الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحرم ردها، سواء كانت عن السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين نص على ذلك الداني والمهدوي، ومكي، وأبو شامة، وغيرهم ممن يطول ذكره"1.
وقد لخص البنا في كتابه "إتحاف فضلاء البشر" هذا الخلاف فقال:
"والحاصل: أن السبع متواترة اتفاقًا، وكذا الثلاثة "أبو جعفر" و"يعقوب" و"خلف" على الأصح، بل الصحيح المختار، وهو الذي تلقيناه عن عامة شيوخنا، وأخذنا به عنهم، وبه نأخذ، وأن الأربعة بعدها "ابن محيضن"، و"اليزيدي"، و"الحسن"، و"الأعمش" شاذة اتفاقًا"2.
1 لطائف الإشارات: القسطلاني ص68، 69.
2 إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر: أحمد بن محمد البنا ج1 ص72.
فوائد تعدد القراءات:
يجب أن يعلم أولًا أن الاختلاف الواقع في القراءات يرجع كله إلى اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، فإن اختلاف التضاد محال أن يكون في كلام الله تعالى، قال سبحانه:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} 1، 2.
ولهذا الاختلاف بين القراءات فوائد كثيرة أذكر منها 3:
1-
التخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها؛ شرفًا لها، وتوسعة ورحمة، وخصوصية لفضلها.
2-
ما في ذلك من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز وتصريف القول؛ إذ كل قراءة بمنزلة الآية، إذ كان تنوع اللفظ
1 سورة النساء: الآية 82.
2 لمزيد بيان في تقرير هذه المسألة انظر النشر في القراءات العشر: ابن الجزري ج1 ص49.
3 أخذت هذه الفوائد بنصها أحيانًا وبتصرف أحيانًا أخرى، من النشر في القراءات العشر: لابن الجزري ج1 ص52، 54؛ ومباحث في علوم القرآن: مناع القطان ص180، 181.
بكلمة تقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان ذلك من التطويل. ومثال ذلك اختلاف القراءة في كلمة "وأرجلكم" من قوله تعالى:{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} 1 بالنصب "وأرجلَكم" والخفض "وأرجلِكم"، ففي قراءة النصب بيان لحكم غسل الرجل حيث يكون العطف على معمول فعل الغسل {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: الآية 6] .
وفي قراءة الجر بيان لحكم المسح على الخفين عند وجود ما يقتضيه؛ حيث يكون العطف على معمول فعل المسح "وامسحوا برءوسكم وأرجلِكم"[المائدة: الآية 6] .
فدلت الآية بهاتين القراءتين على حكمين متغايرين، ولو لم يكن كذلك لاحتاج كل حكم إلى آية خاصة لبيانه.
3-
الدلالة على حفظه وصيانته من التحريف والتغيير؛ إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه. لم يتطرق إليه تضاد، ولا تناقض، ولا تخالف؛ بل كله يصدق بعضه بعضًا، ويبين بعضها بعضًا، ويشهد بعضه لبعض على خط واحد، وأسلوب واحد. وما ذاك إلا آية بالغة، وبرهان قاطع على صدق من جاء به صلى الله عليه وسلم إذ لا يمكن أن يكون هذا من كلام البشر.
4-
سهولة حفظه، وتيسير نقله على هذه الأمة؛ إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والوجازة، فإن من يحفظ كلمة ذات أوجه أسهل عليه وأقرب إلى فهمه وأدعى لقبوله من حفظه جملًا من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات المختلفات، لا سيما فيما كان خطه واحدًا، فإن ذلك أسهل حفظًا وأيسر لفظًا.
5-
بيان ما يحتمل أن يكون مجملًا في قراءة أخرى كقراءة "يَطْهُرْن" في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} 2 قرئ بالتشديد "يَطّهَّرن" والتخفيف "يطْهُرن" فقراءة التشديد مبينة لمعنى التخفيف عند الجمهور، فالحائض إذا انقطع دمها طهرت، وإذا اغتسلت تكون قد تطهرت. وإنما تحل
1 سورة المائدة: الآية 6.
2 سورة البقرة: الآية 222.
لزوجها بالتطهر لا بالطهر وحده.
6-
تعظيم أجر هذه الأمة؛ من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم في تتبع معاني ذلك، واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ، واستخراج كمين أسراره، وخفي إشاراته، وتدبرهم للقرآن بغية الكشف عن التوجيه والترجيح.
7-
بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم، من حيث تلقيهم كتاب ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه، والبحث عن لفظه، والكشف عن معانيه، وإتقان تجويده، فلم يهملوا تحريكًا، ولا تسكينًا، ولا تفخيمًا، ولا ترقيقًا حتى ضبطوا مقادير المدات، وتفاوت الإمالات، وميزوا بين الحروف والصفات، مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم.
8-
ومنها ما ادخره الله تعالى من المنقبة العظيمة لهذه الأمة الشريفة من إسناده كتاب ربها.. وكل قارئ يوصل حرفه بالنقل إلى أصله.
9-
ظهور حكمة الله تعالى في توليه سبحانه حفظ كتابه العزيز: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1 حيث لم يخل عصر من الأعصار ولو في قطر من الأقطار من إمام حجة قائم بنقل كتاب الله تعالى وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءاته.
1 سورة الحجر: الآية 9.