الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ظمأ، ولا يملهم منه صيف ولا شتاء، مائزين الأثر: صحيحه من سقيمه، وقويه من ضعيفه، بألباب حازمة، وآراء ثاقبة، وقلوب للحق واعية، فأمنت تمويه المموهين، واختراع الملحدين، وافتراء الكاذبين، فلو رأيتهم في ليلهم، وقد انتصبوا لنسخ ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين الفرش الوطي، والمضجع الشهي، قد غشيهم النعاس فأنامهم، وتساقطت من أكفهم أقلامهم، فانتبهوا مذعورين قد أوجع الكد أصلابهم، وتيه السهر ألبابهم، فتمطوا ليريحوا الأبدان، وتحولوا ليفقدوا النوم من مكان إلى مكان، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عادوا إلى الكتابة حرصا عليها، وميلا بأهوائهم إليها لعلمت أنهم حرس الإسلام، وخزان الملك العلام، فإذا قضوا من بعض ما راموا أوطارهم، انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد، وعمروا المشاهد، لابسين ثوب الخضوع، مسالمين ومسلمين، يمشون على الأرض هونا، لا يؤذون جارا، ولا يقارفون عارا، حتى إذا زاغ زائغ، أو مرق في الدين مارق، خرجوا خروج الأسد من الآجام، يناضلون عن معالم الإسلام- في كلام غير هذا في ذكرهم
يطول. (1)
موقفه من الجهمية:
- عن محمد بن منصور بن عمار -أبي الحسن- قال: كتب بشر بن غياث المريسي -لعنه الله- إلى أبي يسأله عن القرآن، فكتب إليه أبي: عصمنا الله وإياك من كل فتنة، فإن يفعل، فأعظم بها من نعمة، وإن لا يفعل، فهي والله الهلكة، أخبرني بعض أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أباه سئل عن ذلك
(1) المحدث الفاصل (ص.220 - 221).
فقال: ليس على الله بعد المرسلين حجة، إن الكلام في القرآن بدعة اشترك فيه السائل والمجيب، أما السائل، فتعاطى ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه، وما أعرف خالقا إلا الله، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك، والمتكلمون معك في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها، تكن من المهتدين، {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1). (2)
-وجاء في تاريخ الخطيب وكتب بشر إلى منصور يسأله عن قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى} (3) كيف استوى؟ فكتب إليه منصور: استواؤه غير محدود والجواب فيه تكلف، ومسألتك عن ذلك بدعة، والإيمان بجملة ذلك واجب، قال الله تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (4) وحده. ثم استأنف الكلام فقال: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (5) فنسبهم إلى الرسوخ في العلم بأن قالوا لما تشابه منه عليهم {آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
(1) الأعراف الآية (180).
(2)
الإبانة (2/ 14/289 - 290/ 458) وانظرها في تاريخ بغداد (13/ 75 - 76) بزيادات مهمة.
(3)
طه الآية (5).
(4)
آل عمران الآية (7).
(5)
آل عمران الآية (7).
عند ربنا} فهؤلاء هم الذين أغناهم الرسوخ في العلم عن الاقتحام على السدد المضروبة. دون الغيوب، بما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح اعترافهم بالعجز عن تأول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم رسوخا في العلم. فانته رحمك الله من العلم إلى حيث انتهى بك إليه، ولا تجاوز ذلك إلى ما حظر عنك علمه فتكون من المتكلفين وتهلك مع الهالكين والسلام عليك. (1)
محمد بن سلام البيكندي (2)(225 هـ)
محمد بن سلام بن الفرج الإمام الحافظ الناقد، أبو عبد الله السُّلَمي مولاهم البخاري البيكندي. رأى مالك بن أنس ولم يتفق له السماع منه. روى عن أبي الأحوص سلام بن سليم وعبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وطائفة. روى عنه ابنه إبراهيم، والبخاري وعبيد الله ابن واصل البيكندي وحميد بن النضر البيكندي والطفيل بن زيد النسفي وعدة. قال محمد بن أحمد الغنجار: كان لابن سلام مصنفات في كل باب من العلم. وقال سهل بن المتوكل: سمعت محمدا يقول: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفا، وأنفقت في نشره أربعين ألفا، وليت ما أنفقت في طلبه كان في نشره. قال الذهبي: كان من أوعية العلم وأئمة الأثر. وقال ابن حجر: ثقة
(1) تاريخ بغداد (13/ 76) والسير (9/ 97 - 98) مختصرا.
(2)
الجرح والتعديل (7/ 278) وتذكرة الحفاظ (2/ 422) وتهذيب التهذيب (9/ 212) وشذرات الذهب (2/ 57) والسير (10/ 628 - 630).