الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و
الرأي الراجح:
والراجح من هذه الأقوال فيما أرى هو أولها؛ إذ نص علماء السلف على وجوب التزام رسم المصحف وتحريم مخالفته ونستدل على ذلك ما يلي:
1-
أن القرآن كتب بهذا الرسم في عهد عثمان وفيه كبار الصحابة فتلقوه هم وبقية الصحابة حينذاك وعددهم لا يقل عن اثني عشر ألفًا بالقبول ولم يعترض أحدهم على زيادة حرف أو نقصانه، وتلقاه من بعدهم التابعون ومن بعدهم. فلا يترك هذا الرسم مراعاة لجهل الجاهلين، وتقصير المقصرين.
2-
أن الكتابة كغيرها من العلوم والمعارف تتغير وتتبدل، وتتطور من عصر إلى عصر ومن بلد إلى بلد، فلو كتب في عصرنا هذا على طريقتنا في الكتابة لاحتاج من في المغرب العربي إلى كتابته بصورة أخرى، واحتاج من الهند وباكستان إلى كتابة ثالثة، ولاحتاجت الأجيال من بعدنا إلى تغيير وتبديل يعرض النص القرآني في كل مرة إلى الخطأ أو التحريف والتغيير.
3-
أن تغيير رسم المصحف كلما هبت ريح أو أشرقت شمس أو آذنت بغروب يعرض المصحف للامتهان، ويمس قداسته، ويغض من هيبته، ويقلل من احترامه فتعتاد النفوس ويتبلد الإحساس وتخمد الغيرة على النص القرآني.
4-
أن إجازة كتابته بالرسم الإملائي وانتشاره بذلك واعتياد الناس لذلك يمهد للدعوة إلى تغيير الأحرف العربية وكتابة اللفظ بالأحرف اللاتينية ما دام النطق واللفظ هو اللفظ. بل الدعوة قائمة الآن إلى كتابة القرآن بالأحرف اللاتينية.
5-
أن للرسم العثماني فوائده وحكمه، ومزاياه التي يضمنها الالتزام بالرسم العثماني ولا تتحقق في سواه.
6-
أن تعليم القرآن وحفظه لا يكون من المصحف وإنما عن طريق المشافهة عن حافظ متقن، ومن سلك هذا الطريق لم يشكل عليه رسم، وإنما الإشكال ممن لم يلتزم الطريق الصحيح وقرأ من المصحف وحده فالخطأ من قبله هو أتى.
7-
أن الاحتجاج بتعليم الصبيان غير مسلم، فها نحن نراهم يتعلمون اللغات الأجنبية بحروفها ولغاتها ويتقنونها وينكرون كل الإنكار كتابة الكلمات لهم بالأحرف العربية بل يوجبون قراءة اللغة الأجنبية بأحرفها الأجنبية مع الاختلاف الكلي بين اللغتين بينا الاختلاف بين الرسم العثماني والإملائي ليس إلا في كلمات معدودة ورسوم محدودة.
8-
أن تعليم الصبيان لا يكون بالمساس بالنص الديني وإنما يكون برفع مستوى الأذهان، والتهيئة النفسية لذلك.
وعلينا إن كنا حريصين -حقًّا- على تعليم أبنائنا للقرآن الكريم أن نعودهم القراءة في المصحف، ففي التعود على قراءته تأليف لأذهانهم على رسم المصحف، وترويض لمداركهم على مصطلحاته وسيدرك أولئك أن الصعوبة التي تواجههم بادئ الأمر قد تحولت بعد زمن يسير إلى سهولة ووضوح.
وإنما تصعب تلاوة القرآن وإتقانه على الذين يهجرونه دهرًا طويلًا ثم يعودون لتلاوته دقائق معدودة، فأولئك سيواجهون -حتمًا- الصعوبة وسيحملون تقصيرهم -جورًا وظلمًا- على رسم المصحف وما هو من الرسم ولكنه من تفريطهم بالتلاوة وهجرهم للقرآن والله المستعان1.
9-
أن في الالتزام برسم المصحف ضمان قوي للنص القرآني من التحريف والتبديل، ولو تم تغييره في كل حين والتصرف في كتابته في كل عصر لأدى ذلك إلى تعريض المصحف للتغير والتبديل، والتحريف.
10-
أن الذين دعوا إلى كتابة المصاحف بالرسم الإملائي ليسوا من القراء ولا من العلماء المختصين بالرسم، وإنما عمادهم الرأي المجرد بل إن بعضهم من المشهورين بالإلحاد وسوء المعتقد، وفيهم من دعا إلى ذلك بحسن نية كلها دعوة ينقصها العلم الشرعي، والله المستعان.
1 من كتابي خصائص القرآن الكريم: ص178.