن الحكم الشرعي إذا مر بمراحل فالحكم للمرحلة الأخيرة فيه.
أقول هذا توطئة للمرحلتين التاليتين اللتين يقع في خطأ فيهما بعض المفتين وهما مراحل تحريم الربا ومراحل تشريع الجهاد.