الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفقد هذه المصاحف لا يقلل من ثقتنًا اليقينية بما تواتر واستفاض نقله من المصاحف ثقة عن ثقة وإمامًا عن إمام، وسواء وجدت هذه المصاحف أو فقدت، فإنا على يقين تام لا يزاوله شك ولا يعتريه ريب بسلامة هذه المصاحف من الزيادة أو النقصان، وقد اعترف بذلك غير المسلمين من العلماء المحققين يقول المستشرق موير: "إن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها، والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا1.
1 مدخل إلى القرآن: د. محمد عبد الله دراز، ص40.
النوع الثالث: جمعه بمعنى تسجيله صوتيا
مدخل
…
النوع الثالث: جمعه بمعنى تسجيله صوتيًّا:
من المعلوم أن للتلاوة أحكامًا ينبغي أن يأخذ بها تالي القرآن الكريم كالقلقلة والرَّوْم والإشمام، والإخفاء، والإدغام، والإقلاب، والإظهار، ونحو ذلك. وليس من السهل بل قد تتعذر كتابة مثل هذا.
ولهذا قرر العلماء -رحمهم الله تعالى- أنه لا يصح التعويل على المصاحف وحدها، بل لا بد من التلقي عن حافظ متقن، وكانوا يقولون:"من أعظم البلية تشييخ الصحيفة"1. ويقولون: "لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي"2. وهو الذي يعلم الناس وينظر إلى رسم المصحف. وكان الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: "من تفقه من بطون
1 تذكرة السامع والمتكلم: ابن جماعة، ص87، الفقيه والمتفقه ج2 ص97.
2 شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف: العسكري ص10.
الكتب ضيع الأحكام"1. بل إن أعلام حفاظ القرآن يميزون الحفظ بالتلقي، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "والله لقد أخذت من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة"2 ويبين عمن أخذ باقيه فيقول في رواية أخرى: "وأخذت بقية القرآن عن أصحابه"3 ولإدراكه رضي الله عنه مكانة التلقي بالمشافهة كان إذا سئل عن سورة لم يكن تلقاها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرح لهم بذلك، ودلهم على من تلقاها بالمشافهة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ "طسم" المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم من أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم خباب بن الأَرَتّ، قال: فأتينا خباب بن الأرت، فقرأها علينا4.
وما قاله ابن مسعود وغيره من أعلام الحفاظ في وجوب التلقي للقرآن مشافهة لم يبتدعوه من عند أنفسهم، وإنما أخذوه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه يتعلم القرآن من جبريل عليه السلام ويشافهه به مشافهة، ويعارضه القرآن في كل عام في شهر رمضان، وعارضه عام وفاته بالقرآن مرتين، والصلوات الخمس يجهر في ثلاث منها، وكذا في صلاة الجمعة، والاستسقاء، والخسوف، والكسوف، والتراويح، والعيدين، وفي هذا إشارة إلى تعلم الناس للتلاوة الصحيحة في الصلاة الجهرية ثم تطبيقها في الصلاة السرية.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث القراء إلى من يدخل في الإسلام لتعليمهم التلاوة وكان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يكتب لهم، واقتدى بسنته من بعده الخلفاء
1 تذكرة السامع والمتكلم: ابن جماعة، ص87، وشرح المهذب: النووي ج1 ص64.
2 صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ج6 ص102. واللفظ له. ورواه مسلم بلفظ آخر كتاب فضائل الصحابة ج4 ص1912.
3 فتح الباري، ابن حجر: ج9 ص48.
4 مسند الإمام أحمد ج6 ص34، بتحقيق أحمد شاكر، رقم 3980، وقال: إسناده صحيح.