الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[باب الرجل يكون في الفتنة]
قوله [فقربها] وبين لنا (1) بحيث قربها إلى الأذهان وأشرب حقيقتها في القلوب، أي بينها حق البيان. قوله [قال رجل في ناشيته] بين في القسمين البعد من المسلمين سواء كان (2) بالخروج إلى الجهاد أو بالخروج بماشيته إلى الجبال والآكام، فلا يشترك بالمسلمين في قتالهم وجدالهم.
قوله [تكون الفتنة تستنظف العرب] أي تستوعبهم (3)، والظاهر الأسلم من التكلفات أنها لم تعلم أيها هي، وإن قال بعض المحشين (4) إنها فتنة على ومعاوية رضي الله عنهما، ولئن كان كما قال فمعنى (5) قوله قتلاها في النار أن من
(1) قال الأشرف: أي وصفها للصحابة وصفًا بليغًا، فإن من وصف عند أحد وصفًا بليغًا فكأنه قرب ذلك الشيء إليه، وقال القارئ: أي عدها قريبة الوقوع، انتهى. وبهذين المعنيين فسر الحديث صاحب المجمع.
(2)
يعني أن المراد برجل آخذ برأس فرسه من يخرج إلى جهاد الكفار، قال المظهر: يعني رجل هرب من الفتن وقتال المسلمين، وقصد الكفار يحاربهم ويحاربونه فيبقى سالمًا من الفتنة، كذا في المرقاة.
(3)
قال القارئ: أي تستوعبهم هلاكًا من استنظفت الشيء أخذته كله، كذا في النهاية. وقيل: أي تطهرهم من الأرذال وأهل الفتن.
(4)
كما في حاشية الترمذي، وأبي داؤد وغيرهما، وكذا حكاه القارئ عن غيره وبسط الكلام فيه، انتهى.
(5)
هذا أوجه مما في الحواشي المذكورة، إذ قالوا: إن قيل كيف قتلاهم في النار والمخطئ من المجتهد معذور وكلا الفريقين مجتهد، قلت: هو توبيخ وتغليظ، انتهى.
قتل في تلك الفتنة لا من وقعت بسببه الفتنة فيخرج ممن حكم عليه بالنار عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم ممن استشهد فيها لأن الفتنة إنما هاجت بسبب قتلهم لا أنهم قتلوا فيها.
قوله [اللسان فيها أشد من السيف] المراد باللسان الكلمة فإن كان (1) المراد بها الحق فالمعنى أن التكلم بالحق أشد فيها من احتمال ضرب السيوف لتمالؤ (2) أهلها
(1) ومن حملها على الصفين ذكر لهذه الكلمة معنى ثالثًا، وهو أن ذكر أهل تلك الحرب بسوء يكون كمن حاربهم لأنهم مسلمون وغيبة المسلم إثم، بل أكثرهم كانوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما الصدرين الأعظمين الأميرين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا أي عن الطعن فإن رضا الله تعالى في مواضع من القرآن تعلق بهم ولهم حقوق ثابتة في الذمة، وقال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله أيدينا منها فلا نلوث ألسنتنا بها، قال النووي: كان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ لأنه كان بالاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولو تيقنوا الصواب لم يتأخروا عن المساعدة، قال القارئ: والتحير لم يكن في أن عليًا أحق بالخلافة أم معاوية؟ لأنهم أجمعوا على ولاية علي، وإنما وقع النزاع بين معاوية وعلي في قتلة عثمان حيث تعلل معاوية بأني لم أسلم لك الأمر حتى تقتل أهل الفساد والشر ممن حاصر الخليفة وأعان على قتله، فإن هذا ثلمة في الدين وخلل في أئمة المسلمين، واقتضى رأي على أن قتل فئة الفتنة يجر إلى إثارة الفتنة التي تكون أقوى من الأولى مع عدم تعيين أحد منهم بمباشرة قتل الإمام، انتهى مختصرًا.
(2)
أي لاجتماعهم، قال المجد: تمالؤا عليه أي اجتمعوا.
على الباطل، وإن كان المراد بها الباطل فالمعنى أن تأثيرات الألسنة أشد فيها من تأثيرات السيوف، ويكون هذا بيان المفسدين. قوله [وأنا انتظر الآخر] فإنه أخذ في الظهور ولم يستتم ظهوره بعد.
قوله [إن الأمانة نزلت في جذر إلخ] يعني إن الأمانة التي هي صفة (1) مقتضية أداء كل حق إلى صاحبه نزلت في أصل قلب الرجال فعلموا (2) بمقتضاها القرآن والسنة والإيمان والأحكام، وأدوا كل ما عليهم من حقوق هذه الأشياء لاقتضاء الأمانة ذلك، وقد عرفت ظهور معنى الحديث ورأيته، ثم حدثني عن رفع الأمانة كيف ترفع فقال: يظهر تغير في الأمانات دفعة حتى أن الرجل أخذ في النوم (3) وهو سالم الإيمان كامله حتى إذا استيقظ من نومه- وإن كان خفيفًا كما
(1) وفسر عامة شراح الحديث الأمانة في الحديث بالإيمان كقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} وقال الطيبي: إنما حملهم على هذا التفسير لقوله آخرًا: وما في قلبه من خردل من إيمان، فهلا حملوها على حقيقتها (وهي ضد الخيانة) لقوله: ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيكون وضع الإيمان آخرًا موضعها. تفخيمًا لشأنها وحثًا على أدائها، قال صلى الله عليه وسلم: لا دين لمن لا أمانة له، وقال النووي: الظاهر أن المراد بالأمانة التكليف الذي كلف الله به عباده، والعهد (الأزلي) الذي أخذه عليهم، وميل الحافظ في الفتح إلى حقيقة الأمانة إذ فسر تبويب البخاري باب رفع الأمانة بضد الخيانة، وقال في آخر الحديث: قوله من إيمان قد يفهم منه أن المراد بالأمانة في الحديث الإيمان، وليس كذلك بل ذكر ذلك لكونها لازمة الإيمان، انتهى.
(2)
وإن أريد بالأمانة المعنى المعروف ضد الخيانة فيكون المعنى علموا تأكدها بالقرآن والحديث.
(3)
قال القارئ: النومة إما على حقيقتها فما بعده أمر اضطراري، وإما كناية عن الغفلة الموجبة لارتكاب السيئة الباعثة على نقص الأمانة ونقص الإيمان، انتهى.
يدل عليه التعبير بالنومة- وجد قلبه قد تغير وأنكره، فلا يجد منه ما كان يجد قبل النوم من استعظام الذنوب وإيفاء الحقوق، لكن التغير بعد يسير لم يظهر أثره على ظاهره حتى يعرفه كل أحد، بل الفساد مكنون في القلب، وتأثيراته خفية لا تدركها كل أحد، فشبه ذلك بالوكت (1)، وهو تصلب الجلد بكثرة العمل بشيء صلب كالحديدة والخشبة، ففي الوكت لا تغير في ظاهر الجلد فإنما الفساد فيه مخفي يحس به إذا لمس الجلد وغمز، فإذا زاد أثر الرفع على ذلك أخذ ظهور أثره بحيث لا يكاد يخفي على أحد ممن رأى ذلك فشبهه بعد ذلك بالمجل (2)، وهو أثر الحرقة على اليد وغيره إذا نفطت، ولذلك قال في بيانه: كالجمر إذا دحرجته على الرجل، وإنما لم يذكر اليد ههنا لما أن المتبادر منه الكف، والراحة لا تتأثر كتأثر غيرها من الأعضاء، وشبه ظهوره حينئذ بظهور النفطة فإنه يطلع عليها كل من رآه، ولذلك قال: فتراه منتبرأ- بتقديم النون على التاء المثناة الفوقانية، ثم يعدها الباء الموحدة- من النبر وهو الارتفاع، وهو مفتعل. قوله [ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله] هذا تصوير لدحرجة الجمر. قوله [حتى يقال إن في بني فلان] إشارة إلى قلة الأمناء.
(1) قال القارئ: بفتح الواو وإسكان الكاف وبالفوقية: الأثر اليسير كالنقطة في الشيء، وقال المجد: الوكتة النقطة والوكت التأثير والشيء اليسير. قلت: وكذلك عامة الشراح فسروا الوكت بالنقطة، والمجل بأثر العمل فتأمل.
(2)
قال القارئ: بفتح الميم وسكون الجيم وتفتح، هو أثر العمل في اليد، وقال المجد: مجلت يده نفطت من العمل فمرنت، والحافر نكبته الحجارة فبرئ وصلب، والمجلة فشرة رقيقة يجتمع فيها ماء من أثر العمل جمعه مجل ومجال، وقال المجد: نبر الحرف همزه والشيء رفعه، ومنه المنبر، والنبرة الورم في الجسد، وقد انتبر وكل مرتفع من شيء، انتهى.
قوله [ولقد (1) أتى على زمان وما أبالي إلخ] هذا زمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم فكانت قلوبهم متنورة بأنوار الإيمان، وقلوب كفارهم كانت متأثرة بآثارها فلم يكد يخون منهم إلا أقل قليل، والمراد بالرد أني إذا توسوس في قلبي خيانة ونكصت عنه ردني عليه أنه مؤمن، أو أنه ذمي وذو عهد فلا يخون فرجعت إليه بعد ما كنت أعرضت، والمراد بالساعي الذمة نفسها فإن حقن الدماء
(1) قال الحافظ: يشير إلى أن حال الأمانة أخذ في النقص من ذلك الزمان وكان وفاة حذيفة في أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير فأشار إليه، وقال ابن العربي قال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة وكنى عن الإيمان بالأمانة، وعما يخالف أحكامه بالخيانة، وقال الحافظ: والمراد المبايعة في السلع ونحوها، لا المبايعة بالخلافة والإمارة، وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على من حمل المبايعة ههنا على الخلافة وهو واضح، والمراد أنه لوثوقه بوجود الأمانة في الناس أولاً كان يقدم على مبايعة من اتفق من غير بحث عن حاله، فلما بدأ التغير في الناس، وظهرت الخيانة صار لا يبايع إلا من يعرف حاله، ثم أجاب عن إيراد مقدر كان قائلاً قال: لم تزل الخيانة موجودة لأن الوقت الذي أشرت إليه كان أهل الكفر فيه موجودين وهم أهل الخيانة، فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك لكنه يثق بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كل عمل قل أو جل إلا المسلم فكان واثقًا بإنصافه، وتخليص حقه من الكافر إن خانه بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه فإنه لا يبايع إلا أفرادًا من الناس يثق بهم، انتهى مختصرًا.
وحفظ الأموال لما كان بها، فكأنها تسعى بهم، أو المراد بالساعي (1) هو الزعيم والكفيل فإن لكل قوم زعيمًا يسعى لهم. قوله [فأما اليوم فما كنت أبايع (2) منكم إلخ] ليس تنصيصًا على أن كل أهل زمانكم صاروا خائنين، بل المراد أن الخيانة قد تلوث بها الناس، وإن لم يفش فشوها في القرن الرابع فلا يعتمد إلا على من عومل به فظهر بعد ذلك أنه أمين، وأما المعاملة لكل أحد فلم تبق كما كانت في زمان أول من هذا، وبذلك يصح قوله (3): وأنا أنتظر الآخر فإن رفع الأمانة لم يكن ظهر بعد كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) وبذلك جزم جمع من شراح الحديث، قال العيني: وإن كان كافرًا فساعيه وهو الوالي، وهو الذي يسعى له أي الوالي عليه يقوم بالأمانة في ولايته فينصفني ويستخرج حقي منه، وكل من ولى شيئًا على قوم فهو ساعيهم مثل سعاة الزكاة، انتهى.
(2)
قال ابن التين: تأوله بعضهم على بيعة الخلافة وهو خطأ، فكيف يكون ذلك وهو يقول لئن كان نصرانيًا إلخ، والذي عليه الجمهور وهو الصحيح أنه أراد به البيع والشراء المعروفين (*)، يعني كنت أعلم أن الأمانة في الناس فكنت أقدم على معاملة من أثق غير باحث عن حاله وثوقًا بأمانته، وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فلست أثق اليوم بأحد أو تمنه على بيع أو شراء إلا فلانًا وفلانًا، يعني أفرادًا من الناس قلائل أعرفهم وأثق بهم، كذا في العيني. وتقدم قريبًا منه في كلام الحافظ، وقال الحافظ: يحتمل أن يكون ذكر فلانًا وفلانًا بهذا اللفظ، ويحتمل أن يكون سمى اثنين من المشهورين بالأمانة إذ ذاك فأبهم الراوي.
(3)
جواب عما يرد من أنه إذا لم ير الحديث الآخر وهو ينتظره فكيف ترك المعاملة معهم؟ وحاصل الجواب أنه ينتظر استكماله وظهرت آثاره.
(*) وبه جزم النووي في شرح مسلم.