الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه
مدخل
…
النوع الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه:
جمع القرآن الكريم بهذا المعنى ثلاث مرات:
- الجمع الأول: في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
- الجمع الثاني: في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
- الجمع الثالث: في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
المراد بالجموع الثلاثة:
وقد يشكل على الذهن كيف يجمع الشيء الواحد ثلاث مرات فإذا كان جُمِعَ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف يجمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه وإذا جمع في عهد أبي بكر ثانية فكيف يجمع ثالثة.
والجواب: أنه لا يراد بالجمع معناه الحقيقي في جميع المراحل. فالمراد بجمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم "كتابته وتدوينه" والمراد بجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه "جمع في مصحف واحد". والمراد بجمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه "نسخه" في مصاحف متعددة.
ويظهر بهذا أن الجمع بمعناه الحقيقي كان في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وسنتحدث عن كل مرحلة من مراحل هذه الجمع:
أولًا:
جمع القرآن بمعنى كتابته وتدوينه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
كتاب الوحي:
اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم عددًا من الصحابة كان إذا نزل عليه شيء من القرآن أمر أحدهم بكتابته وتدوينه ويعرف هؤلاء الصحابة بـ "كتّاب الوحي" ومنهم:
الخلفاء الأربعة، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاصي وحنظلة بن الربيع، والزبير بن العوام وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الأرقم، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وثابت بن قيس، وغيرهم1.
صفة هذا الجمع:
وصف هذا الجمع صحابيان جليلان فقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نوَلِّف القرآن من الرِّقاع"2 أي نجمعه لترتيب آياته من الرقاع، وروى عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". الحديث3.
أدوات الكتابة:
لم تكن أدوات الكتابة ميسرة للصحابة في ذلك الوقت فكانوا يكتبونه على كل ما تناله أيديهم من العُسُب "وهي جريد النخل".
واللِّخَاف: "وهي الحجارة الرقيقة".
والرقاع: "وهي القطعة من الجلد أو الورق".
الكرانيف: "وهي أطراف العسب العريضة".
والأقتاب: "جمع قتَب وهي الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه".
1 انظر جوامع السيرة لابن حزم ص26، 27، وزاد المعاد لابن القيم ج1 ص29، وكتاب الوحي للدكتور: أحمد عبد الرحمن عيسى، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم: للدكتور محمد مصطفى الأعظمي.
2 رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص229.
3 رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص221.
والأكتاف: "جمع كتف وهي عظم عريض للإبل والغنم".
وكان كتاب الوحي رضي الله عنهم يضعون كل ما يكتبون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسخون لأنفسهم منه نسخة.
مميزات جمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
1-
ثبت في السنة نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف ومما ورد في ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" 1 وقد كانت كتابة القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على الأحرف السبعة.
2-
أجمع العلماء على أن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مرتب الآيات أما ترتيب السور ففيه خلاف.
3-
بعض ما كتب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نسخت تلاوته وظل مكتوبًا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يحرمن" ثم نسخن "بخمس معلومات" فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن2.
4-
لم يكن القرآن الكريم في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعًا في مصحف واحد، بل كان مفرقا في الرقاع والأكتاف واللخاف وغيرها؛ ولهذا قال زيد بن ثابت رضي الله عنه:"قبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن جمع في شيء"3، وقال أيضًا لما أمر بجمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه:"فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال"4.
1 رواه البخاري ج6 ص100، ورواه مسلم ج1 ص560.
2 رواه مسلم ج2 ص1075.
3 فتح الباري، لابن حجر ج9 ص9، الإتقان في علوم القرآن: السيوطي ج1 ص57.
4 صحيح البخاري ج6 ص98 باب جمع القرآن الكريم.
ولعلك تسأل بعد هذا لماذا لم يجمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في مصحف واحد؟ وقد أجاب العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك، وذكروا أسبابًا منها:
1-
أن الله تعالى قد أمن نبيه عليه الصلاة والسلام من النسيان بقوله سبحانه وتعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى، إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ} 1، أي ما شاء أن يرفع حكمه بالنسخ فلا خوف إذن أن يذهب شيء من القرآن الكريم، وأما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فإن النسيان قد يقع فبادر المسلمون إلى جمعه في مصحف واحد2.
2-
قال الخطابي: "إنما لم يجمع صلى الله عليه وسلم القرآن في المصحف لما يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة3.
وقال الزركشي: "وإنما ترك جمعه في مصحف واحد؛ لأن النسخ كان يرد على بعض، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وَفق لجمعه الخلفاء الراشدين"4.
3-
أن القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، بل نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة.
4-
أن ترتيب آيات القرآن وسوره ليس على حسب ترتيب نزوله،
1 سورة الأعلى: الآيتين 6، 7.
2 البرهان: الزركشي: ج1 ص238.
3 الإتقان: السيوطي: ج1 ص57، وانظر شرح السنة: للبغوي ج4 ص519.
4 البرهان: الزركشي ج1 ص235.