الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المرحلة الثالثة:
بعد القضاء على المرتدين وانتهاء حروب الردة، اتجهت جيوش المسلمين لنشر الإسلام، فدخل في الإسلام أمم مختلفة، وانتشر الصحابة رضي الله عنهم في البلدان المفتوحة يعلمون أهلها القرآن، وكان كل صحابي يعلم القرآن حسبما تلقاه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم اختلف النقل في التابعين وتلاميذهم وكثرت القراءات وتنوعت وتلقاها عدد كبير من التابعين.
المرحلة الرابعة:
أن جماعة من التابعين وتابعي التابعين كرسوا حياتهم، وقصروا جهودهم على قراءة القرآن وإقرائه، وتعليمه وتلقينه، وعُنوا العناية كلها بضبط ألفاظه، وتجويد كلماته، وتحرير قراءاته، وتحقيق رواياته، وكان ذلك شغلهم الشاغل وغرضهم الهادف حتى صاروا أئمة يقتدى بهم، ويرحل إليهم، ويؤخذ عنهم، وأجمع المسلمون على تلقي قراءاتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم اثنان، ولتصديهم للقراءة وجمعهم لها نسبت إليهم1.
قال القسطلاني: "ثم لما كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته، وفاقًا لبدعتهم، كمن قال من المعتزلة: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: الآية 164] بنصب الهاء، ومن الرافضة {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ} [الكهف: الآية 51] بفتح اللام، يعنون أبا بكر وعمر، رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كل مصر وجه إليه مصحف أئمة مشهورين بالثقة، والأمانة في النقل، وحسن الدراية، وكمال العلم، أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة فيما قرءوا ولم تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم"2.
1 انظر مع القرآن الكريم: د. شعبان إسماعيل، ص390، وصفحات في علوم القراءات: السندي ص37.
2 لطائف الإشارات: القسطلاني، ص66.
قال ابن الجزري: "ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم، إنما هو من حيث إنه كان أضبط له، وأكثر قراءة وإقراءً به، وملازمة له، وميلًا إليه، لا غير ذلك. وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتها المراد بها: أن ذلك القارئ، وذلك الإمام اختار القراءة لذلك الوجه من اللغة، حسب ما قرأ به فآثره على غيره، وداوم عليه، ولزمه، حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه؛ فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة: إضافة اختيار، ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد"1.
وكثر عدد القراء في الأمصار واشتهر في كل مصر عدد منهم:
ففي مكة:
مجاهد بن جبر، طاوس بن كيسان، عطاء بن أبي رباح، عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما ابن أبي مليكة وغيرهم.
وفي المدينة:
سعيد بن المسيب: عروة بن الزبير، عمر بن عبد العزيز، ابن شهاب الزهري، زيد بن أسلم، سليمان وعطاء ابنا يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر وغيرهم.
وفي الكوفة:
علقمة بن قيس، مسروق بن الأجدع، أبو عبد الرحمن السلمي، والنخعي، والشعبي، وعمرو بن شرحبيل، والأسود بن يزيد، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وفي البصرة:
الحسن البصري: ومحمد بن سيرين، وقتادة بن دعامة السدوسي، ونصر
1 النشر في القراءات العشر: ابن الجزري ج1 ص52.
ابن عاصم، ويحيى بن يعمر، وأبو العالية الرياحي، وجابر بن زيد، وأبو رجاء العطاردي وغيرهم.
وفي الشام:
المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان، وخليفة بن سعد صاحب أبي الدرداء، ويحيى بن الحارث الذماري، وعطية بن قيس الكلابي وغيرهم.
وغير ذلك كثير من القراء، حتى أصبحت القراءات وجمعها والعناية بها علمًا مستقلًّا كعلوم الشريعة الأخرى.
تسبيع السبعة:
وكما رأيت فإن القراء بلغوا المئات بل الآلاف من القراء الحفاظ المتقنين، وقد تصدى عدد من العلماء للكتابة والتأليف عن القراء، فألف أبو عبيدة "ت224هـ" كتابًا جمع فيه قراءات خمسة وعشرين قارئًا. وألف أحمد بن جبير الأنطاكي "ت258هـ" كتابًا جمع فيه قراءات خمسة من القراء، وألف أبو بكر الداجاني "ت324هـ" كتابه الثمانية، وألف ابن جرير الطبري "ت324هـ" كتابه "القراءات" وذكر فيه أكثر من عشرين قارئًا، وألف غيرهم كثير، إلا أن هذه المؤلفات لم تنتشر أو تشتهر.
فلما ألف أحمد بن مجاهد "ت324هـ" كتابه "السبعة" واقتصر فيه على جمع المتواتر من قراءات سبعة من القراء، وكان هو نفسه حجة في القراءات وإمامًا ثقة ثبتًا، اشتهر كتابه وحظي بالقبول، وتداوله العلماء، واشتهر هؤلاء السبعة حتى توهم بعض الناس أن القراء سبعة، وأن القراءات سبع، وزاد التوهم فاعتقد آخرون أن القراءات السبع هي الأحرف السبعة!!
وأخذ بعض العلماء على ابن مجاهد اختياره للسبعة؛ لما في ذلك من الإيهام، فقال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي:"لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر؛ "أي حديث الأحرف السبعة" وليته إذا
اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة"1.
وقال القراء في الشافي "التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، فانتشر وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد"2.
وقد علل مكي بن أبي طالب "ت437هـ" سر اختيارهم سبعة فقال: ليكونوا على وفق مصاحف الأمصار السبعة، وتيمنًا بأحرف القرآن السبعة، ثم قال: على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمنع ذلك؛ إذ عدد القراء أكثر من أن يحصى3.
وقد دافع كثير من العلماء عن ابن مجاهد -رحمه الله تعالى- في ذلك بأنه لم يقتصر على هؤلاء السبعة إلا بعد اجتهاد طويل ومراجعة متأنية في الأسانيد الطوال، وكان موفقًا في اختياره الذي حظي بموافقة جمهور العلماء والقراء وتأييدهم؛ حيث إن كثرة الروايات في القراءات أدت إلى ضرب من الإضراب عند طائفة من القراء غير المتقنين، فقد حاول بعضهم أن يختار من القراءات لنفسه خاصة فينفرد بها، فقطع ابن مجاهد عليهم الطريق، ودرأ عن القراءات كيدهم، وعن القراء اضطرابهم، ومما يدل على نزاهته رحمه الله وحسن قصده أنه لم يسع إلى أن يختار لنفسه قراءة تحمل عنه، وحين سئل عن ذلك أجاب:"نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى علينا أئمتنا أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا"4.
وقد أطلت الحديث عن هذه المرحلة لأهميتها، وكثرة المؤلفات والقراء، واتساع علم القراءات فيها.
1 الإتقان: السيوطي ج1 ص106، والنشر في القراءات العشر: ابن الجزري ج1 ص36.
2 الإتقان: السيوطي ج1 ص107.
3 الإبانة عن معاني القراءات: مكي بن أبي طالب ص51.
4 معرفة القراءة الكبار: الذهبي ج1 ص217؛ وانظر صفحات في علوم القراءات: السندي
ص51، 54.