الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعريف علوم القرآن الكريم
المعجزة الكبرى:
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم.
{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} 1 وركب خلقه من جسد وروح، وجعل للجسد غذاءه وللروح غذاءها.
أما الجسد فجسم مادي يتغذى بالماديات وهي طعامه وشرابه وعلى الجسد أن يسعى لتحصيلها بالزراعة أو الصيد أو غيرها. وقد أعان الله الأجساد بتقريب غذائها إليها فليس عليها إلا أن تبذر البذرة أو تغرس الغرسة وترعاها فتنبت بإذن ربها، ولو سلب الله من النبات هذه الخاصية لما كان لهذه الأبدان من قوة للإنبات:{أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ} 2 وأدنى إليها الماء ليسهل إخراجه، ولو بعد غوره لما استطاعت إخراجه:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} 3.
أما الروح وما أدراك ما الروح، فقد أعانها الله تعالى على تحصيل غذائها وأدناه إليها وأرسل الرسل تهدى إليه ووهب العقول تؤمن به.
فإذا انحرفت أمة من الأمم عن سمت الصراط المستقيم أرسل الله
1 سورة التين: الآية 4.
2 سورة الواقعة: الآية 72.
3 سورة الملك: الآية 30.
إليهم رسولًا منهم يعيدهم إليه ويظهر الله على يديه من المعجزات ما يظهر بها صدقه وتقوم بها حجته.
وقد كانت سنة الله تعالى في المعجزات أن تكون المعجزة التي يظهرها الله على يد كل نبي من أنبيائه من جنس ما برع فيه قومه وتفوقوا؛ حتى تكون أقوى حجة وأظهر برهانًا وأصدق دليلًا.
والتحدي أقوى ما يكون إذا تحديت إنسانًا فيما ظهر فيه وتفوق، فإذا تحدى شاب في سباق طويل رجلًا عجوزًا لا يكاد يقوم من مقعده إلا بعصا تسنده، ولا يكاد يمشي إلا دبيبًا، فإن تحديه هذا يكون موضع سخرية وهزء لا محل احترام وتقدير، ولكن التحدي يلقي التقدير إن تحدى شابًّا اشتهر بسرعة عدوه وتفوق فيه.
وهكذا كانت المعجزات التي يظهرها الله على يد أنبيائه تكون في نطاق ما يعرفون بل فيما فاقوا فيه معاصريهم.
وتدبر -مثلًا- معجزة موسى عليه السلام. أرسله الله سبحانه وتعالى إلى قوم قد نالوا في السحر درجة وشأوًا بعيدًا حتى امتلأت البلاد منهم، والسحر له حد ينتهي إليه لا يتجاوزه، فالساحر لا يستطيع أن يحول قطعة ورق إلى فئة نقدية "حقيقة" بل "يخيل" لك ذلك فإذا غاب عنك عادت إلى الحقيقة فإذا بها قطعة ورق.
والسحرة يلقون حبالهم وعصيهم أمام موسى "فيخيل" إليه أنها تسعى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} 1 وذلك لأنها لم تتحول حقيقة وإنما تحولت خيالًا.
وحين ألقى موسى عليه السلام عصاه لم يقل الله: يخيل إليه أنها تسعى، وإنما قال سبحانه:{فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} 2.
1 سورة طه: الآية 66.
2 سورة طه: الآية 20.
ذلكم أنها تحولت إلى ثعبان حقًّا، وهذا لا يمكن حدوثه في عالم السحر1.
إذًا فمعجزة موسى عليه السلام من جنس ما برع فيه قومه فكلاهما تحويل من حال إلى حال إلا أن السحر من حقيقة إلى خيال، وأما معجزة موسى فمن حقيقة إلى حقيقة وإذا عجز عنه أولئك فهم عن غيره مما لم يبرعوا فيه أعجز.
ولهذا كان أول من أدرك إعجاز موسى عليه السلام هم السحرة أنفسهم أدركوا من فورهم أن معجزة موسى عليه السلام ليست بسحر، وأن السحر لا يصل إلى درجتها وإنها لا يمكن أن تكون من موسى بل هي من رب موسى2 وإذا كانت من ربه فإنما أظهرها على يديه لتكون حجة على صدقه فأذعنوا من فورهم واستولى الإيمان على قلوبهم ولم يستأذنوا أحدًا؛ لأن ما أدركوا أقوى من أن يترك لهم فرصة للتردد والتشاور.
وانظر معجزة عيسى عليه السلام نما وازدهر الطب في عهده وبرع فيه قومه والطب له حده الذي ينتهي عنده في علاج الأبدان فهو يعالجها ما دامت الروح فيها لم تخرج، أما إذا خرجت فقد عجز الطب والأطباء ومن هنا بدأت معجزة عيسى عليه السلام حيث قال:{أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} 3.
فمعجزته عليه السلام من جنس الطب الذي برع فيه قومه وإذا عجزوا
1 ينبغي أن نفرق هنا بين حقيقة السحر وتأثير السحر فتأثيره حقيقي فقد يؤثر في العين فترى ما لا حقيقة له، وقد يؤثر في القلوب فيكره الزوج زوجته، وتكره الزوجة زوجها ونحو ذلك.
2 لذلك لم يقل السحرة آمنا بموسى وإنما قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه: 70] .
3 سورة آل عمران: الآية 49.
عن الإتيان بمثل ما برعوا فيه فهم عن سواه أعجز، وبهذا تكون حجته على قومه أقوى وأظهر.
أما صالح عليه السلام فقد أرسله الله تعالى إلى قوم كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا، ولا تزال آثارهم باقية بزخارفها ونقوشها. والنحات مهما بلغ في فنه يقف عند حد التصوير لا يستطيع أبدًا أن يبعث الحياة فيما نحت وجاءت معجزة صالح بأن أخرج لهم بإذن الله من الصخر1 -الذي ينحتون منه- ناقة ذات روح تأكل وتشرب وتدر الحليب. والنحات يستطيع أن ينحت من الصخر شكل ناقة لكنه لا يستطيع أن يبعث فيها الحياة، فكانت المعجزة من جنس ما تفوقوا فيه وإن لم تكن مثله.
أما العرب وقت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن نظرة فاحصة إلى مجتمعهم تظهر جليًّا أن المجتمع كان مجتمعًا جاهليًّا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.
أما السياسة فكانت الحكومات تحيط بهم: الأكاسرة في فارس والقياصرة في الروم والمقوقس في مصر والنجاشي في الحبشة، أما الحجاز فلم يكن ثم ملك أو رئيس أو أمير، وإنما زعماء وصناديد لكل قبيلة تفرق أكثر مما تجمع وتشتت أكثر مما توحد؛ ولذا كان العرب أمة مستضعفة هانت على الآخرين يذهب زعماؤها إلى الشام مثلا ويدخلونها كما يدخلها أي إنسان لا مزية له ولا مقام، ولو سافر زعيم فارس إلى الروم لاستقبل بالحفاوة وضربت له السرادق واستقبل استقبالا مميزًا، أما زعماء العرب فكانوا يدخلون الأسواق ويبيعون ويشترون لم يعرف أحد بدخولهم ولم يبال أحد بخروجهم، فأنى لمثل هذه الزعامة أن يكون لها جانب مهاب.
وأما الاقتصاد فقوامه الصناعة والزراعة والتجارة. أما الصناعة فلم يكن ثم صناعة وإن وجد صناع فنجار فارسي أو حداد رومي أو صناعات لا تكاد تذكر.
1 انظر: تفسير الطبري ج12 ص525 وما بعدها، وتفسير ابن كثير ج2 ص245.
أما الزراعة فأرضهم غير ذات زرع وإن وجد فالمياه شحيحة والخبرة نادرة إلا النخيل على قلته فهو النوع الذي يمكن تخزينه والتجارة به من بلد إلى بلد وما سواه فإما أنه لا ينبت في أرضهم، أو لا يمكن الاحتفاظ به والاتجار لسرعة تلفه في مثل أجوائهم، فالزراعة ليست ذات جدوى اقتصادية في بلادهم.
أما التجارة فكانت تقوم على رحلتين رحلة الشتاء إلى اليمن ورحمة الصيف إلى الشام وما ظنكم بتجارة تلكم وسائلها وإمكاناتها، وما تجدي بضاعة تحملها النوق من الشام أو من اليمن إلى مكة بعد مضي فترة طويلة بين رحلة وأخرى.
وإذا كانت الصناعة والزراعة والتجارة على هذا الحال فكيف سيكون اقتصاد البلاد!! وإذا كان هذا اقتصادهم فكيف ستكون حالتهم المعيشية.
وفي الناحية الاجتماعية كانوا قبائل شتى تقع الحرب بين القبيلتين لأتفه سبب وأهونه وتشعل الحرب في أيام ولا تنطفئ إلا بعد سنوات.
حتى الأسرة يبدو التفكك فيها ظاهرًا وكيف ترجو الترابط الأسري في مجتمع يمتهن المرأة ويعاملها كالسلعة تباع وتشترى وتوهب وتكترى وتورث كما يورث متاع الدار، ومن ثم فلا تعجب إن خمدت عاطفة الأبوة فيقدم الأب على قتل أولاده لا لشيء إلا خشية الإملاق، ويدفن ابنته وهي حية لا لشيء إلا خشية العار.
تأمل في هذا المجتمع حيث لا سياسة توحد صفوفهم ولا اقتصاد يجمع كلمتهم ويوصد مصالحهم، ولا سلام يسود بينهم، ديدنهم توارث العداوات والأحقاد ودأبهم السلب والنهب ومعبودهم الأصنام والأوثان.
وإذا كان الأمر كذلك لا سياسة تشغلهم في بحث شئون الدولة وإصدار الأنظمة والقوانين وبحث العلاقات السياسية مع الدول المجاورة ولا اقتصاد يجمعهم للتداول في أمره والتماس السبل الاقتصادية والمعاملات التجارية أو صناعة تشغل وقتهم أو زراعة تملأ فراغهم، إذا كان الأمر كذلك فإن الفراغ
عندهم كبير لم يجدوا ما يملئوه به إلا الاجتماع في الأسواق والدور وأهون ما تملأ به هذه المجالس هي المحادثة فلا عجب أن برع هؤلاء في أساليبها وتذوقوا بليغها وطربوا لبيانها وبديعها.
ولا عجب أن عقدوا للكلمة أسواقا1 يعرضون فيها قصائدهم وخطبهم وأن ترسل كل قبيلة وفدها يلتف حول شاعرها يمدح قبيلته ويمجد مآثرها ويعلن محاسن قومه والناس يصدقون الشاعر، وإن كانوا يعلمون كذبه ويرددون أبياته وإن كانوا يعرفون مبالغتها أو افترائها.
ولا عجب ما دامت هذه مكانة الكلمة أن تهون قبيلة إذا هجيت بقصيدة وإن كانت كاذبة وأن يرفع أتباع القبيلة رءوسهم فخرا إن مدحوا بقصيدة، وما ذاك إلا لسلطة الكلمة بينهم فالكلمة في تلك الفترة لها سلطتها ترفع فيهم وتضع.
وحين أراد الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة خيرا واقتضت حكمته أن يبعث إليهم رسولا يخرجهم من الظلمات إلى النور؛ جاءت المعجزة وفق سنة الله في إظهار المعجزات التي جاءت على أيدي الأنبياء من قبله. فكانت معجزته صلى الله عليه وسلم من جنس ما تفوقوا فيه وملك ألبابهم وسيطر على عقولهم جاءت معجزته قرآنا يقرأ ويسمع ويمسك البلاعة من أطرافها ويملك الإعجاز من مجامعه.
وحين ناوءوه وحاربوه وطاروده هو وأهله وعشيرته وأصحابه وبذلوا كل ما يستطيعون للقضاء على دعوته أظهر لهم سبيلا واحدا لذلك إن استطاعوا بأن يأتوا بمثل هذه القرآن أو بمثل عشر سور أو بمثل سورة أو بمثل حديث منه وكان هذا العرض أشد عليهم مما هم عليه من حربه لأنهم في حربه يؤملون القضاء على دعوته أما فيما تحداهم فيه فإنهم يعرفون سلفا عجزهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن ومن ثم لم يحاول أحد منهم -مجرد محاولة- أن يأتي بمثل هذا لأنه يعرف -سلفا- أن لا سبيل إلى ذلك وأن
1 مثل سوق المُشَعَّر بالبحرين وسوق الشَّحْر بين عمان وعدن وسوق ذي المجاز في عرفة بمكة. وسوق مجنة وسوق عكاظ بالطائف وسوق حباشة بمكة.
مجرد المحاولة سيجعله مثار هزء وسخرية أمام مجتمعة تمامًا، كمثل محاولة ذاك الذي يحاول أن يقفز بقدميه ناطحة من ناطحات السحاب. إن مجرد محاولته مثار هزء وسخرية فاختاروا سبيل الحرب مع شدته على الإتيان بمثل هذا القرآن.
فإن قلت إذا كان القوم يدركون إعجاز القرآن فلم لم يؤثر في قلوبهم ويذعنون له؟ "قلت": إن القوم أدركوا هذا التأثير ولم يقفوا منه موقف المتفرج وإنما سعوا بكل ما في وسعهم لمحاصرته.
فكانوا يحذرون من مجالسة الرسول صلى الله عليه وسلم وكانوا يستقبلون القوافل القادمة إلى مكة ويحذرونهم أول ما يحذورنهم من مجالسة محمد صلى الله عليه وسلم أو الاستماع إليه. فإن صدع صلى الله عليه وسلم في مجتمع بالقرآن وجهر به ضجوا بأصواتهم حتى لا يصل صوته إلى الآذان: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} 1 لأنهم يعرفون أن مجرد السماع له تأثيره القوى.
لكن هذا التأثير عند سماع القرآن لا يجدي إذا كان هناك عناد واستكبار لأن العناد لا تجدي معه حجة ولا ينفع معه البرهان.
وكان العناد هو المانع لكثير من أهل مكة عن الإسلام وحين لا يكون ثم عناد نرى التأثير القرآني، فأهل المدينة مثلا أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم رجلين هما مصعب بن عمير وعبد الله ابن أم مكتوم3 رضي الله عنهما، فجلسا هناك يقرآن القرآن والناس يستمعون ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى دخلت
1 سورة فصلت: الآية 26.
2 سورة التوبة: الآية 6.
3 انظر: سيرة هشام ج2 ص77، 79، والكامل في التاريخ: ابن الأثير ج2 ص67، 68.
المدينة في الإسلام وفتحت أبوابها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قيل: "فتحت البلاد بالسيف وفتحت المدينة بالقرآن"1.
فإن قلت: ما الدليل على أن العناد هو المانع من التأثر بالقرآن قلت: الأدلة كثيرة يكفي منها اعتراف صريح لزعيم من زعماء قريش هو أبو جهل، فقد روى ابن هشام أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسًا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا
…
وحصل في الليلة الثانية ما حصل في الأولى.. وحين التقوا في الليلة الثالثة قال بعضهم لبعض: لا نبرح أبا جهل عن رأيه فيما سمعه من محمد فقال: ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذبنا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذا!! والله لا نؤمن أبدًا ولا نصدقه2.
والتقى الأخنس بن شريق، وأبو جهل بن هشام فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ "3.
حتى أبو طالب عم الرسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يمنعه
1 مجمع الزوائد: الهيثمي ج3 ص298.
2 سيرة ابن هشام: ج1 ص337، 338.
3 أسباب النزول: الواحدي ص218 في الآية: 33 الأنعام.
من الإسلام إلا خشية الملامة من قومه والمسبة فهو يقول:
فوالله لولا أن أجيء بسبة
…
تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة
…
من الدهر جدا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب
…
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
إلى أن قال:
فأيده رب العباد بنصره
…
وأظهره دينا حقه غير باطل1
وقال أيضًا:
ولقد علمت بأن دين محمد
…
من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة
…
لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا
كما حكى القرآن الكريم اعتراف الكفار بسلامة القرآن وإعجازه، واعترافهم أن المانع لإسلامهم واقتناعهم ليس الضعف في حجج القرآن وبراهينه، وإنما هو الحسد أن ينزل هذا القرآن على محمد:{وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} 2.
ويظهر هذا في قول الوليد بن المغيرة حين قال: "أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها"3.
وبلغ عنادهم أقصاه حين أعلنوا رفضهم لقبوله حتى وإن كان حقا حين قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} 4.
ولعل في هذا دليلًا ظاهرًا على أن المانع من إيمان أولئك كان العناد.
1 سيرة ابن هشام ج1 ص299.
2 سورة الزخرف: الآية31.
3 سيرة ابن هشام: ج1 ص387.
4 سورة الأنفال: الآية32.