الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويونس1 تأويل القرآن وكذلك في سورة آل عمران.
وقال تعالى في قصة موسى والعالم: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا} 2 إلى قوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا} 3 فالتأويل هنا تأويل الأفعال التي فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها، ومن قتل الغلام، ومن إقامة الجدار، فهو تأويل عمل لا تأويل قول، وإنما كان كذلك؛ لأن التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلا.. وقولهم: آل يئول: أي عاد إلى كذا ورجع إليه، ومنه "المآل" وهو ما يئول إليه الشيء ويشاركه في الاشتقاق الأكبر "الموئل" فإنه من وأل، وهذا من أول، والموئل المرجع، قال تعالى:{لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا} 4، 5.
1 في قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس: 39] .
2 سورة الكهف: الآية 78.
3 سورة الكهف: الآية 82.
4 سورة الكهف: الآية 58.
5 مجموع فتاوي ابن تيمية ج13 ص290، 291 باختصار.
القول الثالث: وهو اصطلاح طوائف من المتأخرين:
قالوا: إن التأويل هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به.
ويريدون بذلك صرف الألفاظ القرآنية عن معانيها الحقيقية إلى معان باطلة ليؤيدوا بها مذاهبهم وآراءهم المنحرفة، فهم اعتقدوا رأيًا ثم حملوا نصوص القرآن عليه لتوافق ما ذهبوا إليه.
وهؤلاء -كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى- صاروا مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون الأخبار والأوامر، وما بين صابئة وفلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء، وما
بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر، وفي آيات القدر، ويتأولون آيات الصفات، وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر، وآخرون من أصناف الأمة وإن كان تغلب عليهم السنة، فقد يتأولون أيضًا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه"1.
وذكر في موضع آخر أمثلة لهذه التأويلات فقال: "كتأويل من تأول استوى بمعنى استولى ونحوه فهذا عند السلف والأئمة باطل لا حقيقة له، بل هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته.
فلا يقال في مثل هذا التأويل: "لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم" بل يقال فيه: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ} 2 كتأويلات الجهمية والقرامطة الباطنية، كتأويل من تأول الصلوات الخمس بمعرفة أسرارهم، والصيام: بكتمان أسرارهم، والحج بزيارة شيوخهم، والإمام المبين بعلي بن أبي طالب، وأئمة الكفر بطلحة والزبير، والشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية، واللؤلؤ والمرجان، بالحس والحسين، والتين والزيتون وطور سينين، وهذا البلد الأمين بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والبقرة بعائشة، وفرعون بالقلب، والنجم والقمر والشمس بالنفس والعقل ونحو ذلك.
فهذه التأويلات من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله وهي من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، ومثل هذه لا تجعل حقًّا حتى يقال: إن الله استأثر بعلمها، بل هي باطل، مثل شهادة الزور، وكفر الكفار، يعلم الله أنها باطل، والله يعلم عباده بطلانها بالأسباب التي
1 مجموع الفتاوى: ابن تيمية ج13 ص287.
2 سورة يونس: الآية 18.
بها يعرف عباده، من نصب الأدلة وغيرها"1.
وهذا التأويل هو الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف، فإذا قال أحدهم هذا الحديث، أو هذا النص مؤول، أو هو محمول على كذا، قال الآخر هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلى دليل
…
وهو أيضًا التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات إذا صنف بعضهم في إبطال التأويل، أو ذم التأويل أو قال بعضهم: آيات الصفات لا تؤول، وقال الآخر: بل يجب تأويلها، وقال الثالث: بل التأويل جائز.. إلخ"2.
وبهذا يظهر بطلان القول الثالث وانحرافه وأنه ليس من أقوال السلف.
وأما القولان الأول والثاني:
فإن الأول: هو معنى التأويل عند الصحابة والتابعين.
والثاني: هو معنى التأويل في القرآن نفسه.
فمن قال: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله فقد أخذ بالقول الأول وهو أن معنى التأويل التفسير.
ومن قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله فقد أخذ بالقول الثاني وهو أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام وهذا لا يعلمه إلا الله.
ولا تعارض بين هذين القولين ولا اختلاف فالجميع يسلم بأن الراسخين في العلم يعلمون تأويله بمعنى تفسيره، ومن زعم أنهم لا يعلمون تأويله بمعنى تفسيره نازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله وقالوا بأنهم يعلمون معناه3، والراسخون في العلم لا يعلمون تأويله بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وبهذا يظهر التوافق والتطابق والتكامل بين القولين.
1 درء تعارض العقل والنقل: ابن تيمية ج5 ص382، 383.
2 مجموع فتاوى ابن تيمية ج13 ص288، باختصار.
3 درء تعارض العقل والنقل: ابن تيمية ج1 ص208.