الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصورة الثالثة: أن يتحد السبب ويختلف الحكم
فغسل الأيدي في الوضوء مقيد إلى المرافق في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} 1.
ومسح الأيدي في التيمم مطلق في قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} 2.
ولو نظرنا في الآيتين لوجدنا سبب الوضوء والتيمم واحد وهو "الحدث" ولكن الحكم مختلف ففي الآية الأولى الحكم "الغسل" وفي الثانية "المسح".
وفي هذه الصورة لا يحمل المطلق على المقيد، قال الشوكاني رحمه الله تعالى:"لا خلاف في أنه لا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه سواء كانا مثبتين أو منفيين أو مختلفين اتحد سببهما أو اختلف، وقد حكى الإجماع جماعة من المحققين آخرهم ابن الحاجب"3.
1 سورة المائدة: الآية 6.
2 سورة المائدة: الآية 6.
3 إرشاد الفحول: الشوكاني ج2 ص12.
الصورة الرابعة: أن يختلف السبب ويتحد الحكم
وإذا كان العلماء في الصور الثلاث السابقة اتفقوا أو كادوا على حكم كل صورة فإنهم في هذه الصورة قد اختلفوا.
ولهذا الصورة حالتان:
الأولى: أن يكون القيد واحدًا.
فالرقبة "مطلقة" في كفارة الظهار في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} 1.
ومطلقة في كفارة اليمين في قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} 2.
ومقيدة بالإيمان في كفارة القتل الخطأ في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} 3.
وإذا نظرنا إلى أسباب الكفارة في الآيات الثلاث وجدناها مختلفة فالسبب في الآية الأولى "الظهار" وفي الثانية "الحنث باليمين" وفي الثالثة "قتل المؤمن خطأ".
وإذا نظرنا إلى الحكم وجدناه واحدًا وهو عتق الرقبة لكنه في الظهار واليمين مطلق، وفي القتل مقيد فهل يحمل المطلق في هذه الصورة على المقيد فنوجب في كفارة الظهار، واليمين أن تكون الرقبة مؤمنة أيضًا. هذا ما وقع الخلاف فيه بين العلماء.
فذهب الأحناف وأكثر المالكية وروي عن الإمام أحمد إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد فيجوز في كفارة الظهار واليمين عتق الرقبة الكافرة. ولا يجوز في كفارة القتل إلا الرقبة المؤمنة.
وذهب أكثر الشافعية والحنابلة إلى حمل المطلق على المقيد فيجب أن تكون الرقبة مؤمنة في جميع الكفارات.
الثانية: أن يكون القيد متعددًا.
فالصوم "مطلق" في كفارة اليمين في قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ
1 سورة المجادلة: الآية 3.
2 سورة المائدة: الآية 89.
3 سورة النساء: الآية 92.
أَيَّام} 1 وفي قضاء رمضان: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} 2.
ومقيد بالتتابع في كفارة القتل في قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} 3. وكذلك في كفارة الظهار في قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} 4.
ومقيد بالتفريق في صوم المتمتع بالحج في قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} 5.
واتفق العلماء على أنه لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف القيد وعدم وجود مرجح لأحد القيود. وحمله على أحدهما دون الآخر بلا دليل تحكم فليس أحدهما بأولى من الآخر6.
1 سورة المائدة: الآية 89.
2 سورة البقرة: الآية 184.
3 سورة النساء: الآية 92.
4 سورة المجادلة: الآية 3.
5 سورة البقرة: الآية 196.
6 إتحاف ذوي البصائر: د. النملة ج6 ص363.