الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان متدرجًا بالقرآن كله كما في سورة الإسراء والطور ثم تحداهم بعشر سور في سورة هود ثم تحداهم بسورة في سورة يونس ثم بسورة من مثله في سورة البقرة، ولكن هذا القول لا يساعد عليه ترتيب نزول القرآن الكريم.
القول الثاني:
رتب آيات التحدي ترتيب النزول وأنه كان متدرجًا أيضًا، إلا أن التحدي بسورة وقع قبل التحدي بعشر سور، ثم ذهب أصحاب هذا القول يعللون ذلك بتعليلات ليس فيها ما يقنع.
القول الثالث:
وهو ما أرى صوابه أن القولين السابقين قاما على تصور أن الإتيان بمثل القرآن أصعب من الإتيان بمثل عشر سور وأن الإتيان بالعشر أصعب من الإتيان بسورة وهذا غير صحيح. لأن القرآن كله قليله وكثيره على حد سواء في الإعجاز، فليس الإتيان بسورة أسهل من الإتيان بالقرآن كله فالتحدي في القرآن بالكيف لا بالكم وبالنوع لا بالمقدار فلا يهم إذًا أن يكون التحدي بسورة جاء قبل التحدي بعشر سور أو قبل التحدي بالقرآن كله.
واستحالة المجيء بمثل سورة من القرآن كاستحالة المجيء بعشر سور، واستحالة المجيء بمثل القرآن كله على حد سواء فكل ذلك متعذر، ولذا فلا أثر للاختلاف في ترتيب آيات التحدي ما دام لا يترتب عليه أثر في قوة التحدي والعجز كان عن الإتيان بجنس القرآن لا عن مقداره.
مقدار المعجزة من القرآن الكريم
…
مقدار المعجز من القرآن الكريم:
ومما يتصل بالحديث حديث عن القدر المعجز من القرآن الكريم، فقد وقع في هذا القدر خلافًا أيضًا على أقوال هي:
القول الأول:
أن الإعجاز متعلق بجميع القرآن لا ببعضه وهذا القول مردود بالآيات التي تتحدى بعشر سور وبسورة واحدة أو حديث مثله.
القول الثاني:
أن الإعجاز متعلق بسورة تامة طويلة أو قصيرة وهذا رأي الجمهور، وزاد بعضهم أنه يتعلق أيضًا بقدر سورة تامة1 من الكلام بحيث يظهر به تفاضل قوى البلاغة، وأقصر سورة في القرآن هي سورة الكوثر ثلاث آيات فيكون مقدار هذه السورة من الآيات معجز.
القول الثالث:
أن الإعجاز يتعلق بقليل القرآن وكثيره لقوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} 2 والتحدي بجنس القرآن لا بالمقدار كما مر بنا بيانه، وهذا هو ما نرجحه، والله أعلم.
استمرار التحدي بالقرآن الكريم:
والتحدي في القرآن الكريم ليس خاصًّا بأمة دون أمة أو عصر دون عصر بل هو باق ما بقى القرآن يعلن للناس تحديه فقوله عز شأنه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ..} 3 الآية. عام يشمل جميع الإنس في جميع العصور.
ولأن القرآن خاتم الكتب والرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والإسلام خاتم الأديان، فقد اقتضت الحكمة بقاء المعجزة لتكون شاهدة على كل جيل كما هي شاهدة على الجيل الأول.
ولئن عجز الجيل الأول وهم أهل الفصاحة والبلاغة وأهل البيان والبديع عن الإتيان بمثل هذا القرآن أو بعضها أو مجرد محاولة ذلك لعلمهم سلفًا بعجزهم عن ذلك فإن من بعدهم أعجز وأبعد عن الاستطاعة، فالإعجاز مستمر والتحدي قائم إلى يوم القيامة.
1 إعجاز القرآن: الباقلاني ص261.
2 سورة الطور: الآية 34.
3 سورة الإسراء: الآية 88.