الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لحظة واحدة، وأن يلهمهم الإيمان به، ولكنه لم يفعل، ولا معترض عليه في حكمه {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} 1 {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} 2، 3.
1 سورة الأنعام: الآية 35.
2 سورة البقرة: الآية 253.
3 المرشد الوجيز: أبو شامة المقدسي، ص28، 29.
ثالثًا:
مسايرة الحوادث:
فمن المعلوم أن عجلة الحياة تدور، والحوادث تتجدد، وتقع الوقائع، والمسلمون في معمعة هذه الأحداث ووسط هذه الوقائع بحاجة إلى من يرشدهم إلى الحق ويدلهم إلى الصواب.
فكان في نزول القرآن الكريم منجمًا مسايرة لهذه الحوادث والوقائع وعلاجًا لما يطرأ في حياة المسلمين من قضايا ومشاكل، ولهذه الحوادث والوقائع صور متعددة نذكر منها1:
1-
الإجابة على ما يطرأ من أسئلة:
وهذه الأسئلة تقع من الكفار والمشركين للتثبت من رسالته وامتحانه أو لتجيزه بزعمهم، وتقع من المسلمين لغرض معرفة الحق والعمل به.
وتكون هذه الأسئلة أيضًا عن أمور ماضية وأحداث سابقة أو حاضرة أو مستقبلة.
فمن الأسئلة عن أمور ماضية ما روي أن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمد وحاله: سلوا محمدًا عن الروح، وعن فتية فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها، فإن أجاب في ذلك كله فليس بنبي، وإن لم يجب في ذلك كله فليس بنبي، وإن أجاب
1 انظر مناهل العرفان: الزرقاني، ج1 ص51، 53.
في بعض ذلك وأمسك عن بعضه فهو نبي، فسألوه عنها، فأنزل الله تعالى في شأن الفتية:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} 1 إلى آخر القصة؛ وأنزل في الرجل الذي بلغ شرق الأرض وغربها: {وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} 2 إلى آخر القصة، وأنزل في الروح قوله تعالى:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ} 3، 4.
وقد تكون الأسئلة عن أمور حاضرة ومشاهدة كقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} 5 وقوله سبحانه: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} 6 وقوله سبحانه: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ} 7 وقوله سبحانه وتعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} 8 وقوله عز وجل: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} 9 وقوله تبارك وتعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} 10 وغير ذلك من الأسئلة.
وقد تكون الأسئلة عن أمور مستقبلة كقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} 11 وقوله جل جلاله: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} 12.
وفي نزول القرآن منجمًا تتبع لتلك الأسئلة وما يجد منها والإجابة عنها في حينها.
1 سورة الكهف: الآية 9.
2 سورة الكهف: الآية 83.
3 سورة الإسراء: الآية 85.
4 أسباب النزول: الواحدي. تحقيق عصام الحميدان، ص292.
5 سورة البقرة: الآية 189.
6 سورة البقرة: الآية 215.
7 سورة البقرة: الآية 217.
8 سورة البقرة: الآية 219.
9 سورة البقرة: الآية 220.
10 سورة البقرة: الآية 222.
11 سورة الأعراف: الآية 187.
12 سورة طه: الآية 105.
2-
مجازاة الأقضية والوقائع في حينها ببيان حكم الله فيها عند حدوثها:
وذلك أن الأقضية والأحداث لم تقع جملة واحدة وإنما حدثت متفرقة في أوقات مختلفة وأماكن متعددة، فالمناسب أن ينزل القرآن كذلك منجمًا مفرقًا في أوقات مختلفة وأماكن متعددة معالجًا لكل قضية في حينها فمن ذلك:
أ- حادثة الإفك وهي الحادثة التي رمى فيها نفر من المنافقين -وتبعهم بعض المسلمين- عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه في القصة المشهورة، فأنزل الله قوله سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} 1
…
الآيات.
ب- وقصة خولة بنت ثعلبة التي ظاهرَ منها زوجها أوس بن الصامت فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، أبلى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي؛ ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} 2، 3.
3-
تنبيه المسلمين إلى أخطائهم وإرشادهم إلى الصواب والكمال:
وقد يقع ذلك من أحد أفراد الصحابة أو جماعة منهم أو من الرسول صلى الله عليه وسلم فيرشده ربه إلى الأكمل والأتم لمقامه صلى الله عليه وسلم.
فهذا ثابت بن قيس رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} 4 قال: أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي وأنا من أهل النار، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"هو من أهل الجنة"5.
1 سورة النور: الآية 11.
2 سورة المجادلة: الآية 1.
3 رواه الحاكم في مستدركه ج2 ص481، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وانظر أسباب النزول: الواحدي ص408.
4 سورة الحجرات: الآية 2.
5 أسباب النزول: الواحدي ص386، وانظر صحيح البخاري، ج6 ص46، وصحيح مسلم ج1 ص110.
ولما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام. فلما قام قام من قام من القوم
…
فقعد ثلاثة وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليدخل فإذا القوم جلوس
…
وقد يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم ما يوجهه الله بعده إلى ما فيه الخير والكمال كما وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم وهو يخاطب أحد عظماء المشركين، قالت عائشة رضي الله عنها فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى ما أقول بأسًا؟ فيقول: لا. ففي هذا أنزلت عبس وتولى3.
4-
كشف حال المنافقين وهتك أستارهم حتى يحذرهم المسلمون ويأمنوا مكرهم وشرهم:
وذلك أن ركب الدعوة جاد في سيره في مأمن من شر عدوه الظاهر، لكن الخطر يكمن فيمن يندس بين المسلمين يخالطهم ويخالطونه، ويسمع حديثهم، ويعلم أسرارهم، ويكيد لهم وهم يحسبونه منهم، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يكون في نزول القرآن منجمًا كشف لهؤلاء المنافقين وهتك لأستارهم وتشنيع عليهم.
فإذا نطق أحدهم قولًا مناوئًا للرسول صلى الله عليه وسلم نزل فيه القرآن وكشف نفاقه حتى يحذره المسلمون ويرتدع.
1 صحيح مسلم، ج2 ص1050.
2 سورة الأحزاب: الآية 53.
3 المستدرك: الحاكم، ج2 ص514، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
والآيات في هذا الموضوع كثيرة، ففي أول سورة البقرة ثلاث عشرة آية متتالية في المنافقين.
وسورة التوبة تسمى "الفاضحة" كما روى سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة. قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحدًا منهم إلا ذكر فيها1.
ويريد ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: "ومنهم منهم" الآيات الكثيرة في سورة التوبة التي تحدثت عن المنافقين كقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} 2 وقوله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} 3 وقوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} 4 وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} 5 وغير ذلك..
بل أنزل الله في المنافقين سورة كاملة سماها باسمهم سورة "المنافقون".
وفي نزول القرآن منجمًا تتبع لهذه الحالات في المجتمع الإسلامي وتنقية لطريق الدعوة.
5-
رد شبهات أهل الكتاب وإبطال كيدهم للإسلام والمسلمين:
فقد كان المسلمون يعيشون في المدينة ويخالطهم اليهود وهم أهل كيد ومكر وخبث وحقد على الإسلام والمسلمين، بذلوا كل ما يستطيعون لبث الفرقة بين المسلمين وبث الشبهات والشكوك في عقائد الإسلام، فكان
1 صحيح البخاري، ج6 ص58، ومسلم ج4 ص2322.
2 سورة التوبة: الآية 49.
3 سورة التوبة: الآية 58.
4 سورة التوبة: الآية 61.
5 سورة التوبة: الآية 75.