الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذلك أن تكرر نزول القرآن مرات عديدة في أماكن مختلفة وأزمان متغايرة ومتباعدة مدة نزول القرآن وفي كل مرة يتحداهم أن يأتوا بمثله، فهذا دليل على تكرر الإعجاز واستمرار التحدي، ولو نزل القرآن جملة واحدة وتحداهم به عند النزول لكان التحدي وقع مرة واحدة والإعجاز كذلك. فكان في تنجيم نزوله وتكرره استمرار للتحدي وتكرار للإعجاز.
ولا شك أن الذي يستطيع تكرار عمل ما يعجز عنه الناس أقوى إعجاز ممن يفعله مرة واحدة لا يعيدها أخرى.
سادسًا:
الدلالة على مصدر القرآن، وأنه من الله تعالى وليس في قدرة البشر:
وقد أوضح الشيخ الزرقاني -رحمه الله تعالى- هذه الحكمة فقال: وبيان ذلك: أن القرآن تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذ بعضه برقاب بعض في سورة وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه من ألفه إلى يائه كأنه سبيكة واحدة، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك، ولا تخاذل، كأنه حلقة مفرغة، أو كأنه سمط وحيد، وعقد فريد، يأخذ بالإبصار، نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقًا لأوله، وبدا أوله مواتيًا لآخره.
وهنا نتساءل: كيف اتسق للقرآن هذا التآليف المعجز؟ وكيف استقام له هذا التناسق المدهش؟ على حين أنه لم ينزل جملة واحدة، بل تنزل آحادًا مفرقة، تفرق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين سنة.
الجواب: أننا نلمح هنا سرًّا جديدًا من أسرار الإعجاز، ونشهد سمة فذة من سمات الربوبية، ونقرأ دليلًا ساطعًا على مصدر القرآن وأنه كلام الواحد الديان:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} 1، 2.
1 سورة النساء: الآية 82.
2 مناهل العرفان: الزرقاني: ج1 ص53، 54.
وبين الأستاذ حيدر قفة هذا الوجه من الإعجاز فقال: "إن القرآن نزل منجمًا مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة تقريبًا، وهذه مدة طويلة يعجز أي أديب أو كاتب أو بليغ أن يحتفظ بأسلوبه وبيانه، وخصائصه البلاغية فلا بد أن نجد في أسلوبه اختلافًا ولو للأحسن والأرقى، مما يظهر الضعف والركاكة والإسفاف في بداية الأمر، والجزالة وحسن السبك في نهايته. فهل وجدوا ذلك في القرآن؟ حاشا لله وصدق الله العظيم:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} 1، 2.
ويتحدث الشيخ الزرقاني عن الانفصال الزماني واختلاف أسباب النزول لآيات القرآن اللذين يستلزمان في مجرى العادة التفكك والانحلال، ولا يدعان مجالًا للارتباط والاتصال بين نجوم الكلام أما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضًا، فقد نزل منجمًا ولكنه تم مترابطًا محكمًا ثم قال: "أليس ذلك برهانًا ساطعًا على أنه كلام خالق القوى والقدر، ومالك الأسباب والمسببات، ومدبر الخلق والكائنات، وقيوم الأرض والسموات، العليم بما كان وما سيكون، الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شئون.
ثم قال: "لاحظ فوق ما أسلفنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال: ضعوها في مكان كذا من سورة كذا، وهو بشر لا يدري "طبعًا" ما ستجيء به الأيام، ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث فضلًا عما سينزل من الله فيها، وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول على هذا العهد، يأتيه الوحي بالقرآن نجمًا بعد نجم، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم، وينتظم ويتآخى، ويأتلف ويلتئم، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت، بل
1 سورة النساء: الآية 82.
2 مع القرآن الكريم: حيدر قفة. ص55.