الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتبدأ هذه المرحلة في السنة الخامسة للهجرة حيث زحفت جيوش الأحزاب إلى المدينة حين ألَّبَتْ قريش قبائل الجزيرة العربية ضد المسلمين بمساعدة بعض زعماء اليهود1 ففرض جهاد الكفار كافة: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} 2 وهي آخر مراحل تشريع الجهاد.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- ملخصًا مراحل تشريع الجهاد: "وكان محرمًا ثم مأذونًا به، ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين"3.
وبمعرفة هذه المراحل يظهر خطأ بعض المتصدين للدفاع عن عقيدة الجهاد فيخطئون تحت وطأة الهزيمة الداخلية فيزعمون أن الجهاد للدفاع لا للطلب فيقفون به عند حد المرحلة الثالثة تمامًا كأولئك الذين يزعمون أن الربا الحرام هو ما كان أضعافًا مضاعفة، وهؤلاء وأولئك كمن يعتقد إباحة الخمر وأن تحريمها قرب وقت الصلاة، وبمعرفة ذلك كله يظهر الحق والصواب والله المستعان.
1 منهج القرآن في تقرير الأحكام: ص294.
2 سورة التوبة: الآية 36.
3 زاد المعاد: ابن القيم ج2 ص58.
فوائد معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل:
وتشترك معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل مع معرفة المكي والمدني في فوائد كثيرة منها:
أولًا: تمييز الناسخ من المنسوخ:
وذلك حين ورود آيتين بحكمين مختلفين فإن معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل تعين على معرفة الناسخ من المنسوخ، ومثال ذلك قوله تعالى في عدة المرأة المتوفى عنها زوجها:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} 1 فقد بينت هذه الآية أن العدة عام
1 سورة البقرة: الآية 240.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 1 جعل العدة أربعة أشهر وعشرًا، وإذا عرفنا أن هذه الآية هي آخر ما نزل عرفنا أنها هي الناسخة.
ثانيًا:
معرفة تاريخ التشريع الإسلامي وتدرجه الحكيم في التشريع، وقد مر بنا استعراض المراحل التي مر بها تحريم الخمر وكيف تمت مراعاة أحوالهم حيث اعتادوا شرب الخمر، لا يكاد يخلو منها بيت وكيف تدرج في علاج هذه المشكلة حتى خرجوا إلى بر الأمان والسلامة والإسلام بحكمة بالغة.
ثالثًا:
الاستعانة بمعرفة أول ما نزل وآخر ما نزل في تفسير القرآن التفسير السليم واستنباط الحكم الصحيح، وقد عرفنا ذلك في معرفة أول وآخر ما نزل في الربا والجهاد والخطأ الذي وقع فيه بعضهم بسبب جهل معرفة أول وآخر ما نزل.
رابعًا:
تذوق أساليب القرآن الكريم والاستفادة من ذلك في أسلوب الدعوة إلى الله تعالى حيث يكون بأسلوب لتقرير حكم ثم يختلف الأسلوب لتقرير حكم آخر بالوعد مرة والوعيد أخرى وبالترغيب أو الترهيب أو بالتخيير أو الإلزام حسب ما يناسب الحال.
خامسًا:
معرفة السيرة النبوية وترتيب أحداثها حسب حديث القرآن عنها ومتابعة أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقفه في الدعوة في مكة وسيرته في الدعوة إلى الله بعد الهجرة؛ مما يوقف الدعاة خاصة والمسلمين عامة على أصدق حديث عن أفضل سيرة لأحسن قدوة عليه الصلاة والسلام.
سادسًا:
إظهار عناية الصحابة والعلماء من بعدهم بالقرآن الكريم حتى عرفوا أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن كله وفي كل حكم من أحكامه الذي لا يمكن الوصول إليه وإدراكه إلا بالجهد الكبير والاهتمام العظيم مما يوجب على من بعدهم الاقتداء بهم والسير على نهجهم.
1 سورة البقرة: الآية 234.