الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيئًا من القرآن مما جعله يحرك لسانه بالقرآن لحظة نزول الوحي مع شدة وطأة الوحي وما يعانيه من الجهد والكرب عند نزوله، وما زال صلى الله عليه وسلم كذلك حتى نزل عليه قوله تعالى:{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} 1. وقال سبحانه: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} 2. فكان صلى الله عليه وسلم بعد هذا إذا أتاه الوحي أطرق فإذا ذهب جبريل وجد الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن مجموعًا في صدره كما وعده الله.
وقد حفظ الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن كله وحفظه أصحابه، وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة في شهر رمضان، وعارضه إياه في العام الذي توفي فيه مرتين كما في حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي" 3 وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بالقرآن ويتلوه آناء الليل وأطراف النهار حتى كادت أن تتشقق قدماه.
1 سورة القيامة: الآيات 16، 19.
2 سورة طه: الآية 114.
3 رواه البخاري ج4 ص183.
حفظ الصحابة رضي الله عنهم لللقرآن الكريم
…
5-
حفظ الصحابة رضي الله عنهم للقرآن الكريم:
اشتد التنافس بين الصحابة رضي الله عنهم في حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتدبره، وتسابقوا إلى مدارسته وتفسيره والعمل به، وكانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، وكانوا يهجرون لذيذ المنام ودفء الفراش ويؤثرون قيام الليل والتهجد بالقرآن حتى كان يسمع لبيوتهم دويًّا كدوي النحل لتلاوتهم القرآن.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم على ذلك ويحرص على سماع تلاوتهم، فقد قال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك
البارحة! لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" 1 واستمع لتلاوة سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما فقال له: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك" 2 وقال لابن مسعود رضي الله عنه: "اقرأ عليَّ القرآن"، فقال ابن مسعود: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا بلغ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} 3 قال: "حسبك الآن"، قال ابن مسعود: فالتفتُ فإذا عيناه تذرفان" 4، وقال صلى الله عليه وسلم:"إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار"5.
والأخبار كثيرة تشهد على عناية الصحابة رضي الله عنهم بالقرآن الكريم وتلاوته، وحفظه وعلى حث الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه على ذلك.
فلا عجب أن يكثر عدد حفاظ القرآن من الصحابة إذ حفظه في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الجم الغفير من الصحابة رضي الله عنهم.
فمن المهاجرين الذين حفظوا القرآن كله أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة6.
1 رواه مسلم، ج1 ص546.
2 مسند الإمام أحمد ج6 ص165.
3 سورة النساء: الآية 41.
4 رواه البخاري: ج6 ص113.
5 رواه مسلم ج4 ص1944.
6 الإتقان: السيوطي ج1 ص72.
ومن الأنصار عبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو زيد بن السكن.
"إشكال"
روى البخاري في صحيحه ثلاثة أحاديث:
الأول: عن قتادة قال سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد1.
الثاني: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد قال ونحن ورثناه"2.
الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب"3.
وقد يستدل بهذه الأحاديث على أن الذين يحفظون القرآن هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء.
وهذا يخالف ما هو معلوم أن الذين يحفظون القرآن من الصحابة جم غفير وليس محصورًا بهذا العدد.
والجواب عن هذا الإشكال من وجوه:
الأول: أنه لا يراد بهذه الأحاديث الحصر وإنما يراد به ضرب المثل،
1 رواه البخاري ج6 ص102، 103.
2 رواه البخاري ج6 ص103.
3 رواه البخاري ج6 ص102.
ويشهد لهذا أن أنسًا نفسه ذكر في حديث "أبي بن كعب" وفي حديث آخر "أبا الدرداء" فلو كان المراد الحصر لاتفقت الأسماء في الحديثين.
الثاني: أن المراد بالجمع الكتابة لا الحفظ.
الثالث: أن المراد بالجمع حفظه بوجوه القراءات كلها.
الرابع: أن المراد بالجمع تلقيه كله من فم الرسول صلى الله عليه وسلم.
الخامس: أن المراد أنهم هم الذين عرضوه على النبي صلى الله عليه وسلم واتصلت بنا أسانيدهم وأما من حفظه ولم يتصل بنا سنده فكثير1.
قال المازري -رحمه الله تعالى- "وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه، فإنا لا نسلم حمله على ظاهره، سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله ألا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه. بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ ولو على التوزيع كفى"2.
وقد توافرت الدواعي لحفظ الصحابة للقرآن الكريم: ومنها:
1-
قوة الحافظة عندهم وسيلان الذهن وحدة الخاطر وفي التاريخ شواهد لذلك.
2-
أنهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة ولا يحذقون الخط والكتابة وجعلهم هذا لا يعولون إلا على قوة الحافظة.
3-
تمكن الإيمان من قلوبهم رضي الله عنهم وحب الله سبحانه وتعالى وحب الرسول صلى الله عليه وسلم وحب كتابه مما جعلهم يقبلون على حفظ القرآن.
1 البرهان في علوم القرآن: الزركشي ج1 ص242.
2 الإتقان: السيوطي ج1 ص72، وفتح الباري: ج9 ص52، والمرشد الوجيز ص40 عن المعلم شرح صحيح مسلم للمازري "مخطوط".