الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعضهم المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه المصحف"1.
خبر هذا المصحف:
بعد أن أتم زيد جمع القرآن في المصحف سلمه لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فحفظه عنده حتى وفاته، ثم انتقل إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعد وفاته انتقل المصحف إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها لأن عمر رضي الله عنه جعل أمر الخلافة من بعده شورى، فبقي عند حفصة إلى أن طلبه منها عثمان رضي الله عنه لنسخه بعد ذلك، ثم أعاده إليها -لما سيأتي- ولما توفيت حفصة رضي الله عنها أرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ساعة رجعوا من جنازة حفصة بعزيمة ليرسلن بها فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان رضي الله عنه2.
1 الإتقان: السيوطي ج1 ص51.
2 المرشد الوجيز: أبو شامة المقدسي ص52.
ثالثا:
جمع القرآن بمعنى نسخه في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه:
سببه:
عندما اتسعت الفتوحات الإسلامية انتشر الصحابة رضي الله عنهم في البلاد المفتوحة يعلمون أهلها القرآن وأمور الدين، وكان كل صحابي يعلم بالحرف الذي تلقاه من الأحرف السبعة، فكان أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب رضي الله عنه فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضًا1. وعندما اتجه جيش المسلمين لفتح "أرمينيه" و"أذربيجان" كان الجنود من أهل العراق وأهل الشام فكان
1 فتح الباري: ابن حجر العسقلاني ج9 ص18.
الشقاق والنزاع يقع بينهم ورأى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه اختلافهم في القراءة وبعض ذلك مشوب باللحن مع إلف كل منهم لقراءته واعتياده عليها واعتقاده أنها الصواب وما عداها تحريف وضلال، حتى كفر بعضهم بعضا فأفزع هذا حذيفة رضي الله عنه فقال والله لأركبن إلى أمير المؤمنين "يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه"، وكان عثمان قد رأى نحو هذا في المدينة، فقد كان المعلم يعلم بقراءة والمعلم الآخر يعلم بقراءة فجعل الصبيان يلتقون فينكر بعضهم قراءة الآخر فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فقام خطيبًا وقال:"أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، واكتبوا للناس إمامًا"1.
فلما جاء حذيفة إلى عثمان رضي الله عنهما وأخبره بما جرى تحقق عند عثمان ما توقعه، وقد روى البخاري في صحيحه قصة ذلك الجمع في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح "أرمينيه" و"أذربيجان" مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان2.
تاريخ هذا الجمع:
كان ذلك في أواخر سنة 24 وأوائل سنة 25 كما قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى3.
1 المصاحف: ابن أبي داود ص29.
2 صحيح البخاري ج6 ص99.
3 فتح الباري: ابن حجر ج9 ص17.
فكرة الجمع:
لما سمع عثمان رضي الله عنه ما سمع وأخبره حذيفة رضي الله عنه بما رأى استشار الصحابة فيما يفعل، فقد روى ابن أبي داود بإسناد صحيح -كما يقول ابن حجر1- من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف.. فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا، قال ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت.. قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل2.
اللجنة المختارة:
اختار عثمان رضي الله عنه أربعة لنسخ المصاحف هم:
زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهؤلاء الثلاثة من قريش.
فقد سأل عثمان رضي الله عنه الصحابة: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت قال: فأي الناس أعرب؟ وفي رواية أفصح. قالوا: سعيد بن العاص، قال عثمان: فليمل سعيد، وليكتب زيد"3.
المنهج في هذا الجمع:
بعد أن اتفق عثمان مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين على جمع
1 فتح الباري: ابن حجر ج9 ص18.
2 المصاحف: ابن أبي داود ص30.
3 فتح الباري: ابن حجر، ج9 ص19.
القرآن على حرف سلك منهجًا فريدًا، وطريقًا سليمًا، أجمعت الأمة على سلامته ودقته.
1-
فبدأ عثمان رضي الله عنه بأن خطب في الناس فقال: "أيها الناس عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون: "قراءة أبي" و"قراءة عبد الله" يقول الرجل: "والله ما تقيم قراءتك"!! فأعزم على كل رجل منكم ما كان من كتاب الله شيء لما جاء به، وكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم، لسمعت رسول الله عليه وسلم وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم"1.
2-
وأرسل عثمان رضي الله عنه إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نعيدها إليك، فأرسلت بها إليه، ومن المعلوم أن هذه الصحف هي التي جمعت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه على أدق وجوه البحث والتحري.
3-
ثم دفع ذلك إلى زيد بن ثابت والقرشيين الثلاثة وأمرهم بنسخ مصاحف منها وقال عثمان للقرشيين: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم"2.
4-
إذا تواتر في آية أكثر من قراءة تكتب الآية خالية من أية علامة تقصر النطق بها على قراءة واحدة فتكتب برسم واحد يحتمل القراءتين أو القراءات فيها جميعًا مثل:
أ- {فَتَبَيَّنُوا} 3 التي قرأت أيضا "فتثبتوا"4.
1 المصاحف ابن أبي داود، ص31. وانظر جمال القراء ج1 ص89.
2 صحيح البخاري ج6 ص99.
3 سورة الحجرات: الآية 6.
4 وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف "النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ج2 ص251".
ب- {نُنشِزُهَا} 1 قرأت أيضا "ننشرها"2.
أما إذا لم يكن رسمها بحيث تحتمل القراءات فيها فتكتب في بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفي مصاحف أخرى برسم يدل على القراءة الأخرى مثل:
أ- {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ} 3 هكذا تكتب في بعض المصاحف وفي بعضها "وأوصى"4.
ب- {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} 5 بواو قبل السين في بعض المصاحف وفي بعضها بحذف الواو6.
وبعد الفراغ من نسخ المصاحف بعث عثمان بنسخ منها إلى الأمصار الإسلامية حيث نشط المسلمون في نسخ مصاحف منها للأفراد، وكان زيد بن ثابت في المدينة يتفرغ في رمضان من كل سنة لعرض المصاحف فيعرضون مصاحفهم عليه وبين يديه مصحف أهل المدينة7.
مزايا جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه:
تميز هذا الجمع بمزايا عديدة منها:
1-
الاقتصار على حرف واحد من الأحرف السبعة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: جمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف واحد من
1 سورة البقرة: الآية 259.
2 الأولى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بالزاي والباقون بالراء المهملة "إتحاف فضلاء البشر: البناء ص162".
3 سورة البقرة: الآية 132.
4 وهي قراءة نافع وابن عامر "إتحاف فضلاء البشر ص148".
5 سورة آل عمران: الآية 133.
6 وهي قراءة نافع وابن عامر "إتحاف فضلاء البشر ص179".
7 المصاحف: ابن أبي داود ص175.
الأحرف السبعة التي أطلق لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة بها لما كان ذلك مصلحة"1.
2-
إهمال ما نسخت تلاوته:
فقد كان قصد عثمان رضي الله عنه جمع الناس على مصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه، ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد2.
3-
الاقتصار على ما ثبت في العرضة الأخيرة وإهمال ما عداه.
فقد روى ابن أبي داود في المصاحف عن محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلًا من قريش والأنصار فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت قال فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه، قال محمد: فقلت لكثير وكان منهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد فظننت ظنا أنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله3.
4-
الاقتصار على القراءات الثابتة المعروفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما لم يثبت4.
5-
كان مرتب الآيات والسور على الوجه المعروف الآن.
قال الحاكم في المستدرك: "إن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق،
1 الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ابن القيم ص16.
2 الإتقان: السيوطي ج1 ص60.
3 المصاحف: ابن أبي داود ص33.
4 البرهان، الزركشي ج1 ص235.
والجمع الثالث هو في ترتيب السور وكان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عثمان رضي الله عنهم أجمعين"1.
الفروق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما:
كان معنى "الجمع" ظاهرًا في جمع القرآن في عهد أبي بكر فقد كان القرآن مفرقًا فأمر بجمعه كما قال المحاسبي: "كان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء"2.
إذًا فمعنى الجمع فيه ظاهر لا يحتاج إلى تفريق بينه وبين الجمع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الإشكال واللبس هو في الجمعين الثاني والثالث، إذ كيف يأمر عثمان بجمع القرآن وهو مجموع في عهد أبي بكر رضي الله عنهما ولذا فإن العلماء يولون التفريق بين جمع القرآن في عهد أبي بكر وجمعه في عهد عثمان عنايتهم لإزالة هذا اللبس، ويذكرون فروقًا.
قال القاضي أبو بكر في الانتصار: "لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما ليس كذلك"3 وقال ابن التين وغيره: "الفروق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعًا في أي موضع واحد فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات؛ فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر
1 المستدرك: الحاكم ج2 ص229.
2 البرهان: الزركشي ج1 ص238.
3 البرهان: الزركشي ج1 ص235.
من سائر اللغات على لغة قريش محتجًا بأنه نزل بلغتهم1.
ومن هذين النصين نستطيع أن نستخلص أهم الفروق وهي:
1-
أن الباعث لجمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه خشية أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفظته، وذلك حين استحر القتل بالقراء في حروب الردة، أما جمعه في عهد عثمان رضي الله عنه فلكثرة الاختلاف في وجوه القراءة.
2-
أن جمع أبي بكر رضي الله عنه على الأحرف السبعة، أما جمعه في عهد عثمان فقد كان على حرف واحد.
3-
أن جمع أبي بكر رضي الله عنه كان مرتب الآيات وفي ترتيب السور خلاف، أما جمع عثمان فقد كان مرتب الآيات والسور باتفاق.
4-
أن الجمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه بمعنى الجمع في مصحف واحد وأما الجمع في عهد عثمان رضي الله عنه فبمعنى نسخه في مصاحف متعددة.
إنفاذ المصاحف:
بعد أن أتمت اللجنة نسخ المصاحف أنفذ عثمان إلى آفاق الإسلام بنسخ منها وأرسل مع كل مصحف من يوافق قراءته فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني وبعث عبد الله بن السائب مع المكي والمغيرة بن أبي شهاب2 مع الشامي وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي وعامر بن عبد القيس مع البصري وتلقى التابعون في كل قطر قراءة إمامهم وتفرغ قوم منهم لضبط القراءات حتى صاروا أئمة يرحل إليهم3.
1 الإتقان: السيوطي، ج1 ص59، 60.
2 انظر غاية النهاية: ج2 ص305 حيث قال: "الصواب بن أبي شهاب" وهو عند بعضهم المغيرة بن شهاب.
3 مناهل العرفان: ج1 ص396، 397.
موقف الصحابة من هذا الجمع:
وبعد أن أنفذ عثمان المصاحف أمر بما سوى مصحفه أن يحرق وبعث "إلى أهل الأمصار إني قد صنعت كذا وكذا ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم"1.
وقد رضي الصحابة رضي الله عنهم ما صنع عثمان وأجمعوا على سلامته وصحته وقال زيد بن ثابت "فرأيت أصحاب محمد يقولون: أحسن والله عثمان، أحسن والله عثمان"2.
وروى ابن أبي داود عن مصعب بن سعد قال: "أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد"3.
وروى سويد بن غفلة قال: قال علي رضي الله عنه: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا"4 وعند ابن أبي داود قال: قال علي في المصاحف "لو لم يصنعه عثمان لصنعته"5.
ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلاف أو معارضة لما فعل عثمان رضي الله عنه إلا ما روي من معارضة عبد الله بن مسعود وينبغي أن نعلم أن معارضته رضي الله عنه لم تكن بسبب حصول تقصير في الجمع أو نقص أو زيادة، وإنما جاءت معارضته لعدم تعيينه مع أعضاء لجنة النسخ للمصاحف، ولهذا قال "أعزل عن نسخ المصاحف وتولاها رجل والله لقد
1 فتح الباري: ابن حجر ج9 ص21.
2 غرائب القرآن: النيسابوري ج1 ص27.
3 المصاحف: ابن أبي داود، ص19.
4 فتح الباري، ابن حجر ج9 ص18.
5 المصاحف: ابن أبي داود، ص19.
أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر"1.
وروى الترمذي عن ابن شهاب قال: "فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"2 وقد دافع أبو بكر الأنباري عن اختيار زيد بقوله: "ولم يكن الاختيار لزيد.. إلا أن زيدًا كان أحفظ للقرآن من عبد الله إذا وعاه كله ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي، ولا ينبغي أن يظن جاهل أن في هذا طعنًا على عبد الله بن مسعود؛ لأن زيدًا إذا كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبًا لتقدمته عليه؛ لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كان زيد أحفظ منهما للقرآن وليس هو خيرًا منهما ولا مساويًا لهما في الفضائل، والمناقب، وما بدا عن عبد الله بن مسعود من نكير فشيء نتجه الغضب، ولا يعمل به ولا يؤخذ به، ولا يشك في أنه رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم"3 وأكد ذلك الذهبي فقال: "وقد ورد أن ابن مسعود رضي وتابع عثمان ولله الحمد"4 وقال ابن كثير: "وإنما روي عن عبد الله بن مسعود شيء من الغضب؛ بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف إلى أن قال.. ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق"5.
فإن قيل كيف جاز للصحابة ترك الأحرف الستة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن بها واقتصروا على حرف واحد؟
قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة.. وإذا كان ذلك لم يكن القوم بتركهم بقية الأحرف
1 المرجع السابق، ص24، 25، وتفسير القرطبي ج1 ص52، 53.
2 جامع الترمذي ج5 ص285.
3 تفسير القرطبي ج1 ص53.
4 سير أعلام النبلاء للذهبي ج1 ص488.
5 فضائل القرآن: ابن كثير ص20.
تاركين ما عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما يؤدون به الواجب وهو أحد هذه الأحرف، فإذا حفظوه ونقلوه فقد فعلوا ما كلفوا به1.
وقد علل ابن القيم -رحمه الله تعالى- جمع الناس على حرف واحد، فأحسن حيث قال:"فلما خاف الصحابة رضي الله عنهم على الأمة أن يختلفوا في القرآن ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم وأبعد من وقوع الاختلاف فعلوا ذلك ومنعوا الناس من القراءة بغيره، وهذا كما لو كان للناس عدة طرق إلى البيت، وكان سلوكهم في تلك الطرق يوقعهم في التفرق والتشتيت ويطمع فيهم العدو، فرأى الإمام جمعهم على طريق واحد، فترك بقية الطرق جاز ذلك، ولم يكن فيه إبطال لكون تلك الطرق موصلة إلى المقصود وإن كان فيه نهي عن سلوكه لمصلحة الأمة"2.
عدد المصاحف التي أمر عثمان رضي الله عنه بنسخها:
اختلف في عدد النسخ التي كتبها عثمان إلى خمسة أقوال:
1-
قيل إنها أربع نسخ:
قال أبو عمرو الداني: "أكثر العلماء على أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية من النواحي بواحدة منهن، فوجه إلى الكوفة إحداهن وإلى البصرة أخرى وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة3.
2-
قيل إنها خمس نسخ:
قال السيوطي: "المشهور أنها خمسة"4.
1 انظر تفسير ابن جرير الطبري ج1 ص64 وما بعدها.
2 الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ابن القيم ص16.
3 المقنع: لأبي عمر الداني ص9.
4 الإتقان: السيوطي ج1 ص60.
3-
قيل: إنها سبع نسخ:
فقد روى ابن أبي داود عن أبي حاتم السجستاني قال: لما كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن كتب سبعة مصاحف فبعث واحدا إلى مكة وآخر إلى الشام وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا"1.
وقيل: إنها ثمانية وقيل إنها ستة.
خبر هذه المصاحف:
ذكر بعض المؤرخين القدامى رؤيتهم لبعض هذه المصاحف وممن ذكر رؤيته لبعضها ابن جبير "ت614هـ" حين زار جامع دمشق رأى في الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان رضي الله عنه وهو المصحف الذي وجه به إلى الشام كما قال2 وقد زار المسجد أيضًا ابن بطوطة "ت779هـ" فقال: "وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى التي يؤم فيها إمام الشافعية وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجه أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الشام"3 ورأى النسخة نفسها ابن كثير "774هـ" رحمه الله تعالى حيث قال: "وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا في طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمس مائة، وقد رأيته كتابًا جليلًا عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل والله أعلم4 كما ذكر ابن بطوطة أنه رأى في مسجد علي رضي الله عنه في
1 المصاحف: ابن أبي داود ص43.
2 رحلة ابن جبير: ص217.
3 رحلة ابن بطوطة ج1 ص54.
4 فضائل القرآن: ابن كثير ص29.
البصرة المصحف الذي كان عثمان رضي الله عنه يقرأ فيه لما قتل، وأثر تغيير الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى:{فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 1، 2 ويبدو كذلك أن ابن الجزري وابن فضل الله العمري قد رأيا كلاهما هذا المصحف الشامي نفسه3. ورأى ابن الجزري مصحفًا في مصر4.
ويبدو -كذلك- أن المصحف الشامي ظل محفوظًا في الجامع الأموي إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري حيث قيل: إنه احترق، فقد قال الأستاذ محمد كرد علي في حديثه عن الجامع الأموي: حتى إذا كانت سنة 1310هـ. سرت النار إلى جذوع سقوفه فالتهمتها في أقل من ثلاث ساعات فدثر آخر ما بقي من آثاره، ورياشه وحرق فيه مصحف كبير بالخط الكوفي كان جيء به من مسجد عتيق في بُصرى، وكان الناس يقولون: إنه المصحف العثماني5 وقيل: إن هذا المصحف أمسى زمنًا في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد ثم نقل إلى إنجلترا6.
كما أن هناك مصاحف أثرية تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر، ومنها المصحف المحفوظ في خزائن الآثار بالمسجد الحسيني، ويقال عنها إنها مصاحف عثمانية، وقد شكك كثيرًا الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني بهذا، معللا بأن فيها زركشة ونقوشًا موضوعة كعلامات للفصل بين السور ولبيان أعشار القرآن، ومعلوم أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا7.
1 سورة البقرة: من الآية 137.
2 رحلة ابن بطوطة: ج1 ص116.
3 مباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصالح ص88، 89.
4 مناهل العرفان: الزرقاني ج1 ص397.
5 خطط الشام، محمد كرد علي ج5 ص262.
6 مباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصالح، ص89.
7 مناهل العرفان، الزرقاني ج1 ص397. وانظر ما كتبته الدكتورة/ سعاد ماهر عن المصاحف الأثرية في مصر والمنسوبة إلى عثمان رضي الله عنه وذلك في كتابها "مخلفات الرسول في المسجد الحسيني" من ص109 إلى ص134.