الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحكمة في نزول القرآن الكريم منجما
مدخل
…
الحكمة في نزول القرآن الكريم منجمًا:
ولنزول القرآن منجمًا حكم عديدة وفوائد كثيرة:
أولًا:
تثبيت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم
1
قال سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} 2.
حين بعث الله عز شأنه عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بعثه في أمة صلبة كصلابة أرضها، قاسية كقسوتها، شامخة كشموخ جبالها، بعثه لهذه الأمة ليس لأمر تافه، أو شأن حقير، بل في شأن عظيم وأمر خطير، بعثه ليسفه أحلامها ويحطم أوثانها، ويهدم أصنامها، وهي أعز ما يملكون وأقدس ما يعتقدون. ومن ذا الذي يجرؤ على بعض هذا فضلًا عنه كله وأكثر منه.
تصدى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لهذه المهمة فكان أصلب منهم وأقوى، وأحكم منهم وأهدى، جمع بين الصلاة والهدى، والقوة والحكمة حتى اشتكوه إلى عمه أبي طالب الذي قال له: يابن أخي إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم فانته عن ذلك، قال: فلحظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء فقال: "ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تشعلوا لي منها شعلة -يعني الشمس"3.
نعم إنها قوة إيمان، وصلابة عقيدة، وهذه القوة وتلك الصلابة بحاجة إلى من يسوسها ويدعمها، ويرعاها ويحفظها، حتى لا تضعف أمام التيارات العاصفة أو تنهار أمام الضربات المتتابعة، فتعهدها الله القوي الحكيم بقوته
1 في هذا الموضوع كتب الشيخ عبد الرحمن هوساوي رسالته للماجستير وعنوانها "منهج القرآن الكريم في تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وتكريمه" وطبعت في مجلد سنة 1413هـ.
2 سورة الفرقان: الآية 32.
3 قال الألباني: في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث 92 "إسناده حسن" وقال: وأما حديث "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"، فليس له إسناد ثابت، ولذلك أوردته في الأحاديث الضعيفة.
وحكمته، وكان في إنزال القرآن منجمًا دعمًا لتلك القوة، وتثبيتًا لتلك الصلابة، وترسيخًا لتلك الحكمة.. {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} 1.
والأنبياء عليهم السلام كلهم بشر {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} 2 يأكلون كما نأكل ويمشون في الأسواق كما يمشي البشر {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} 3 ويتزوجون ويولد لهم ذرية {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} 4 ويعتريهم ما يعتري البشر، من الخوف، والحزن والهم، والفرح والسرور، والضحك، والبكاء ونحو ذلك، وهم بحاجة إلى من يواسيهم، ويثبتهم.
وكان لتثبيت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم صور متعددة منها:
1-
إخباره أن ما جرى له من الأذى والتكذيب قد جرى للأنبياء السابقين من قبله {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} 5 {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} 6 ومن طبيعة البشر أن المصيبة تخف إذا كانت عامة وتكون أشد إذا كانت خاصة هذا في الدنيا دون الآخرة، قال سبحانه وتعالى:{وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} 7.
وإعلام الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن ما جرى له قد جرى للأنبياء السابقين من أسباب تثبيت قلبه وتجدد عزمه.
2-
أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر:
فمن المعهود أن الإنسان إذا أصابته مصيبة وكان بجانبه أحد أصحابه
1 سورة الفرقان: الآية 32.
2 سورة يوسف: الآية 109.
3 سورة الفرقان: الآية 20.
4 سورة الرعد: الآية 38.
5 سورة الأنعام: الآية 34.
6 سورة آل عمران: الآية 184.
7 سورة الزخرف: الآية 39.
يربت على كتفه ويأمره بالصبر والاحتساب ويواسيه ويسليه، فإن هذا من أقوى الأسباب لسلوانه.
فأمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر من أقوى الأسباب لتثبيت قلبه سيما أن الأمر بالصبر كان مقترنًا أحيانًا بإخباره أن ما جرى له قد جرى للأنبياء السابقين وأنهم صبروا قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} 1 {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} 2.
3-
نهيه عن الحزن والضيق:
وذلك أن حبس النفس بالحزن والتضييق عليها بالهم من أقوى الدواعي لفتورها ويأسها، فنهى الله نبيه عن الحزن والضيق من مكرهم وما يلاقيه من أذاهم {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} 3 وقال تعالى:{وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} 4 وقال سبحانه: {فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} 5 وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} 6.
ولا شك أن للحزن تأثيرًا على صاحبه ولو كان صابرًا فيعقوب عليه السلام حين فقد ابنه يوسف قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} 7 وحين فقد ابنه الآخر قال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} 8 إلا أنه حزن وتأسف على يوسف {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} فكان أثر الحزن {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} 9.
1 سورة الأنعام: الآية 34.
2 سورة الأحقاف: الآية 35.
3 سورة النحل: الآية 127.
4 سورة النمل: الآية 70.
5 سورة يس: الآية 76.
6 سورة المائدة: الآية 41.
7 سورة يوسف: الآية 18.
8 سورة يوسف: الآيتان 83، 84.
9 سورة يوسف: الآيتين 83، 84.
وبهذا ندرك الحكمة من نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحزن والضيق مما يمكرون لما لهذا من أثر في إعاقة مسار الدعوة، ولما في أمره بالصبر ونهيه عن الحزن من شد لأزره وتجديد لعزمه.
4-
إخباره بأن الله يعصمه من الناس:
وذلك أنه إذا علم أن ما جرى له قد جرى للأنبياء السابقين من قبله، وأنهم صبروا فوطن نفسه على الصبر واستمر في الدعوة ولم يصبه الهم ولا الحزن، لكنه يخشى أن يقتله قومه قبل أن يتم دعوته وهو الحريص عليهم الرحيم بهم، فأخبره الله بالعصمة من ذلك {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} 1 فكانت هذه البشرى من أعظم الدوافع إلى الاستمرار في الدعوة.
أرأيتم ذلك الرجل الذي يتردد في فعل أمر ما فيجد من يشجعه ويطمئنه بأنه لن يصيبه أي مكروه ولا ضرر وأنه سيكون معه ويأخذ بيده ويشد أزره ولا يزال به حتى يجد الطمأنينة، فكيف إذا كانت البشرى من الله والعصمة من عنده عز شأنه.
ويجد الرسول صلى الله عليه وسلم أثر هذه البشرى {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} في كثير من الصور والمشاهد:
أ- حين اجتمع صناديد قريش وقبائل العرب عند بابه ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فخرج من بين صفوفهم وجعل فوق رءوسهم التراب ولم يره أحد2 {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
1 سورة المائدة: الآية 67.
2 سيرة ابن هشام، ج1 ص127، وتفسير ابن كثير ج3 ص620، ودلائل النبوة البيهقي ج2 ص466، 470.
ب- ويذهب مع صاحبه إلى الغار ويمر به المشركون يبحثون عنهما حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" 1 ومع هذا القرب لم يرهما أحد {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
ج- ويلحق بهما سراقة بن مالك ممتطيًا جواده ومعه رمحه حتى إذا اقترب منهما ساخت يدا فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين وعندما أخرجت يديها؛ إذا لأثرهما عثان ساطع في السماع مثل الدخان فأدرك سراقة أنه منع عنهما2 {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
د- ويأكل صلى الله عليه وسلم من شاة مسمومة أهدتها إليه يهودية فيموت صاحبه وينجو من الموت3 {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
هـ- وحاول اليهود قتل النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء حجر من جدار كان صلى الله عليه وسلم تحته فجاءه الوحي بذلك فقام من مجلسه4 {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
والصور كثيرة والمشاهد عديدة لحفظ الله تعالى لنبيه من محاولات الاغتيال5 ولا شك أن هذه البشرى6 من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ورؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لفشل هذه المحاولات من أقوى الدوافع للطمأنينة والاستمرار في الدعوة وتجدد العزم
1 صحيح البخاري ج4 ص190.
2 انظر صحيح البخاري ج4 ص257.
3 سنن أبي داود، ج4 ص173، 175.
4 سيرة ابن هشام ج3 ص199، 200، والبداية والنهاية، ابن كثير ج4 ص75.
5 لمزيد من هذه الصور انظر كتاب "والله يعصمك من الناس" للأستاذ أحمد الجدع.
6 كانت {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} عند نزولها مجرد بشرى، ثم أصبحت بشرى ومعجزة؛ لثبوتها وعدم وقوع ما يخالفها، وهي من الأخبار الغيبية المستقبلية.
5-
تبشيره بالنصر والتمكين:
قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} 1 وقال جل جلاله: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 2 وقال عز وجل: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} 3 وقال سبحانه وتعالى: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} 4 وقال عز وجل: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 5 ووعده سبحانه بالنصر {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} 6 {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} 7 وقد تحقق نصر الله، فقد نصر عبده وأعز جنده {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} 8 السورة.
والوعد بالنصر والتمكين بعد الإخبار بالعصمة من أدعى الدواعي لتثبيت القلب وتجدد العزم.
تلكم بعض صور تثبيت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وهي الحكمة الأولى من حكم نزول القرآن منجمًا متتبعًا مسار الدعوة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ينزل عليه بين حين وآخر ما يثبت قلبه ويجدد عزمه.
وقد أشار أبو شامة إلى هذه الحكمة من نزول القرآن منجمًا فقال: "إن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه. ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك عليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة. ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السلام عليه فيه"9.
1 سورة المجادلة: الآية 21.
2 سورة يوسف: الآية 21.
3 سورة المائدة: الآية 56.
4 سورة التوبة: الآية 40.
5 سورة غافر: الآية 51.
6 سورة الفتح: الآية 3.
7 سورة الروم: الآية 47.
8 سورة النصر: الآية 1.
9 المرشد الوجيز: أبو شامة، ص27، 28.