الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجعل القوامة للرجل: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} 1 والقوامة هنا لا تعني التسلط ولو أدركت النساء في عصرنا هذا معنى القوامة لطالبن الرجال بالقوامة عليهن وأدائها، وأصررن على قيام الرجل بها، وحق لهن ذلك.
ب- تربية الأولاد:
ومن أسس بناء الأسرة حسن تربية الأولاد فهم أمانة في أعناق الآباء، لهم حقوقهم في حسن التربية والرعاية والنفقة، حتى وهو في بطن أمه المطلقة.
ج- بر الوالدين:
وكما أمر الآباء بأداء حق الأولاد أمر الأبناء أيضًا ببر الوالدين وأوصى بذلك: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} 2 {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} 3.
فإذا أدى الزوج حق زوجته وأدت الزوجة حق زوجها وأدى الابن حقوق والديه وأدى الآباء حقوق الأبناء أصبحت الأسرة متماسكة مترابطة تصلح وأي صلاح لبناء مجتمع قوي.
1 سورة النساء: الآية 34.
2 سورة الأحقاف: الآية 15.
3 سورة الإسراء: الآية 23.
ثالثًا:
بناء المجتمع:
وإذا كان بناء الأسر يقوم على بناء الأفراد وهم لبناته فإن بناء المجتمعات يقوم على هذه الأسر، وقد رسم القرآن نظام هذا المجتمع ووضع له أسسه ونظامه فشرع لذلك:
1-
الحكومة الإسلامية:
إذ لا يستقيم لمجتمع أن يظل على ترابطه ما لم يكن له حكومة تسوسه وترعاه، وتتفقده وتحميه وتنظم شئونه، وترتب أموره، وجعل لهذه الحكومة نظامها وقواعدها فمن ذلك:
أ- الشورى:
وقد أمر الله بذلك نبيه ومن باب أولي ولاة الأمر من بعده: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} 1، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} 2 ولأهمية الشورى سميت سورة كاملة باسمها.
ب- الحكم بما أنزل الله:
ويجب على هذه الحكومة أن تحكم بما أنزل الله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} 3 {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} 4 {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 5.
ج- العدل:
الذي لا يفرق بين حاكم ومحكوم، وكبير وصغير، وغني وفقير، وعربي وعجمي، وأسود وأبيض، إلا بالتقوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ
1 سورة آل عمران: الآية 159.
2 سورة الشورى: الآية 38.
3 سورة المائدة: الآية 44.
4 سورة المائدة: الآية 45.
5 سورة المائدة: الآية 47.
كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} 1 وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} 2 وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} 3 وهو عدل لا يتأثر بغضب أو كره أو حقد: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} 4.
د- المحافظة على الكليات الخمس:
وعلى الحكومة الإسلامية المحافظة على الكليات الخمس وهي "النفس، الدين، العرض، المال، العقل" ففي النفس القصاص: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} 5 {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} 6.
وفي العرض: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 7 {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} 8.
وفي المال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 9.
وحرم ما يزيل العقل ولو إلى حين كشرب الخمر، وفي الدين حرم الردة عن دين الله والعياذ بالله وأوجب الله في هذا وذاك العقوبات الصارمة.
هـ- تنظيم العلاقات الدولية:
وعلى الحكومة الإسلامية أن تنظم علاقات هذا المجتمع الإسلامي
1 سورة النساء: الآية 135.
2 سورة النحل: الآية 90.
3 سورة النساء: الآية 58.
4 سورة المائدة: الآية 8.
5 سورة البقرة: الآية 179.
6 سورة المائدة: الآية 45.
7 سورة النور: الآية 2.
8 سورة النور: الآية 4.
9 سورة المائدة: الآية 38.
بالمجتمعات الأخرى في حالة الحرب والسلم وما يتعلق بذلك من تشريع الجهاد وتنظيمه، والغنائم وأحكامها والمعاهدات وغيرها.
2-
ومما شرعه القرآن لبناء المجتمع السمع والطاعة لولي الأمر:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} 1 وعندما يتدبر المسلم هذه الآية ويكرر تلاوتها سيجد الإلحاح والحث على الطاعة لما في العصيان والتمرد من أثر سيئ ليس على الفرد بل على بناء المجتمع كله.
3-
تحريم الخروج على جماعة المسلمين:
وكما حرم الخروج على ولي الأمر ما لم نر كفرًا بَوَاحًا حرم الخروج على جماعة المسلمين: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
…
} الآية2.
وقال سبحانه: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 3 وقال سبحانه: {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} 4 وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
…
} الآية5.
1 سورة النساء: الآية 59.
2 سورة آل عمران: الآية 103.
3 سورة آل عمران: الآية 105.
4 سورة الروم: الآية 31، 32.
5 سورة التوبة: الآية 107.
وبهذا كله يتم بناء المجتمع وترابطه، واتحاده وقوته ويصبح للمسلمين قوة ولهم شأن عظيم.
بهذا المنهج التشريعي الحكيم جاء القرآن الكريم فدرسه العلماء وتدبروه، وتفكروا فيه وخرجوا بنتيجة واحدة هي أن في تشريعه إعجازًا لا يمكن للبشر أن يخترعوه.
ويمكن أن نختم الحديث عن الإعجاز التشريعي بذكر أهم مزاياه فمنها1:
1-
أن التشريع مظهر لهداية القرآن:
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} 2.
2-
أنه خير تشريع وأصدق حديث وأعدل حكم:
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} 3.
3-
الشمول:
فهو في أحكامه شامل لجميع جوانب الحياة العقيدية والتعبدية، والاقتصادية والسياسية، والاجتماعية وغير ذلك.
4-
وجوب العمل به:
قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 4 وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} 5.
1 نقلتها بتصرف من كتاب البيان في إعجاز القرآن: د. صلاح الخالدي ص323، 325.
2 سورة الإسراء: الآية 9.
3 سورة البقرة: الآية 138.
4 سورة النساء: الآية 65.
5 سورة المائدة: الآية 44.
5-
تحريم أخذ بعضه وترك بعضه:
كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} 1 وقال سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} 2.
6-
اليسر:
قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 3 وقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} 4 وقال سبحانه: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} 5.
7-
وجوب الإيمان بكمال التشريع وإحكامه:
لأنه من الله وهو أحكم الحاكمين: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمُ اللَّهُ} 6 والله أعلم.
1 سورة الأحزاب: الآية 36.
2 سورة البقرة: الآية 85.
3 سورة البقرة: الآية 185.
4 سورة الحج: الآية 78.
5 سورة البقرة: الآية 286.
6 سورة البقرة: الآية 140.