المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب ما جاء في صفة أواني الحوض - الكوكب الدري على جامع الترمذي - جـ ٣

[رشيد الكنكوهي]

فهرس الكتاب

- ‌أبواب الأطعمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في أكل الأرنب

- ‌[باب في أكل الضب

- ‌[باب في أكل الضبع

- ‌[باب الفارة تموت في السمن]

- ‌[باب ما جاء في لعق الأصابع]

- ‌[باب ما جاء في استحباب التمر]

- ‌[باب الأكل مع المجذوم]

- ‌[باب ما جاء أن المؤمن يأكل في معي واحد

- ‌[باب في طعام الواحد يكفي الاثنين]

- ‌[باب ما جاء في أكل الشواء]

- ‌[باب ما جاء، نعم الادام الخل]

- ‌[باب ما جاء في أكل البطيخ بالرطب]

- ‌كتاب الأشربة

- ‌[باب في شارب الخمر]

- ‌[باب في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة

- ‌[باب في التنفس في الإناء]

- ‌[باب ما جاء في أن ساقي القوم آخرهم شربًا]

- ‌[باب في بر الخالة]

- ‌[باب في قطعية الرحم]

- ‌[باب في حب الولد]

- ‌[باب في رحمة الولد]

- ‌[باب في النفقة على البنات]

- ‌[باب في رحمة الناس]

- ‌[باب الستر على المسلمين]

- ‌[باب في مواساة

- ‌[باب في الغيبة]

- ‌[باب في الحسد]

- ‌[باب في إصلاح ذات البين]

- ‌[باب في حق الجوار]

- ‌[باب النهي عن ضرب الخدام

- ‌[باب في أدب الولد]

- ‌[باب الشكر لمن أحسن إليك]

- ‌[باب المجالس بالأمانة]

- ‌[باب السخاء]

- ‌[باب في البخل]

- ‌[باب النفقة على الأهل]

- ‌[باب في الضيافة]

- ‌[باب الصدق والكذب]

- ‌[باب في الشتم]

- ‌[باب في فضل المملوك الصال

- ‌[باب في سوء الظن]

- ‌[باب في المزاح]

- ‌[باب في المراء]

- ‌[باب في المداراة]

- ‌[باب في الكبر]

- ‌[باب في حسن الخلق]

- ‌[باب في الإحسان والعفو]

- ‌[باب في الحياء]

- ‌[باب التأني والعجلة]

- ‌[باب خلق النبي صلى الله عليه وسلم]

- ‌[باب ما جاء في اللعن والطعن]

- ‌[باب ما جاء في كثرة الغضب]

- ‌[باب ما جاء في الصب

- ‌[باب ما جاء في العي]

- ‌[باب ما جاء في التواضع]

- ‌[باب ما جاء في الظلم]

- ‌[باب ما جاء في تعظيم المؤمن]

- ‌[باب ما جاء في التجارب]

- ‌[باب ما جاء في المتشيع بما لم يعطه]

- ‌أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب ما جاء في الحمية

- ‌[باب ما جاء في الدواء والحث]

- ‌[باب ما جاء في الحبة السوداء

- ‌[باب من قتل نفسه بسم أو غيره]

- ‌[باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر

- ‌[باب ما جاء في السعوط

- ‌[باب ما جاء في كراهية الكي]

- ‌[باب ما جاء في الرخصة في ذلك]

- ‌[باب ما جاء في الحجامة]

- ‌[باب ما جاء في كراهية الرقية]

- ‌[باب ما جاء في الرخصة في ذلك]

- ‌[باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين]

- ‌[باب ما جاء في الرقية من العين]

- ‌[باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ]

- ‌[باب ما جاء في الكمأة والعجوة]

- ‌[باب في كراهة التعليق]

- ‌[باب ما جاء في تبريد الحي بالماء]

- ‌[باب ما جاء في الغيلة]

- ‌[باب في دواء ذات الجنب]

- ‌[باب في العسل]

- ‌أبواب الفرائض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب ما جاء في ميراث بنت الابن مع بنت الصلب]

- ‌[باب في ميراث الإخوة من الأب والأم]

- ‌[باب في ميراث العصبة]

- ‌[باب في ميراث الجد]

- ‌[باب ميراث الجدة]

- ‌[باب في ميراث الخال]

- ‌[باب في الذي يموت وليس له وارث]

- ‌[باب في إبطال الميراث بين المسلم والكافر]

- ‌[باب الميراث للورثة والعقل على العصبة]

- ‌[باب في الرجل يسلم على يدي الرجل]

- ‌[باب من يرث الولاء]

- ‌أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في الحث على الوصية]

- ‌[باب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوص]

- ‌[باب في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت]

- ‌[باب الولاء لمن اعتق]

- ‌[باب في حث النبي صلى الله عليه وسلم على الهدية]

- ‌[باب ما جاء في التشديد

- ‌[باب في الشقاء والسعادة]

- ‌[باب أن الأعمال بالخواتيم]

- ‌[باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة]

- ‌أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب لا يحل دم امرئ مسلم]

- ‌[باب لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا]

- ‌[باب من صلى الصبح فهو في ذمة الله]

- ‌[باب في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر]

- ‌[باب في تغيير المنكر باليد

- ‌[باب أفضل الجهاد

- ‌[باب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا في أمته]

- ‌[باب الرجل يكون في الفتنة]

- ‌[باب لتركبن سنن من كان قبلكم]

- ‌[باب في انشقاق القمر]

- ‌[باب في الخسف]

- ‌[باب في خروج يأجوج ومأجوج]

- ‌[باب في صفة المارقة]

- ‌[باب فتنة القاعد فيها خير من القائم]

- ‌[باب في الهرج

- ‌[باب في أشراط الساعة]

- ‌[باب في قتال الترك]

- ‌[باب في الخلفاء]

- ‌[باب ما جاء أن الخلفاء من قريش

- ‌[باب في المهدي]

- ‌[باب في نزول عيسى]

- ‌[باب ما جاء في الدجال

- ‌[باب من أين يخرج الدجال]

- ‌[باب في ذكر ابن صياد

- ‌[باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات]

- ‌[باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من رآني في المنام

- ‌[باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع]

- ‌[باب الذي في يكذب في حلمه

- ‌[باب ما جاء في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في الميزان والدلو]

- ‌أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في ذكر الموت]

- ‌[باب ما جاء في إنذار النبي صلى الله عليه وسلم قومه]

- ‌[باب في قلة الكلام]

- ‌[باب ما جاء في هوان الدنيا]

- ‌[باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر]

- ‌[باب فقر]

- ‌[باب في أعمال هذه الأمة]

- ‌[باب في تقارب الزمن]

- ‌[باب في قصر الأمل]

- ‌[باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان

- ‌[باب في الزهادة في الدنيا]

- ‌[باب في فضل الفقر

- ‌[باب ما جاء في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم]

- ‌[باب في الرياء والسمعة]

- ‌[باب المرأ مع من أحب

- ‌[باب في البر والإثم]

- ‌[باب الحب في الله]

- ‌[باب في إعلام الحب]

- ‌[باب في كراهية المدحة والمداحين]

- ‌[باب في الصبر على البلاء]

- ‌[باب في ذهاب البصر]

- ‌[باب في حفظ اللسان]

- ‌[باب ما جاء في شأن الحشر]

- ‌[باب ما جاء في شأن الصراط]

- ‌[باب ما جاء في الشفاعة]

- ‌[باب ما جاء في صفة أواني الحوض

- ‌[باب في صفة غرف الجنة]

- ‌[باب في صفة نساء أهل الجنة]

- ‌[باب في صفة ثياب أهل الجنة]

- ‌[باب صفة طير الجنة]

- ‌[باب في صفة خيل الجنة]

- ‌[باب في كم صف أهل الجنة]

- ‌[باب في سوق الجنة]

- ‌[باب في احتجاج الجنة والنار]

- ‌أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب ما جاء أن للنار نفسين

- ‌[باب الحياء من الإيمان]

- ‌[باب في حرمة الصلاة]

- ‌[باب في ترك الصلاة]

- ‌[باب في علامة المنافق]

- ‌[باب سباب المسلم فسوق]

- ‌[باب في من يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله]

- ‌[باب افتراق هذه الأمة]

- ‌أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في ذهاب العلم]

- ‌[باب في الحث على تبليغ السماع]

- ‌[باب فيمن روى حديثًا وهو يرى أنه كذب]

- ‌[باب الرخصة في ذلك]

- ‌[باب ما جاء الدال على الخير كفاعله]

- ‌[باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة]

- ‌[باب في فضل الفقه على العبادة]

- ‌[باب في إفشاء السلام]

- ‌[باب في أن الاستيذان ثلاث]

- ‌[باب في كراهية إشارة اليد في السلام]

- ‌[باب ما جاء في التسليم على النساء]

- ‌[باب في كراهية التسليم على الذي]

- ‌[باب السلام على مجلس فيه مسلمون وغيرهم]

- ‌[باب التسليم عند القيام والقعودي

- ‌[باب الاستيذان قبالة البيت]

- ‌[باب في كراهية التسليم على من يبول]

- ‌[باب في كراهية أن يقول: عليك السلام]

- ‌[باب في المصافحة]

- ‌[باب في تشميت العاطس]

- ‌[باب ما جاءكم يشمت العاطس]

- ‌[باب في إعفاء اللحية]

- ‌[باب ما جاء في حفظ العورة]

- ‌[باب الرجل أحق بصدر دابته]

- ‌[باب الرخصة في اتخاذ الأنماط]

- ‌[باب في ركوب ثلاثة على دابة]

- ‌[باب في نظرة الفجاءة]

- ‌[باب في كراهية اتخاذ القصة]

- ‌[باب في كراهية خروج المرأة متعطرة]

- ‌[باب ما جاء في حفظ العورة]

- ‌[باب في النظافة]

- ‌[باب مام جاء في الاستتار عند الجماع]

- ‌[باب في دخول الحمام]

- ‌[باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر الرجال]

- ‌[باب في العدة]

- ‌[باب في فداك أبي وأمي]

- ‌[باب ما جاء في يا بني]

- ‌[باب ما يكره من الأسماء]

- ‌[باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته]

- ‌[باب ما جاء في إنشاد الشعر]

- ‌[باب ما جاء في الفصاحة والبيان]

- ‌أبواب الأمثال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب مثل النبي والأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين]

- ‌[باب ما جاء مثل الصلوات الخمس

الفصل: ‌[باب ما جاء في صفة أواني الحوض

لم يتعين (1) من هو، والحديث الآتي المكتوب في الحاشية نصًا في (2) كون المراد بهما واحدًا.

قوله [فلما أقام] أي الرجل الذي كان يحدث قلت: من هذا؟ أي من هذا المحدث، وقائل هذا القول هو عبد الله (3) بن شفيق.

‌[باب ما جاء في صفة أواني الحوض

(4)] قوله [ما أردت أن أشق عليك]

(1) ولذا اختلفت الأقاويل في ذلك، قال القاري: قيل هو عثمان بن عفان، وقيل: أويس القرني، وقيل: غيره، قال زين العرب: وهذا أقرب، انتهى. قلت: لعل مستند من قال هو عثمان الحديث الآتي، ومن قال بأويس ما في المرقاة برواية ابن عدي عن ابن عباس: سيكون في أمتي رجل يقال له أويس بن عبد الله القرني، وإن شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر، انتهى.

(2)

عبارة المنقول عنه محرفة مشكوكة، والظاهر ليس نصًا في كون المراد إلخ.

(3)

كما يدل عليه رواية ابن ماجة بسنده إلى عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن أبي الجدعاء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليدخلن الجنة الحديث، ولا يذهب عليك أنهم اختلفوا في ضبط «الجدعاء» هل هو بالدال المهملة كما في رجال جامع الأصول أو المعجمة كما في التقريب.

(4)

قال العيني تحت قول البخاري: باب في الحوض وقول الله تعالى {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} : قد اشتهر اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بالحوض، لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه أن لكل نبي حوضًا، واختلف في وصله وإرساله والمرسل أصح، فالمختص بنبينا صلى الله عليه وسلم الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، وقد أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة، وهؤلاء ضلوا في ذلك وخرقوا إجماع السلف، ورويت أحاديث الحوض عن أكثر من خمسين صحابيًا، ثم عد أسماءهم.

ص: 283

في الجواب اختصار، ولذلك ترى أنه لا يطابق السؤال، والمقصود أن اشتياقي إلى سماع الحديث لم يتركني أنتظر مركبًا غيره فعجلت في إرساله فاعف (1) عني عفا الله عنك.

قوله [عمان البلقاء] بفتح العين (2) وتشديد الميم، وإضافتها إلى البقاء،

(1) ويؤيد اعتذار عمر بن عبد العزيز سياق ابن ماجة بسنده إلى أبي سلام قال: بعث إلى عمر بن عبد العزيز فأتيته على بريد، فلما قدمت عليه قال: لقد شققنا عليك يا أبا سلام في مركبك، قال: أجل والله يا أمير المؤمنين، قال: والله ما أردت المشقة عليك، ولكن حديث إلخ.

(2)

قال الحافظ الفتح: وقع في حديث ثوبان ما بين عدن وعمان البلقاء، ونحوه لابن حبان عن أبي أمامة، وعمان هذه بفتح المهملة وتشديد الميم للأكثر، وحكى تخفيفها، وتنسب إلى البلقاء لقربها منها، والبلقاء بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها قاف وبالمد بلدة معروفة من فلسطين، انتهى. وذكر الحافظ هذا في ذيل الروايات التي وقع فيها تحديد مسافة الحوض بنحو مسيرة شهر، وقال أيضًا قبل ذلك في ذيل الروايات التي وقع فيها التحديد بنحو شهر: وحديث أبي ذر ما بين عمان إلى أيله، وعمان بضم المهملة وتخفيف النون (كذا في الأصل والظاهر الميم) بلد على ساحل البحر من جهة البحرين، انتهى. فعلم بذلك أن الواقع في أحاديث الحوض ذكر العمانين معًا لكن المراد في حديث الباب الأول، واشتبه على بعض الشراح، ففسر إحداهما بالأخرى كما يظهر من كلام القاري وغيره.

ص: 284

وهي مدينة هناك للاحتراز عن عمان بضم العين وتخفيف الميم، وهي بالبحرين.

قوله [الشعث رؤسا الدنس ثيابًا] ظاهره ينافي ما ورد من النهي (1) عن بقاء الرجل كذلك، بل أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة الشعث والدنس ما أمكن، والجواب (2) أن هذا بيان لإفلاسهم، وإعوازهم الحطام الدنيوية حتى أنهم بعد تكلفهم في إزالتها، وتجشمهم لإتيان ما أمروا به لا يبقون إلا شعثًا دنسًا.

قوله [حتى يشعث] شعثًا لا يدخل تحت النهي، وكذلك قوله حتى يتسخ كأنه أتى بما كان في اختياره، وأما هما (3) فلم يكونا في اختياره فإن تعظيم الرجال لامرئ، وقبولهم له لو خطب بناتهم أمر ليس وسعه.

(1) فقد أخرج أبو داود برواية جابر عن عبد الله قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً شعثًا قد تفرق شعره، فقال: أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره، ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال: أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه، وأخرج برواية أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثياب دون فقال: ألك مال؟ قال: نعم الحديث، وفيه قال: فإذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته، وفي الباب عدة روايات أخر.

(2)

ويمكن الجواب أن المراد في حديث الباب من ترك التزين تواضعًا لله، فقد ورد في أبي داود وغيره مرفوعًا: من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعًا كساه الله حلة الكرامة الحديث.

(3)

أي النكاح وفتح السدد لما كانا يتعلقان بغيره، فليس له فيهما مدخل ولا اختيار، نعم الأمران اللذان كانا في اختياره اختارهما عملاً بالحديث والبشارة، ولم يدخل تحت النهي لما أنه اختارهما تواضعًا وهضمًا لنفسه وتشبهًا بالسابقين ورودًا إلى الحوض، وإنما الأعمال بالنيات.

ص: 285

قوله [ما آنية] لما لم يكن (1) لهم رضى الله عنهم تفتيش عن حقائق الأشياء سألوا صفاتها، وكثيرًا ما يورد لفظ ما في السؤال والمسؤول صفته، لكن النبي صلى الله عليه وسلم زاد على الجوب بيان مقدارها في الكثرة، والجواب إنما هو في قوله من آنية الجنة، فإنه كان في بيان صفاتها.

قوله [ولكن ارفع رأسك] فيه إشارة إلى علو رتبتهم فإن رفع الرأس يحتاج إليه إذ ذاك.

قوله [أبناء الذين ولدوا] من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، وإلا لم يدخل أبناء (2) الصحابة فيهم، والمراد الأبناء الذين ولدوا إلخ.

قوله [سبقك بها عكاشة] ليس المراد ما فهمه (3) الشراح هاهنا، بل المراد

(1) دفع إيراد يرد على ظاهر الحديث، وحاصله أن السؤال بلفظ ما يكون عن حقائق الأشياء كما عرف في محله، وعلى هذا فالجواب لا يطابق السؤال، وحاصل الدفع أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين لا يتصدون حقائق الأشياء كما هو معروف من دأبهم، بل جل أسئلتهم تكون من أوصاف الشيء وعلاماتها، ولفظ ما قد يسأل به عن صفة الشيء أيضًا، فجوابه صلى الله عليه وسلم بأنها تكون عن آنية الجنة كاف في بيان الصفة، وهو جواب سؤالهم، ثم زاد النبي صلى الله عليه وسلم بيان عددها أيضًا تكميلاً للإفادة، فلله در الشيخ ما أجاد.

(2)

وإياهم أرادوا بكلامهم هذا كما يدل عليه رواية البخاري بلفظ: فأفاض القوم وقالوا: نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله، فنحن هم أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام؟ فإنا ولدنا في الجاهلية، الحديث. وفي رواية أخرى له: فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، الحديث.

(3)

اختلفت الشراح في منشأ قوله صلى الله عليه وسلم، والمراد في كلام الشيخ بقوله ما فهمه الشراح كما جزم به في الإرشاد الرضى هو قولهم: كأنه لم يؤذن له صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد، انتهى. ومعنى الحديث على مختار الشيخ سبقك عكاشة أي بهذه الصفات التي أدير الأمر عليها، قال الحافظ: اختلفت أجوبة العلماء في الحكمة في قوله: سبقك بها عكاشة، ثم بسطها فارجع إليه، وجملة ما قالوا في ذلك غير ما تقدم ما قيل: إنه كان منافقًا، وقيل: سأل عكاشة بصدق القلب فأجيب بخلاف الثاني، يعني سأل حرصًا على عكاشة، وقيل: أنكر صلى الله عليه وسلم حسمًا للتسلسل، وقيل: علم بالوحي الإجابة في عكاشة دون غيره، وقيل: كان في وقت سؤال الأول ساعة الإجابة وانقرضت في وقت الثاني.

ص: 286

أنك لست بهذه المثابة في الصفات المذكورة حتى أخبرك بأنك منهم، وأما عكاشة فقد كان.

قوله [ما أعرف شيئًا إلخ] يريد به تفاوت ما بين أعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء في الإخلاص وغيره.

قوله [تخيل (1) واختال] وفي الأول إشعار بالتكلف ما ليس في الثاني، وهذا متعلقان بالقلب والباطن، والإتيان وهو

قوله [تجبر (2) واعتدى] المراد بهما ما ظهر أثره فإن كان في الظاهر فقط فهو دون الأول، وإن شمال الظاهر والباطن فهو أسوء من الأول.

(1) قال القاري: تخيل أي تكبر وتجبر، واختال أي تمايل وتبختر من الخيلاء وهو الكبر والعجب، وقال التوربشي: أي تخيل له أنه خير من غيره، واختال أي تكبر، انتهى. وما أفاده الشيخ مبناه على أن في التفعل من التكلف ما ليس في الافتعال.

(2)

وقال القاري: تجبر أي قهر على المظلومين، واعتدى أي تجاوز على المساكين، أو تجاوز قدره وما راعى حكم ربه، انتهى.

ص: 287

قوله [كأنهم يكتشرون (1) ولم يكونوا كاشرين إذ ذاك، إلا أنه كان ينتزع من سرورهم وكلامهم أنهم كانوا متقاربين بالضحك، وإنما صمتوا حين برز النبي صلى الله عليه وسلم، والمصلى (2) هاهنا موضع الصلاة لا المعروف بيننا. قوله [أنا بيت الغربة] فأطلب لك جليسًا، وهكذا فيما بعده. قوله [وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر] شك من الراوي، والمذكور في الروايات إنما هما القسمان لا غير، ويعلم حال عصاة (3) المؤمنين بدلالات النصوص.

(1) قال صاحب المجمع: الكشر ظهور الأسنان ويكتشرون أي يضحكون، والمشهور لغة الكشر، انتهى. وقال القاري: يكشترون أي يضحكون، ولعل التاء للمبالغة فيؤخذ منه أنهم جمعوا بين الضحك البالغ والكلام الكثير، انتهى مختصرًا. قلت: والصواب عندي ما أفاده الشيخ فإن لفظ كأنهم في الحديث ينفي حقيقة الكشر ولذا فسر الشيخ بما فسر، ولا يذهب عليك أن لفظ يكتشرون بتقديم الكاف على التاء في الترمذي، وكذا في المشكاة برواية الترمذي، وفي نفع القوت للمدمنتي يتكشرون بتقديم التاء على الكاف.

(2)

ولا يبعد بل الظاهر أن المراد مصلى الجنائز، ولفظ المشكاة: عن أبي سعيد قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة فرأى الناس كأنهم يكتشرون، قال القاري: الظاهر المتبادر من مقتضى المقام أنها صلاة جنازة لما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم إذا رأى جنازة رئيت عليه كآبة أي حزن شديد وأقل الكلام، انتهى. قلت: ويؤيد ما حكى عن السيوطي برواية الطبراني عن أبي هريرة بنحو حديث الباب مختصرًا، ولفظه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس إلى قبر الحديث.

(3)

ففي شرح العقائد: عذاب القبر للكافرين، ولبعض عصاة المؤمنين، ومنهم من لا يريد الله تعذيبه فلا يعذب، وتنعيم أهل الطاعة في القبر بما يعلمه الله تعالى ويريد. وسؤال منكر ونكير ثابت بالدلائل السمعية لأنها أمور ممكنة أخبر بها الصادق على ما نطقت به النصوص، قال تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه، وقال صلى الله عليه وسلم: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، انتهى.

ص: 288

قوله [على رمل حصير] أي حصير مرمول، وربما يطلق الحصير وإن (1) قل على ما يجتمع من السعف وأمثاله فيشد ولا يرمل، فأخرجه بزيادة لفظ الرمل. قوله [فوافوا (2) صلاة الفجر] أي لم يصلوا في مساجدهم بل مع النبي

(1) أي وإن قل هذا الاستعمال، وقال الحافظ: قوله رمال بكسر الراء، وقد تضم، وفي رواية معمر على رمل بسكون الميم، والمراد به النسج، تقول: رملت الحصير وأرملته إذا نسجته، وحصير مرمول أي منسوج، والمراد به هاهنا أن سريره كان مرمولاً بما يرمل به الحصير، ووقع في رواية للبخاري على رمال سرير، وفي رواية على حصير، كأنه أطلق عليه حصيرًا تغليبًا، وقال الخطابي: رمال الحصير ضلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب فكأنه عنده اسم جمع، انتهى. قلت: فهي ثلاثة أقوال في تفسير لفظ الحديث: أحدها مختار الشيخ أنه احتراز عن الحصير المشدود بالحبل وغيره بلا نسج، والثاني مختار الحافظ أن المراد منه السرير المنسوج على صورة الحصير، وما وقع في بعض الطرق من إطلاق الحصير مجاز، والثالث مؤدى كلام الخطابي أن المراد ضلوعه المتداخلة، قلت: والأوجه عندي أن المراد يرمل الحصير حاشيته المنسوجة فيه متظاهرة، فتأمل فإني لم أر هذا المعنى في اللغة لكن اللغة لا تأباه، ثم ما أشار إليه المصنف من قوله قصة طويلة هي ما سيأتي في تفسير سورة التحريم مفصلاً بهذا السند.

(2)

قال المجد: وافيت القوم أتيتهم، ولفظ البخاري: فوافقت صلاة الصبح، قال الحافظ: يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات، وكانوا يصلون في مساجدهم إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه، فلأجل ذلك عرف النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اجتمعوا لأمر، ودلت القرينة على تعيين ذلك الأمر وهو احتياجهم إلى المال، انتهى.

ص: 289

صلى الله عليه وسلم لئلا يعجل القسمة فيبقوا من غير شيء في أيديهم. قوله [ولعلوا] من المجرد (1) فالمفعول ما يسركم، أو من المزيد فهو مفعوله الثاني، والمفعول الأول محذوف أي أملوا نفوسكم ما يسركم، والمراد بما يسركم ما سيفتح عليهم من الفتوح، ولا يبعد أن يراد هذا المال الذي أتى به من البحرين. قوله [أن حكيم بن حزام قال إلخ] وكان (2) من المؤلفة قلوبهم، فلما رسخ إسلامه واستحكم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة إلخ، وإنما قال حكيم: لست أرزأ (3) أحدًا بعدك لا أن يقول بعد ذلك لأنه إذا آتاه النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يرده وإن ترك السؤال منه صلى الله عليه وسلم أيضًا.

قوله [جعل الله فقره بين عينيه] أي لا يزال الفقر (4) نصب عينيه.

(1) قال صاحب المجمع: من الأمل أو من التأميل، انتهى قلت: وبالثاني فسره عامة الشراح، انتهى.

(2)

قال الحافظ في الإصابة: كان صديق النبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث، وكان يوده ويحبه بعد البعث لكنه تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح وكان من المؤلفة، وشهد حنينًا وأعطى من غنائمها مائة بعير ثم حسن إسلامه، انتهى.

(3)

بسكون الراء قبل الزاي أي لا أنقص مال أحد بالسؤال عنه، والأخذ منه بعد سؤالك هذا، أو بعد قولك هذا، كذا في المرقاة، وحمله الشيخ على ظاهر اللفظ، انتهى.

(4)

بأن يطول آماله، فيتعب نفسه بكثرة التردد في طلب المال ولا ينال إلا ما قدر له فيبقى حزينًا ملولاً بعدم حصول أوطاره، قال القاري: روى البيهقي عن عمران بن حصين مرفوعًا: من انقطع إلى الله عز وجل كفاه كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله تعالى إليه.

ص: 290

قوله [فإنه يذكرني الدنيا] وكان لنزعه سيان فذكر أحدهما وهو تذكير الدنيا، ولم يذكر الآخر وهو كونه ذا تماثيل ولا ضير (1) فيه، ويحتمل أن يكون تماثيل من غير ذي الروح. قوله [ثم قلت للجارية: كيليه إلخ] وبهذا يعلم أن البركة في ترك الكيل، والمستنبط بالروايات الأخر أن البركة (2) في الكيل،

(1) يعني لا ضير في أن يذكر وجه واحد من الوجوه المتعددة، وأما على الاحتمال الثاني وهو أن يكون فيه تمثال من غير ذي الروح، فلا يكون له إلا وجه واحد، لكن ذكر صاحب المشكاة برواية أحمد عن عائشة كان لنا ستر فيه تماثيل طير فقال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة حويله فإني إذا رأيته ذكر الدنيا، انتهى. فهذا يؤيد الاحتمال الأول، وورد في الصحيحين وغيرهما وجه آخر غير ما ذكر وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين.

(2)

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن المقدام بن معد يكرب مرفوعًا: كيلوا طعامكم يبارك لكم، وجمع بينهما الحافظ بأن الكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلق حق المتبايعين فلذا يندب، والكيل عند الإنفاق فقد يبعث عليه الشح فلذا كره، ولم يرض عنه العيني وقال: هذا غير صحيح لأن البخاري ترجم على حديث المقدام باستحباب الكيل والطعام الذي يشتري الكيل فيه واجب، وحكى عن ابن بطال كيلوا أي أخرجوا بكيل معلوم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله من البركة في مد المدينة بدعوته صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك، والأوجه ما أفاده الشيخ فإنه مجرب.

ص: 291

والجمع (1) أن النافق (2) المخرج للخير كيله أولى، وما يترك في البيت ذخرة فالأولى فيه ترك الكيل.

قوله [أخفت في الله وما يخاف أحد] الواو حالية في الموضعين، أي خافوني وآذوني في موضع وزمان لا يخاف فيه ولا يؤذى فيه أحد (3)، وهو بيت

(1) وقريب منه ما حكى العيني عن المحب الطبري إذ قال: يحتمل أن يكون معنى قوله: كيلوا طعامكم أي إذا ادخرتموه طالبين من الله البركة واثقين بالإجابة، فكان من كاله بعد ذلك إنما يكيله ليتعرف مقداره، فيكون ذلك شكًا بالإجابة فيعاقب بسرعة نفاذه، ويحتل أن تكون البركة التي تحصل بالكيل بسبب السلامة من سوء الظن بالخادم، لأنه إذا أخرج بغير حساب قد يفرغ ما يخرجه وهو لا يشعر فيتهم من يتولى أمره بالأخذ منه، انتهى.

(2)

أي النافد، قال المجد: نفق البيع راج، وكفرح ونصر نفد وفى، انتهى. والمخرج ببناء المفعول، وقوله للخير هكذا في المنقول عنه، والظاهر أنه للخبز يعني ما يخرج لطبخ الخبز ونحوه الأولى أن يكال كي لا يصرف أكثر من مقدار الكفاف حتى يصل إلى حد الإسراف.

(3)

والبلية إذا عمت خفت، قال القاري: هي حكاية حال لا شكاية بال، بل تحدث بالنعمة، وتوفيق بالصبر، وتسلية للأمة لإزالة ما قد يصيبهم من الغمة، أي كنت وحيدًا في ابتداء إظهاري للدين فخوفني في ذلك وأذاني الكفار، ومع ذلك كله كان في قلة من الزاد وعدم الاستعداد، انتهى. ولا يذهب عليك أن الشراح مختلفة في بيان المراد من قوله ثلاثون هل هو شهر كامل أو نصف شهر؟ ومال الشيخ إلى الثاني، كما حكاه في الإرشاد الرضى، وقال: عد كل منها مستقلاً لما أن طعام كل منهما مستقل على حدة.

ص: 292

الله الحرام وأشهر الله الحرم. قوله [ومعنى هذا الحديث إلخ] هذا غير (1) صحيح فإن بلالاً لم يك معه إذ ذاك، والحق أنه لا يعين متى هو.

قوله [قد قذفه البحر] استدل بذلك مجوز السمك الطافي (2) وهذا غير

(1) المعروف أن خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة هاربًا مرتين: الأولى حين خرج إلى الطائف، والثانية حين خرج مهاجرًا إلى المدينة، وبكليهما لا يصح تفسير حديث الباب، وعليهما توجه إنكار الشيخ، أما خروج الهجرة فظاهر ومعلوم أن بلالاً لم يكن معه صلى الله عليه وسلم، وأما خروج الطائف فالمعروف أنه كان معه صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، لكن قال القاري: ومعه بلال لا ينافي كون زيد بن حارثة معه أيضًا، مع احتمال تعدد خروجه صلى الله عليه وسلم، لكن أفاد بقوله معه بلال أنه لم يكن هذا الخروج في الهجرة إلى المدينة لأنه لم يكن معه بلال حينئذ، انتهى.

(2)

وتوضيح ذلك أنهم بعد ما اتفقوا على إباحة السمك اختلفوا في إباحة الطافي، قال الشيخ في البذل: هو الذي يموت في البحر، ويعلو فوق الماء ولا يرسب فيه، فعند الحنفية يكره أكله، وقال مالك والشافعي وأحمد والظاهرية لا بأس به، انتهى. ومن مستدلات الآخرين حديث الباب، واستدل الأول بما أخرجه أبو داود بسنده عن جابر مرفوعًا: ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه، انتهى. فهذا نص في التفريق بين المقذوف والطافي، وإليه أشار الشيخ في قوله. مع ما ورد من استثنائه، وما أوردوا على حديث جابر أجاب عنه الشيخ في البذل، وفي المشكاة رواه أبو داود وابن ماجة، وقال محي السنة: الأكثرون على أنه موقوف، قال القاري: لا يضر، فإن مثل هذا الموقوف في حكم المرفوع كما هو معروف، انتهى. وفي الهداية عن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا، وذكر الآثار ابن أبي شيبة.

ص: 293

صحيح، فإن بين الطافي والمقذوف تفاوتًا فإن الطافي مع ما ورد من استثنائه في الحديث يموت لسمية فيه ومرض، بخلاف المقذوف فإن موته لعدم وجدانه الماء لا غير، وقد أحل لنا ميتته، وأيضًا ففي الحديث جواز السمك الكبير كما ذهب إليه الشيخان، وقال (1) محمد رحمه الله تعالى بكراهة ما يمكن أن يأكل إنسانًا لكبره، ولا يمكن أن يعتذر من جانبه أن أكله كان للضرورة فإن الأمر لو كان منوطًا بالضرورة لما وسعهم الشبع، وقد ثبت أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب بقيته منهم، ولو كان أكله للضرورة لما فعل.

قوله [بكى للذي كان فيه من النعمة (2)] وإنما كان ذلك رأفة به (3) وشفقة عليه، لا رغبة في الغنى عن الفقر، ويدل على ذلك الفقرة الآتية فإنه فضل بها فقرهم هذا على الغنى. قوله [وضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى] وكانوا لا يأكلون

(1) لم أجد هذا الاختلاف في الفروع المتداولة المشتهرة فليفتش، وإنما ذكروا خلاف محمد في الجريث والمارماهي، ففي الدرر: ومن السمك المأكول الجريث والمارماهي، خصهما بالذكر إشارة إلى ضعف ما نقل في المغرب عن محمد أن جميع السمك حلال غيرهما، وقريب منه ما في الدر المختار إذ قال: أفردهما بالذكر للخفاء وخلاف محمد.

(2)

فقد قال الحافظ في الإصابة: كان أنعم غلام بمكة وأجوده حلة مع أبويه، وفي الحاشية: كان أبوه ذا ثروة يعطي ابنه من كل شيء عنده من الثياب الفاخرة، وكان كافرًا، فلما أسلم مصعب أمسك عطاءه عنه، وقال القاري: كان في الجاهلية من أنعم الناس عيشًا وألينهم لباسًا، فلما أسلم زهد في الدنيا، وفيه نزل {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} الآية. انتهى.

(3)

هذا هو الأوجه بل هو المتعين لظاهر السياق، ومال القاري إلى أن بكاءه صلى الله عليه وسلم كان للفرح في أنه وجد في أمته من اختار الزهد في الدنيا والإقبال على العقبي.

ص: 294

مثلما يجمع ألوان الأطعمة بأسرها على السفرة مرة واحدة، بل قامت لغلمة (1) بكل صحفة وضع الغلام أخرى فيها طعام آخر وهكذا.

قوله [إن كنت لأعتمد بكبدي إلخ] هذا إذا (2) اضطجع [وأشد الحجر إلخ] هذا إذا أراد القيام. قوله [ما سألته إلا ليستبعني] لأنه لا يقوم (3) فيكلم بل يقول لي: الحق حتى أكلمك. فلما وصلت إلى بيته وقد حان الطعام لا يتركني إلا وأن آكل. ولا يبعد أن يكون معنى الآية يشير إلى فضل الإنفاق وغيره، فكان المراد أني إذا سألته عنها لا يكاد يخطئ ذهنه الثاقب مفهومها، فيعمل بمقتضاها، ويأخذني معه. لكن هذا التوجيه موقوف (4) على علم الآية بخلاف الأول.

(1) هكذا في المنقول عنه، والظاهر أنه وقع فيه تحريف وحذف، والحاصل أن الغلمة يأتون بالصحف نوبًا، كلما رفعت صحفة وضعت الأخرى بطعام غير الأول، كما هو معتاد المتنعمين في زماننا، ثم ما أفاده الشيخ من أنهم لا يأكلون مثلنا بجمع الألوان محتمل، لكن الظاهر أن تناوب الصحف أيضًا إخبار بما سيقع في المكثرين أموالاً من الأروام والأعجام فتأمل.

(2)

فيكون الاعتماد بالكبد، والشد بالحجر بيان الحالتين، وإليه أشار الحافظ بقوله: أي ألصق بطني بالأرض، وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شد الحجر على بطنه، ثم قال: أو هو كناية عن سقوطه إلى الأرض مغشيًا عليه، كما وقع في رواية أبي حازم بلفظ: فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية فذكرته، قال: فمشيت غير بعيد فخررت على وجهي من الجهد والجوع، انتهى.

(3)

هذا توضيح لما ظنه أبو هريرة لكيفية الاستتباع، يعني ظننت أنه لا يجيبني قائمًا بل يقول لي: تعال حتى أجيبك، كما هو المعتاد في أمثال هذه المواضع.

(4)

وسكت عنها شراح البخاري غير أن الحافظ حكى عن الحلية أن الآية كانت من سورة آل عمران.

ص: 295

قوله [أبو هريرة إلخ] لعل الصواب هاهنا أبا هريرة (1) وإنما وقع هاهنا مرفوعًا بتصرف الراوة والنساخ، وإلا لم يصح جواب أبي هريرة رضي الله عنه بقوله: لبيك. قوله [من أين هذا اللبن لكم] وإنما كان (2) يسأل ليعلم هل هو هدية أم صدقة، فقد كان يؤتي في بيته صلى الله عليه وسلم بالصدقات لما أنها كانت تحل للأزواج (3) المطهرات

(1) ولفظ البخاري: يا أبا هر قلت: لبيك، قال الحافظ: وفي رواية أبو هر، وفي أخر أبا هر، فأما النصب فواضح، وأما الرفع فهو على لغة من لا يعرب لفظ الكنية، أو هو للاستفهام، أي أنت أبو هر، انتهى. قلت: وعلى الأخير لا يصح جواب لبيك، بل كان حق الجواب نعم، كما لا يخفى، وإليه أشار الشيخ في كلامه.

(2)

ويؤيد ذلك ما في هبة البخاري من حديث أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام سأل عنه، فإن قيل صدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإن قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم، ويحتمل أن يكون السؤال لمعرفة المهدي ليثيبه صلى الله عليه وسلم، فكان من دأبه صلى الله عليه وسلم إثابة الهدية، ولغير ذلك من المنافع المترتبة على معرفة المهدي كما لا يخفى.

(3)

كما تقدم في هامش أبواب الزكاة عن حاشية الزيلعي، وترجم البخاري في صحيحه باب الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ: لم يترجم لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا لموالي النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يثبت عنده فيه شيء، وقد نقل ابن بطال أنهن أي الأزواج لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء، وفيه نظر، فقد ذكر ابن قدامة أن الخلال أخرج عن عائشة قالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، قال: وهذا يدل على تحريمها، قال الحافظ: إسناده إلى عائشة حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال، وقال ابن المنير: إنما أورد البخاري هذه الترجمة ليحقق أن الأزواج لا يدخل مواليهن في الخلاف، ولا يحرم عليهن الصدقة قولاً واحدًا، لئلا يظن الظان أنه لما قال بعض الناس بدخول الأزواج في الآل أنه يطرد في مواليهن فبين أنه لا يطرد، انتهى.

ص: 296

ولمواليها. قوله [ثم رفع رأسه فتبسم] ولعله صلى الله عليه وسلم اطلع (1) على ما خطر بباله. قوله [من أي حلل الإيمان شاء] أي من حلل نوع هذا الرجل، فيخير بين حلل الذين هم في منزلته عند الله بحسب أعمالهم، قوله [إلا التراب] وكان خباب (2) ذا مال (3)، فلما رأى أن عامة المسلمين قد تمولوا بكثرة الفتوح وليس لأحد منهم كثير احتياج إلى الأموال صرفه في البناء (4)، ودفع ما كان يتوهم من كونه فعل

(1) قال الحافظ: كأنه صلى الله عليه وسلم كان تفرس في أبي هريرة ما كان وقع توهمه أن لا يفضل له من اللبن شيء، فلذلك تبسم إليه إشارة إلى أنه لم يفته شيء، انتهى.

(2)

بتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت بتشديد المثناة الفوقية تميمي سي في الجاهلية وبيع بمكة، وأسلم في سنة 6 نبوية، وهو أول من أظهر إسلامه فعذب عذابًا شديدًا لذلك، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ومات سنة 37 هـ منصرف على من صفين، كذا في المرقاة، وصلى عليه على، كذا في الإصابة.

(3)

كما يدل عليه ما في رواية المشكاة من الزيادة في هذا الحديث بلفظ: ولقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أملك درهمًا، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم، الحديث.

(4)

وهو مختار المحشى إذ قال: لعله بنى مكانًا لأنه كان غنيًا، انتهى. قلت: ولفظ أحمد في مسنده: قال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به فقد طال بي مرضي، ثم قال: إن أصحابنا اللذين مضوا لم تنقصهم الدنيا شيئًا وإنا أصبنا بعدهم ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، وقال: كان يبني حائطًا له، الحديث.

ص: 297

الصحابي أنه أمر مرغوب فيه. قوله [أرأيت ما لابد منه؟ قال: لا أجر ولا وزر] إذا لم ينوبه خيرًا (1). قوله [وتصوم رمضان؟ قال: نعم] وإنما لم يسأل عن الصلاة لأن عامتهم إذا شهد بالرسالة كان يصلي. قوله [وللسائل حق] أي إن كان محتاجًا، ثم تفتيشه هذا كان ليعلم إسلامه وتقواه، فيكون إنفاقه عليه موجبًا لمزيد الأجر، وإن كان الإنفاق على كل محتاج مندوبًا.

قوله [عبد الله بن سلام] هو بالتخفيف وفي (2) اختلاف، والأكثر على أنه بالتشديد، والباقي متفق على تشديده، قوله [لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أتاه المهاجرون] أي الذين (3) كانوا قد أتوا المدينة قبله صلى الله عليه وسلم، فوجدوا أنصارًا أحسنوا إليهم ما لم يكونوا يتوقعونه، وكان المهاجرون أسخياء كرماء بيد أنهم وجدوا الأنصار فوقهم، فلذلك قالوا: إنهم يواسون إذا أقلوا، ويشركوننا إذا أكثروا.

قوله [لا ما دعوتم الله لهم إلخ] أي لا يذهبون بالأجر كله إذا جازيتموهم بالدعاء والثناء، بل تكونون شركاء في الأجر بالنية وإن كان أجرهم أكثر وأثمر.

(1) احتاج إلى هذا التوجيه لما ورد في بعض الأبنية من الأجر.

(2)

بياض في المنقول عنه، وفي الإرشاد الرضى ذكر هنا محمد بن سلام شيخ البخاري، وقال صاحب المغني: سلام كله بالتشديد إلا عبد الله بن سلام، وأبو عبد الله محمد بن سلام شيخ البخاري، وشدده جماعة، ونقله صاحب المطالع عن الأكثر، والمختار التخفيف، انتهى. ثم ذكر بعضًا آخر بالتخفيف، فارجع إليه لو شئت.

(3)

وهذا أجود مما حمل الحديث عليه القاري إذ قال: أتاه المهاجرون، أي بعد ما قام الأنصار بخدمتهم وإعطائهم أنصاف دورهم وبساتينهم إلى أن بعضهم طلق أحسن نسائه ليتزوجها بعض المهاجرين إلى أخر ما قاله، فكأنه حمل الإتيان على بعد الزمان من قدومه صلى الله عليه وسلم، وسياق الحديث يؤيد كلام الشيخ.

ص: 298

قوله [بمنزلة الصائم الصابر] في أنهما قد أتيا طاعة معروفة، وإن كان (1) أجر الصبر أوفر من أجر الشكر. قوله [بمن يحرم على النار ويحرم عليه النار] أي المضادة ثابتة من الطرفين، فلو دخل مثل هذا الرجل في النار لما أكلته، ومعنى القريب أنه لسهولة أخلاقه لا يتباعد منه الناس ولا يتوحشون منه، والهين المنقاد لكل أحد المتحمل أقوالهم وأفعالهم الذين أمروه بإتيانها، والسهل المنقاد الساعي في أمورهم وإن لم يأمروا بإتيانها إياه.

قوله [فإذا حضرت الصلاة] أي مع ذكر (2) من اشتغال صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور لم تكن تعله لعلقة غفلة عن ذكره سبحانه. قوله [يسقون من عصارة أهل النار] ظاهره (3) مشكل فإنه أهل النار لم يصلوا بعد في جهنم فمن أين حصلت عصارتهم؟

(1) لما أن الجمهور على أن فضيلة الفقر أكثر من فضيلة الشكر والغنى، ولذا اختار الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم معيشة الفقر، على أنه صلى الله عليه وسلم كان محرزًا للفضيلتين معًا كما تقدم.

(2)

هكذا في المنقول عنه، وحق العبارة أي مع ما ذكر من اشتغاله صلى الله عليه وسلم إلخ. والمعنى أن من عادة الناس أنهم إذا اشتغلوا في شيء غفلوا عن غيره كثيرًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم مع اشتغاله بما ذكر من مهنة أهله لا تعلوه غفلة عن ذكره عز اسمه، وتعلقه بهذه الأمور لا يعوقه عن الاشتغال بالصلاة في وقتها.

(3)

وأشكل أيضًا أن الحديث بظاهره يخالف قوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} وأيضًا ورد في الروايات من أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء، حتى أنهم يحشرون غرلاً، وأجاب عنه التوربشتي إلى أن أمثال الذر في حديث الباب مجاز عن غاية الحقارة، ولا يراد بها الحقيقة، وقال الطيبي: إن الله تعالى قادر على أن يعيد هذه الأجزاء في أمثال الذر، فلا مانع عن إرادة الحقيقة، انتهى. وكتب الشيخ على هامش كتابه بعد ذلك: لأن الأجزاء الأصلية هي التي تكون من النطفة وهي قليلة جدًا، ولأن التكاثف فيها ممكن، وحقق القاري أن الإعادة يكون عند إخراجهم من القبور، وبعد ذلك يمسخون في المحشر في هذه الصور تذليلاً لهم، وعلى هذا المعنى الأخير اكتفى صاحب الإرشاد الرضى، فلعله هو مختار الشيخ الأقدس.

ص: 299

إلا أن يقال: إن روحانية الأشياء بأسرها موجودة عنده سبحانه، فهي صالية بالنيران وإن لم يصل الكافرون بعد فيها، وهذا كلام قلته ولم أفهمه (1).

قوله [في صعيد واحد] هذا التقييد (2) إفادة لما هو العادة فينا من أن الطلبات إذا اجتمعت دفعة واحدة وتوفرت لانكاد الخزائن تقوم بإيفائها وإنجاحها، فرد بهذا اللفظ أن النقص لا يوجد ثمة وإن وقعت الأسئلة مرة واحدة، وفي مقام واحد، فسبحانه من إله توفرت خزائنه وتكثرت كنوزه ودفائنه. قوله [إلا كما لو أن أحدكم مر إلخ] ليس (3) المراد نسبة هذا النقصان بذاك ليعلم

(1) لعل عدم الفهم لما أن ظاهر سياق الحديث أنهم يسقون بحقيقة العصارة لأمثالها، ويمكن الجواب عن أصل الأشكال بأنهم يسقون بعد دخولهم النار، أو يقال يسقون بعصارة من سبقهم من الكفرة المردة.

(2)

وبذلك جزم الطيبي إذ قال: قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسؤول بهم، ويعسر عليه إنجاح مآربهم وإسعاف مطالبهم، انتهى.

(3)

قال الطيبي: لما لم يكن ما ينقصه المخيط محسوسًا ولا معتدًا به عند العقل بل كان في حكم العدم، كان أقرب المحسوسات وأشبهها بإعطاء حوائج الخلق كافة، فإنه لا ينقص مما عنده شيئًا، وقال ابن الملك: أو يقال إنه من باب الفرض والتقدير، يعني لو فرض النقص في ملك الله لكان بهذا المقدار، انتهى.

ص: 300

وقوع النقص ثمة وإن قل، بل المراد عدم النقص أصلاً بناء على ما هو العادة أن أرباب العرف لا يعدون ذلك النقص في البحر في شيء من مراتب النقصان، وإلا فليس ثمة نقصان وإن قل. قوله [لو لم أسمعه إلا مرة إلخ] جزاؤه «لما حدثتكموه» محذوف. قوله [إن الله قد غفر الكفل (1) إلخ] ومن ها هنا يعلم أن القتل في بني إسرائيل لم يكن توبة كل جناية، بل لجنايات معينة كالإشراك بالله.

قوله [أحدهما عن نفسه] وإن كان استنبطه من كلامه صلى الله عليه وسلم، والغرض من ذلك بيان إسراع المؤمن في التوبة لأجل أنه يستعظم الذنب فيخاف منه ما لا يخاف المنافق. قوله [أرجع إل مكاني الذي أضللتها فيه] وذلك لأن الإبل عادته أن يجلس في الموضع الذي جلس فيه مرة، فظن الرجل أن راحلتي لعلها أن تعود فتجلس حيث كنت أجلستها أولاً. قوله [كل ابن آدم خطاء (2)] أي خطاء تنافي

(1) والكفل اسم الرجل كما في جمع الفوائد برواية رزين عن ابن عمر رضي الله عنه رفعه: كان فيمن كان قبلكم رجل اسمه الكفل، وكان لا ينزع عن شيء، الحديث، وما أفاده الشيخ من القتل في بني إسرائيل توبة لهم ذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} قال السيوطي في الجلالين: كقتل النفس في التوبة وقطع أثر النجاسة، انتهى.

(2)

قال القاري: أي كثير الخطاء، أفرد نظرًا إلى لفظ الكل، وفي رواية خطاؤن نظرًا إلى المعنى، قيل: أراد الكل من حيث هو كل، أو كل واحد، وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فأما مخصوصون عن ذلك، وإما أنهم أصحاب صغائر، والأول أولى، أو يقال: الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطاء والنسيان، انتهى. قلت: والأوجه ما أفاده الشيخ، وما بعد خطأ في حقهم لا يجب أن يكون خطأ في حقنا، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولذا قالوا في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: إنه ليغان على قلبي: إنه وإن لم يكن ذنبًا لكنه بالنسبة إلى سائر أحواله العالية هبوط ونزول فناسبه الاستغفار.

ص: 301

منزلته عند الله تعالى، فدخل فيه كل الناس حتى الأنبياء، قوله [ويبتليك] أي بتلك المصيبة أو غيرها. قوله [ومكحول قد سمع] وكذلك (1) من ذكر منه أنه كان يقول هذا، ثم هو المكحول الشامي، والمكحول الأزدي قد ذكر ها هنا تبعًا واستطرادًا، والبحث إنما هو عن الشامي.

قوله [عن تميم عن عطية] هكذا يوجد في النسخ (2)، والذي يظهر

(1) حاصله أن مكحولاً الوارد في السند هو المكحول الشامي، وهو المراد في قوله: ومكحول قد سمع وائلة بن الأسقع إلخ. وهو الذي حكى عنه في السند الآتي أنه إذا يسأل عن شيء فكثيرًا ما يقول ندانم يعني يجيب في الفارسية لأنه كان من آل فارس، يقال كان من أهل كابل، وسام أبيه سهراب، كثير الإرسال عن الصحابة، والجمهور على أنه لم يسمع إلا من هذه الثلثخ، بسطه الحافظ في تهذيبه، وأما مكحول الأزدي فرجل آخر في هذه الطبقة، ذكره المصنف للتمييز، ولا يذهب عليك أن في أن النسخ الهندية التي بأيدينا من جامع الترمذي ذكر فيها شيخ الأزدي عبد الله بن عمرو بالواو، وفي النسخة المصرية وكتب الرجال ابن عمر رضي الله عنه بلا واو، فتدبر.

(2)

أي من النسخ الهندية، وأما في المصرية ففيها تميم بن عطية، ومعنى قول الشيخ من [تلاميذه] أي من تلاميذ مكحول، فقد قال الحافظ: تميم بن عطية العنسي الشامي روى عن مكحول وغيره، وعنه إسماعيل بن عياش وغيره، وروى له الترمذي أثرًا موقوفًا عليه. انتهى. ولا يذهب عليك أن ما في هامش النسخة الأحمدية من قوله نجيم بن عطية تحريف من الناسخ، ليس في رواة الستة أحد اسمه نجيم بن عطية.

ص: 302

بمطالعة كتب أسماء الرجال أنه تميم بن عطية من تلاميذه، قوله [لقد مزجت] أي كلامك [بكلمة لو مزج (1) بها ماء البحر لمزج] أي غلب (2) في المزج فإن المغالبة من خواص نصر. قوله [كانا رأي عين] مفعول (3) مطلق وفعله محذوف.

قوله [احفظ الله بحفظك] كأنها كلية تشمل جميع ما يرد (4) بعدها على ما يظهر بالتأمل.

قوله [رفعت الأقلام وجفت الصحف (5)] هذا بناء على العادة فإن الكاتب

(1) قال التوربشتي: قد حرفت ألفاظ هذا الحديث، والصواب لو مزجت بالبحر، قال الطيبي: لعل التخطية من أجل الدراية لا الرواية، إذ لا يقال مزج بها البحر بل مزجت بالبحر، وأنت خبير بأن الإيراد ساقط، أما أولاً فلأن الخلط يكون من الجانبين، فكل من الممتزجين يمتزج بالآخر، وثانيًا غرض الكلام بسياق الحديث أوضح من سياق التوربشي إذ فيه حينئذٍ إشارة إلى أن هذه الكلمة باعتبار الوزر كبيرة وعظيمة بحيث لو مزج بها البحر مع عظمه ووسعه لغلبته.

(2)

إن كانت الرواية ببناء المجهول فلا إشكال في التفسير، وإن كانت ببناء الفاعل فهو مشكل وللتأويل مساغ، وهذا كله بالسياق الذي عندنا من النسخ الهندية والمصرية بصيغة التذكير، وأما على ما حكاه صاحب المشكاة من رواية الترمذي وأحمد وأبي داود بلفظ لمزجته، وهو كذلك في رواية أبي داود بلفظ التأنيث، فالتفسير بقوله لغلبته واضح.

(3)

قال القاري: بالنصب أي يذكرنا بالنار أو الجنة حتى صرنا كأنا نرى الله، أو الجنة والنار رأي عين، فهو مفعول مطلق بإضمار نرى، وفي نسخة بالرفع على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل، أو خبر مبالغة كرجل عدل، انتهى.

(4)

والحديث جميع أجزائه أبواب التصوف.

(5)

لا يقال: إنه يخالف قوله تعالى {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} لأن المحو والإثبات أيضًا مما جفت الصحف، كذا في المرقاة.

ص: 303

ما دام قلمه رطبًا فإنه يغير ويثبت. قوله [اعقلها وتوكل] فأعلى (1) مراتب التوكل أن يباشر الأسباب ولا يعتمد عليها، ثم أن لا يباشر الأسباب، ثم لا شيء بعد ذلك، وهو أن يباشر الأسباب ويتوكل عليها. قوله [قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ] ليس (2) المراد أني لم أحفظ سوى ذلك، بل المراد أن ذلك مما حفظته منه صلى الله عليه وسلم.

قوله [لا يعدل] مفعوله (3) محذوف إفادة للإحاطة والتعميم، أي لا يعد له

(1) ولمشايخ السلوك في ذلك تفاصيل طويلة مبسوطة في كتب الفن، لا سيما في الإحياء وشروحه، وجعلوا الأسباب عدة أنواع، متيقنة ومظنونة ومتوهمة، وكذا القلوب مختلفة، تتشوش بالأشغال، ولا تتشوش بها، وجعلوا لكل باب منها جزءًا مقسومًا لا يسع تفاصيلها بل ولا إجمالها هذا المختصر، وتقدم شيء من ذلك في أول أبواب الطب.

(2)

وذلك لأن المرويات عن الحسن مرفوعًا مع التصريح بالسماع أو الرؤية عديدة ذكرت في مسند أحمد وغيره، والقصة التي أشار إليها الترمذي هي ما أخرجه أحمد في مسنده عنه قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فمي، فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعابها فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة؟ قال: إنا لا نأكل الصدقة، قال: وكان يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدقة طمأنينة، وإن الكذب ريبة، قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، الحديث.

(3)

هكذا في الأصل، والظاهر من المفعول ما ناب عن الفاعل، وعلى هذا يكون لا يعدل ببناء المجهول، كما أعرب عليه بذلك في الكتاب. وعلى ما أفاده من قوله: وممكن إرجاع الضمير يكون بصيغة المعلوم، وفي المصرية لا تعدل بالنون، وعلى هذا فحذف المفعول ظاهر، وكذلك ما في المجمع إذ قال: لا تعدل بالرعة يجوز كونه بالجزم للمخاطب، أي لا تقابل شيئًا بالورع، وكونه خبرًا منفيًا بضم تاء وفتح دال، أي لا تقابل خصلة، انتهى. ولفظ جمع الفوائد برواية رزين عن جابر: لا يعدل الورع بشيء، وفي المشكاة برواية الترمذي: لا تعدل بالتاء، وحكى القاري عن المظهر الاحتمالين المذكورين عن المجمع، ثم قال: ضبط لا يعدل بصيغة المذكر المجهول على أن الجار والمجرور نائب الفاعل، وهو ظاهر جدًا، انتهى.

ص: 304

شيء، ويمكن إرجاع الضمير إلى ما ذكر في السؤال من الاجتهاد في العبادة، لكنه على هذا يخلو عن هذا التعميم، وفضل الرعة (1) على الخصال كلها مسلم. قوله و [أنكح لله] أي لا يبالي في إنكاح ابنته، أو أخته، أو من وليها بمال أو نسب، وإنما بغيته فيه مرضاته سبحانه.

(1) بكسر الراء وتخفيف العين، أي الورع، قال المظهر: الورع أفضل من كل خصلة، وقال الراغب: الورع في عرف الشرع عبارة عن ترك التسرع إلى تناول أعراض الدنيا، وذلك ثلاثة أضرب: واجب وهو الإحجام عن المحارم، وذلك للناس كافة، وندب وهو الوقوف عن الشبهات وذلك للأوساط، وفضيلة وهو الكف عن كثير من المباحات، والاقتصار على أقل الضرورات، وذلك للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كذا في المرقاة.

ص: 305

أبواب صفة الجنة (1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قوله [في الجنة شجر يسير الراكب في إلخ] يمكن أن يكون هذا صفة شجرة منها معينة (2)، ويمكن أن تكون جميع أشجار الجنات كذلك، ولا يبعد

(1) قال القاري: الجنة البستان من الشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه، انتهى. وقال الراغب: أصل الجن ستر الشيء عن الحاسة، والجنان القلب لكونه مستورًا عن الحاسة، والجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض، قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} وقد تسمى الأشجار الساترة جنة، وسميت الجنة إما تشبيهًا بالجنة في الأرض وإن كان بينهما بون، وإما لستره نعمها عنا المشار إليها بقوله عز اسمه {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ} الآية: وقال ابن عباس: إنما قال تعالى {جَنَّات} بلفظ الجمع لكون الجنان سبعًا: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليين، انتهى. وبوب البخاري في صحيحه «ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة» قال الحافظ: أي موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة، وقد ذكر البخاري أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به، وأصرح مما ذكره في ذلك مما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله الجنة قال لجبرئيل: اذهب فانظر إليها، الحديث، انتهى.

(2)

قال ابن الجوزي: يقال إنها طوبى، قال الحافظ في الفتح: وشاهد ذلك في حديث عتبة عند أحمد الطبراني وابن حبان، فهذا هو المعتمد، خلافًا لمن قال: إنما نكرت للتنبيه على اختلاف جنسها بحسب شهوات أهل الجنة، انتهى.

ص: 306

أن يقال: إن هذه الصفة صفة نوع من أنواع أشجارها، ثم قد ورد في هذه الرواية «لا يقطعها» والرواية الثانية بعد ذلك ساكتة عن ذلك (1)، ولا بعد في حملها على هذه. وقوله فيها [وذلك الظل الممدود] يعني أن الذي وقع في الآية من قوله تعالى:{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} المراد به ظل هذه الشجرة، وكونه ممدودًا ظاهر، وإطلاق الظل عليه تشبيه (2) ومجاز، إذ لا شمس هناك ولا قمر، ولا نور يحجبه الشجر من غير هذين. قوله [وشممنا الأولاد] والمراد بالشم لازمه من التقبيل والعناق، ولا استحالة في حمله على حقيقته وإن كان فيه بعدما. قوله [لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك إلخ]

(1) أي عن عدم القطع، فيمكن حملها على ذلك، بأن يقال: إن عدم ذكر «لا يقطعها» في الحديث الآتي اختصار، ولا مانع عن تعدد الأشجار، ويمكن أن يقال: إن المقصود في الحديث الآتي بيان بسط الظلية لا تحديدها.

(2)

يعني أن الظل في العرف ما بقى من حر الشمس، وقد قال تعالى {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرً} قال القاري: قد يراد بالظل ما يقابل شعاع الشمس، ومنه ما بين ظهور الصبح إلى طلوع الشمس، ويمكن أن يكون للشجرة من النور ما يكون لما تحته كالحجاب الساتر، انتهى. قال الحافظ: قوله في ظلها أي في نعيمها وراحتها، ومنه قولهم عيش ظليل، وقيل: في ناحيتها، يقال: أنا في ظن أي في ناحيتك، وروى عن ابن عباس أن الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام من كل نواحيها، فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم اللهو، فيرسل الله ريحًا فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا، انتهى.

ص: 307

تكرار الكون فيه كتكراره (1) في قول المتنبي:

لو كن يوم جرين كن كصبرنا

يوم الرحيل لكن غير سجام

قوله [ولو لم تذنبوا إلخ] أفاد هذه الجملة أن طريان أمثال هذه الغفلات مما يعد (2) ذنبًا ويجب الاستغفار منه، وليس لبني آدم بد منه، ولو فرض ارتفاعها عنهم لخلق الله قومًا آخرين مذنبين ليظهر صفة غفرانه. قوله [يا رسول الله مم خلق الخلق] لما رأوا تلونهم وتبدلهم وقتًا فوقتًا كما بينوه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، سألوه عن مادتهم التي خلقوا منها، ليعلموا بذلك أن هذا التلون في الإنسان هل هو مادي لهم وطبيعي أم طارئ، إلا أنهم عموا السؤال فسألوا مادة الخلق أجمع، وأنت تعلم ما في الماء (3) من سرعة قبوله الأشكال وتركه لها، ويمكن أيضًا أن يكون سؤالهم هذا وقع في محل آخر. قوله [ثم قال: ثلاث لا يرد دعوتهم] فعلم قبولهم واستحقاقهم الجنة، فوجب على من أحب دخولها إحراز هذه الفضائل. قوله [يرفعها فوق الغمام] كناية (4) عن سرعة القبول فإن الغمام

(1) ويحتمل عندي أن يكون «كنتم» بمعنى بقيتم ودمتم، والحديث بمعنى ما تقدم من حديث حنظلة بلفظ: لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة، ولفظ مسلم من حديث حنظلة: لو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة.

(2)

أي في حق السائلين وهم الصحابة الكرام والنجباء العظام، وإن لم تكن ذنبًا في حق غيرهم، ويمكن أن يكون غرض الكلام ترقيًا مما سألوه، يعني هذه الغفلات ليست بذنوب، وصفة الغفارية تقتضي سبق الذنوب أيضًا فضلاً عن الغفلات.

(3)

قال القاري: قيل أي من النطفة، والظاهر أنه اقتباس من قوله تعالى {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} وذلك لأن الماء أعظم مواده، أو فرط احتياجه إليه، وانتفاعه بعينه، انتهى.

(4)

وعلى هذا فرفعه فوق الغمام يراد به رفع الدعاء بوضعه على الغمام والمشهور عند الشراح في معناه أنه يتجاوز به عن الغمام، والأوجه ما أفاده الشيخ، لأن التجاوز بالغمام لا تخصيص لها لدعوة المظلوم، بل يعم الكل، فتأمل.

ص: 308