الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} 1 فالمنطوق تحريم جماع الحائض قبل الطهر والمفهوم إباحته بعد الطهر.
4-
مفهوم حصر:
وهو أن يكون الحكم محصورًا في صورة المنطوق والمفهوم ألا يتحقق الحكم في غير هذه الصورة كقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 2 فالمنطوق أن العبادة لله والاستعانة بالله، والمفهوم ألا يعبد غير الله، ولا يستعان بغيره.
وكقوله تعالى: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ} 3 فالمنطوق أن الإله هو الله والمفهوم أن الألوهية لا تكون لغيره سبحانه.
1 سورة البقرة: الآية 222.
2 سورة الفاتحة: الآية 5.
3 سورة طه: الآية 98.
حكم الاحتجاج بالمفهوم:
أما مفهوم الموافقة فاحتج به الجمهور ولم يخالف في الاحتجاج به إلا الظاهرية.
وأما مفهوم المخالفة فاحتج به الجمهور وخالفهم في ذلك الحنفية والظاهرية واستدل الجمهور على صحة الاحتجاج بمفهوم المخالفة بأدلة منها:
أولًا: لما نزل قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} 1 قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إني خيرت فاخترت وقد قيل لي": {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} "فلو أني أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت" 2 وفي
1 سورة التوبة: الآية 80.
2 تفسير الطبري ج14 ص408.
رواية "قد خيرني ربي، فوالله لأزيدن على السبعين" 1 ففهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين2.
ثانيًا: في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} 3 فمنطوق الآية أنه يباح لمن لم يستطع الزواج من الحرة أن يتزوج أمة، والمفهوم أن من يستطيع أن يتزوج حرة فلا يجوز له أن يتزوج أمة. وقد أجمع العلماء على ذلك واشترطوا لإباحة الزواج من أمة عدم القدرة على الزواج من حرة احتجاجًا بمفهوم المخالفة في هذه الآية4.
ثالثًا: استدلوا بما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما من عدم توريث الأخت مع البنت احتجاجًا بمفهوم المخالفة من قوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} 5، 6 فالمفهوم أنه إذا كان له ولد "ابن أو بنت" فإن الأخت لا ترث.
رابعًا: استدلوا بما روي أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما با لنا نقصر وقد أمنا، وقد قال الله تعالى:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} 7 فقال عمر: لقد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لي: " هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" فمنطوق الآية أن الصلاة تقصر في حالة الخوف والمفهوم أن
1 مباحث في علوم القرآن: مناع القطان ص255.
2 المرجع السابق: الموضع نفسه.
3 سورة النساء: الآية 25.
4 المهذب: الشيرازي ج2 ص44، 45؛ وتبيين الحقائق: الزيلعي ج2 ص111، وتفسير النصوص: د. محمد أديب صالح ج1 ص671.
5 سورة النساء: الآية 176.
6 تفسير الطبري: ج9 ص443.
7 سورة النساء: الآية 101.
لا تقصر في حالة الأمن، وهذا ما فهمه يعلى وفهمه عمر رضي الله عنه قبله.
خامسًا: ومن الأدلة العقلية1.
أنه لو كانت الصلاة تقصر في حالة الأمن وحالة الخوف لما كان في ذكر الخوف في الآية فائدة لأنها تقصر بدونه، فدل ذكره على أن عدمه يؤثر في الحكم تأثيرًا مخالفًا، وهكذا في بقية الأمثلة.
واستدل الحنفية ومن وافقهم على عدم الاحتجاج بمفهوم المخالفة بأدلة منها2:
1-
أن فوائد القيود التي يقيد بها اللفظ كثيرة، ولا يلزم أن تكون محصورة بتقييد الحكم، فلا نستطيع أن نحكم أن الفائدة لذلك القيد هي تخصيص الحكم بالمنطوق، ونفيه عما لا قيد فيه.
2-
لم يعمل بمفهوم المخالفة في كثيرة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إذ لو عمل به لأدت هذه النصوص إلى معانٍ فاسدة، أو أحكام تنافي المقرر شرعًا.
فقوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} 3. لم يكن تخصيص الأربعة بالحرم دليلًا على إباحة الظلم في غيرها من الأشهر.
3-
لو كان مفهوم المخالفة معتبرًا لما احتيج إلى النص عليه صراحة كما في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} 4. وقوله سبحانه: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ
1 انظر تفسير النصوص: د. محمد أديب صالح ج1 ص671، 672.
2 أصول الفقه الإسلامي: وهبة الزحيلي ج1 ص368.
3 سورة التوبة: الآية 36.
4 سورة البقرة: الآية 222.