الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نشأة علوم القرآن الكريم وتطورها
في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
…
نشأة علوم القرآن وتطورها
في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
حين نزل جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء بصدر سورة اقرأ نزل عليه الصلاة والسلام وذهب إلى زوجته خديجة رضي الله عنها وأخبرها بما حدث في الغار وتلا عليها الآيات من حفظه.
وحين أمر الله سبحانه وتعالى نبيه بأن يصدع بما يؤمر، وأن يعلن الدعوة إلى الإسلام امتثل الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر فدعا الناس إلى الإسلام، وأقبل من أسلم منهم على القرآن الكريم يتلونه حق التلاوة ويجتمعون في دار الأرقم بن أبي الأرقم لحفظه وتدبر آياته وكانوا عربًا خلصًا يفهمون القرآن بمقتضى السليقة العربية فإن أشكل عليهم معنى أو غمض عليهم مرمى سأل بعضهم بعضًا، فقد يكون أحدهم أعلم من الآخر فإن أشكل عليهم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فبينه لهم.
وبهذا ندرك أن علوم القرآن نشأت منذ وقت مبكر في الإسلام بل منذ أشرقت شمس الإسلام؛ ذلكم أن حفظ القرآن وتلاوته وتدبره وتفسيره من أهم علوم القرآن الكريم.
في عهد الصحابة رضي الله عنهم:
وإذا نظرنا إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم وجدناهم يتعلمون علوم القرآن مشافهة، ولم يعرف عندهم تدوين لعلوم القرآن لعدة أسباب أهمها:
1-
أن أغلب الصحابة كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة.
2-
أن أدوات الكتابة لم تكن متوافرة عندهم.
3-
أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهاهم عن كتابة شيء غير القرآن بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"1. ويعتقد بعض الناس أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما نهى الصحابة عن كتابة شيء غير القرآن خشية أن يلتبس بغيره ويظهر لي -والله أعلم- أن هذا ليس بصحيح ذلكم أن القوم كانوا ذوي ذكاء في القريحة، وتذوق للبيان، وتقدير للأساليب ووزن لما يسمعون بأدق المعايير ويدركون إعجاز القرآن الكريم -بمجرد سماعه- إدراكًا تامًّا يأخذ منهم بالألباب ويسيطر منهم على الأفئدة فأنى لهم أن يختلط عندهم بغيره من كلام البشر، بل العلة في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أراد توزيع مسئولية التبليغ عنه على جميع الصحابة ولو أذن للكتاب بالكتابة لاعتقد الأميون أن مسئولية التبليغ مقصورة على الكتّاب الذين يحتفظون عندهم بالنصوص الشرعية وأن ذمتهم هم بريئة، فلما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم من يكتب عن كتابة غير القرآن أصبح الصحابة كلهم سواسية في التلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتميز من يكتب عمن لا يكتب وأصبحت الدعوة إلى الله يشترك فيها الجميع وخير للدعوة أن ينشرها كل الصحابة من أن يقتصر أمرها على عدد من الكتاب.
فإن قلت: إن كان الأمر كذلك فلم أذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن؟ قلت لك: إن تبليغ القرآن لا يرد عليه ما يرد على تبليغ غيره فلن يعتقد الأميون منهم أن تبليغه واجب على الكتاب فحسب فهم يقرءونه سرا وجهارا في بيوتهم وفي مساجدهم في خلواتهم وفي مجتمعهم وفي صلواتهم، فلتبليغه وسائل كثيرة لا تتحقق لغيره ولا تقتصر على الكتاب دون الأميين فالجميع يتلوه ويقوم به آناء الليل وأطراف النهار فلن يتكل الأميون
1 رواه مسلم، ج5 ص2298، 2299.
في تبليغه على الكتاب لإدراكهم أن الجميع مكلف بتلاوته في السطور وحفظه في الصدور.
ولهذا تغلب الصحابة -رضوان الله عليهم- على الأسباب السابقة المانعة من تدوين علوم القرآن بما حققوه للقرآن، وذلك بالاعتماد على قوة الحافظة فحفظوا علوم القرآن كما يحفظون الآيات، أخرج الطبري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن1 وروى أبو عبد الرحمن السلمي قال: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا"2.
ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه"3، ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو على المنبر:"سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل"4، والنصوص في ذلك كثيرة كلها تثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكتفوا بحفظ نصوص القرآن الكريم فحسب بل حفظوا معها علومه ومعارفه.
واشتهر كثير من الصحابة بتفسير القرآن منهم الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود،
1، 2 تفسير الطبري: ج1 ص80.
3 صحيح البخاري باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ج6 ص102.
4 الإتقان في علوم القرآن: السيوطي ج2 ص187.