الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجوه الإ‘عجاز في القرآن الكريم
مدخل
…
وجوه الإعجاز في القرآن الكريم:
من المسلم به بين المسلمين عامة أن القرآن معجزة لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله لكنهم اختلفوا في بيان وجه الإعجاز فيه وذكروا أقوالًا كثيرة ومذاهب مختلفة وهم في هذا بين مصيب ومخطئ، ومحسن ومسيء.
تعددت الأقوال في وجه أو أوجه الإعجاز في القرآن الكريم فمنهم من لم يذكر للإعجاز إلا وجهًا واحدًا، ومنهم من ذكر وجهين أو أكثر بل قال السيوطي:"أنهى بعضهم وجوه إعجازه إلى ثمانين"1 ثم قال: "والصواب أنه لا نهاية لوجوه إعجازه"2 وذكر هو في كتابه "معترك الأقران في إعجاز القرآن" خمسة وثلاثين وجهًا ضمنها المجلد الأول منه. وذكر غيره وجوهًا أخرى غير ما ذكره السيوطي. والحق أن بين بعض هذه الوجوه تداخل، وليس مرادنا هنا حصرها أو ذكرها كلها، فلنذكر بعض هذه الأقوال:
1 معترك الأقران في إعجاز القرآن: السيوطي ج1 ص5.
2 المرجع السابق.
القول الأول: أن الإعجاز كان بالصَّرْفَة:
القول بالصرفة هو الباعث على نشأة البحث في وجوه الإعجاز للقرآن الكريم، فقد كان المسلمون مُسلِّمين بإعجاز القرآن وألفوا في ذلك كتبًا تشير بصورة غير مباشرة إلى إعجاز القرآن من غير أن يخوضوا أو يتعمقوا في بيان وجهه، حتى أظهر النظام "ت231هـ" مقولته بالصرفة فثار العلماء لإنكار قوله والرد عليه، ومن ثم تحديد الوجه أو أوجه الإعجاز الصحيحة في القرآن الكريم.
وأول من قال إن إعجاز القرآن الكريم كان بالصرفة هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام "ت231هـ" أحد أئمة المعتزلة، وصار له مذهب خاص ينسب إليه، وقلده آخرون في هذه المقولة وتشعب القول فيها إلى شعبتين:
1-
القول الأول:
للنظام وآخرين، أن المراد بالصرفة أن الله صرف العرب عن الاهتمام بمعارضة القرآن الكريم مع قدرتهم عليها ولو توجهوا إليها لقدروا على الإتيان بمثل هذا القرآن.
2-
والقول الثاني:
للمرتضى من الرافضة، ومراده بالصرفة أن الله سلب العرب العلوم التي يحتاجون إليها للإتيان بمثل هذا القرآن ولو توجهوا للإتيان بمثله لما استطاعوا، لسلبهم هذه العلوم.
والفرق بين رأي النظام وأتباعه والمرتضى ومن معه أن النظام يرى أن العرب لو أرادوا الإتيان بمثله لاستطاعوا ولكن همتهم لم تتوجه لذلك، أما المرتضى فيرى أن العرب لا يستطيعون الإتيان بمثله ولو أرادو ذلك؛ لأنهم لا يملكون العلوم التي تمكنهم من ذلك، فالفرق بينهما أن النظام يرى أن العرب يستطيعون لو أرادوا والمرتضى يرى عدم استطاعتهم، وكلا القولين غير صحيح.
ونرد على ذلك بثلاثة ردود، الأول:
رد مشترك على القولين لإبطال القول بالصرفة عامة، والثاني رد على مذهب النظام، والثالث رد على مذهب المرتضى.
أما الرد العام على القول بالصرفة، فإنا نقول:
إنه يلزم من القول بالصرفة أن الإعجاز ليس في القرآن ذاته وإنما في غيره وهو عدم استطاعتهم، فالقرآن بزعمهم ليس معجزًا، إنما الإعجاز في المنع، وهذا باطل، قال أبو بكر الباقلاني:"ومما يبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزًا وإنما يكون المنع معجزًا، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه"1.
ونقول أيضًا:
إن ديوان العرب محفوظ شعره ونثره وليس فيه قبل أن يسلبوا الاهتمام بالإتيان بمثله، أو تسلب منهم العلوم كما يزعم هؤلاء وأولئك ما يماثل القرآن أو يدانيه.
1 إعجاز القرآن: أبو بكر الباقلاني ص54.
أما الرد على النظام ومن معه فإنا نقول:
كيف يصح القول أن همتهم لم تتجه للإتيان بمثل القرآن وهم الذين لم يتركوا سبيلًا للقضاء على دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وسلكوا كل طريق شاق، حاربوه، وناوءوه، وقاطعوه، وآذوه مع إبطاله لمعتقداتهم، وإثارته لحفيظتهم، واستفزازه لمشاعرهم، وإلهابه لغيرتهم، وأصاب موضع عزتهم وفخارهم، وقد مكنهم من نفسه لو استطاعوا، فدعاهم وتحداهم أن يأتوا بمثل سورة من القرآن ولو كان فيهم أدنى قدرة، أو عرفوا أحدًا يملكها في أقصى الأرض لبعثوا إليه كما بعثوا لليهود يسألونهم عما يسألون محمدًا صلى الله عليه وسلم عنه ليحرجوه، فلا يصح بعد هذا أن يقال إن همتهم لم تتجه للإتيان بمثله.
وأما الرد على المرتضى ومن معه:
ففي قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} 1.
وفي هذا دليل أن عجزهم كان مع بقاء قدرتهم ولو لم يكن عندهم قدرة لما صح تحديهم؛ إذ لا يصح لأحد أن يتحدى الموتى، إذ ليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره2 كما لا يصح أن يتحدى المبصر الأعمى وإنما يصح التحدي إذا تحدى من يملك البصر أما إذا سلب البصر لم يصح تحدي مثله، كما أن قوله تعالى:{وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} يدل على وجود القدرة لأن المعاونة والمظاهرة إنما تمكن مع القدرة ولا تصح مع العجز والمنع3.
1 سورة الإسراء: الآية 88.
2 الإتقان: السيوطي ج2 ص151.
3 المغني في أبواب التوحيد والعدل: عبد الجبار الهمداني ج16 ص323.