الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحمد بن نَصْر الخُزَاعِي (1)(231 هـ)
أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الإمام الكبير أبو عبد الله الخزاعي المروزي ثم البغدادي. كان أمارا بالمعروف، قوالا بالحق. روى عن مالك بن أنس وحماد بن زيد وهشيم بن بشير وابن عيينة وغيرهم. روى عنه أحمد الدورقي وسلمة بن شبيب ويحيى بن معين وعدة. قتله الواثق سنة إحدى وثلاثين ومائتين لما أبى أن يجيبه إلى القول بخلق القرآن.
موقفه من الجهمية:
قال ابن كثير في البداية: فجمع -أي نائب السلطنة محمد بن إبراهيم بن مصعب- جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى، وذلك في آخر شعبان، فأحضر له جماعة من الأعيان، وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر، ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شيء مما كان منه في مبايعته العوام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله. وكان أحمد بن نصر قد استقتل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما
(1) تاريخ الطبري (9/ 135 - 139) والجرح والتعديل (2/ 79) وتاريخ بغداد (5/ 173 - 176)
والأنساب (5/ 106 - 107) والكامل في التاريخ (7/ 20 - 23) والوافي بالوفيات (8/ 211 - 212) وتهذيب التهذيب (1/ 87) وشذرات الذهب (2/ 69) والسير (11/ 166 - 169).
يسترها فقال له، فما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والأخبار بذلك، قال الله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته"(2). فنحن على الخبر. زاد الخطيب، قال الواثق: ويحك أيرى كما يرى المحدود المتجسم؟ ويحويه مكان يحصره الناظر؟ أنا أكفر برب هذه صفته.
قلت -أي ابن كثير-: وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم. ثم قال أحمد بن نصر للواثق: وحدثني سفيان بحديث يرفعه "إن قلب ابن آدم بأصبعين من أصابع الله يقلبه كيف شاء"(3) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"(4) فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويحك، انظر ما تقول. فقال: أنت أمرتني بذلك. فأشفق إسحاق من ذلك وقال: أنا أمرتك؟ قال: نعم، أنت أمرتني أن أنصح له. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون في هذا الرجل؟ فأكثروا القول فيه. فقال عبد الرحمن بن إسحاق -وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل، وكان موادا لأحمد بن نصر قبل ذلك- يا أمير المؤمنين هو حلال الدم. وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن أبي دؤاد: اسقني دمه يا أمير المؤمنين. فقال الواثق:
(1) القيامة الآيتان (22و23).
(2)
انظر تخريجه في مواقف عبد العزيز الماجشون سنة (164هـ).
(3)
انظر تخريجه في مواقف سفيان بن عيينة سنة (198هـ).
(4)
انظر تخريجه في مواقف بشر بن الحارث سنة (227هـ).
لا بد أن يأتي ما تريد. وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل. فقال الواثق: إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي. ثم نهض إليه بالصمصامة -وقد كان سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير- فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط صريعا رحمه الله على النطع، ميتا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. رحمه الله وعفا عنه.
ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه وحز رأسه، وحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك الخرمي فصلب فيها، وفي رجله زوج قيود وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما، وفي الغربي أياما، وعنده الحرس في الليل والنهار، وفي أذنه رقعة مكتوب فيها: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر الخزاعي، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن، ونفي التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح، فالحمد لله الذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه. ثم أمر الواثق بتتبع رؤوس أصحابه فأخذ نحوا من تسع وعشرين رجلا فأودعوا في السجون وسموا الظلمة، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد، ولم يجر عليهم شيء من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين وهذا ظلم