الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بقي أن نقول: إنه إذا كان في الآية أكثر من قراءة ولا يمكن كتابتها برسم واحد يحتمل هذه القراءات فإنهم يكتبون كل قراءة في مصحف ليتفق كل رسم مع القراءة التي يقرأ بها.
فمثلًا قوله تعالى: {وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير} 1 كتبت الكلمتان في المصحف الشامي "وبالزبر وبالكتاب المنير" بزيادة باء في الزبر وباء أخرى في الكتاب. وكتبتا في سائر المصاحف بحذف الباءين.
وفي قوله تعالى: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَار} 2 كتبت في المصحف المكي "من تحتها" بزيادة "من" وفي بقية المصاحف بدونها.
وفي قوله تعالى: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَبا} 3.
كتبت في المصحف المكي والمدني والشامي "منهما" بالتثنية وفي بقية المصاحف "منها" بالإفراد4.
1 سورة آل عمران: الآية 184.
2 سورة التوبة: الآية 100.
3 سورة الكهف: الآية 36.
4 للدكتور محمد محمد سالم محيسن كتاب "الفتح الرباني في علاقة القراءات بالرسم العثماني" ظهر فيه أثر هذه الفائدة لرسم المصحف. ومنه أخذت بعض الأمثلة.
الفائدة الثانية:
أن في اختلاف الرسم عن النطق حملًا للناس على تلقي القرآن من أفواه القراء والحفاظ وعدم الاعتماد على مجرد القراءة من المصحف.
ولا شك في أهمية حفظ القرآن عن طريق التلقي، وقد كان أعلام حفاظ القرآن الكريم يميزون الحفظ بالتلقي فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول:"حفظت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة وسبعين سورة"1 وبين عمن
1 صحيح البخاري ج:6 ص102، ومسلم ج4 ص1912.
أخذ باقيه فقال: "وأخذت بقية القرآن عن أصحابه"1 ولإدراكه رضي الله عنه مكانة التلقي بالمشافهة كان إذا سئل عن سورة لم يكن تلقاها عن الرسول صلى الله عليه وسلم صرح لهم بذلك ودلهم على من تلقاها بالمشافهة عنه صلى الله عليه وسلم، فعن معديكرب قال:"أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ "طسم" المائتين2. فقال: ما هي معي ولكن علكيم من أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم خباب بن الأرت. قال: فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا"3.
ولهذا قرر العلماء أنه لا يصح التعويل على المصاحف وحدها، بل لا بد من التلقي عن حافظ متقن وكانوا يقولون:"من أعظم البلية تشييخ الصحيفة"4 ويقولون: "لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي"5 وهو الذي يعلم الناس وينظر إلى رسم المصحف. وكان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: "من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام"6.
ولحمل الناس على تلقي القرآن مشافهة مزيتان:
المزية الأولى:
التوثق من النطق الصحيح لألفاظ القرآن الكريم، وطريقة الأداء، وحسن الترتيل، وإتقان التجويد، وإخراج الحروف من مخارجها، فإن ذلك كله لا يمكن تحقيقه عن طريق الكتابة وحدها، إذ لا يمكن معرفة الروم، والإشمام، والتسهيل، والتحقيق، والتفخيم والقلقلة، والإدغام، والإخفاء إلا عن طريق السماع الصوتي من معلم متابع مصغ.
1 فتح الباري: ابن حجر العسقلاني ج9 ص48.
2 هي سورة الشعراء.
3 مسند الإمام أحمد: ج2 ص34 بتحقيق أحمد شاكر رقم 3980 وقال: إسناده صحيح.
4 تذكرة السامع والمتكلم: ابن جماعة ص87.
5 شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف: العسكري ص10.
6 تذكرة السامع والمتكلم: ابن جماعة ص87.