الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجنة حتى تؤمنوا، هذه بديهية الثبوت مسلمة الفرق كلها، بقى الكلام في المقدمة التالية لها فنقول: لا ريب في أن الإيمان يوجب الحب بالإيمان، ثم بواسطته مودة المؤمنين والإخلاص معهم، ثم لذلك عوارض وموانع خارجية توجب زيادة تلك المودة أو نقصانها، ولذلك قلنا: لو قتل المؤمن من حيث إيمانه فحسب كفر لكونه ارتكب ما هو مأمور بخلافه، فعلم بقتله أنه ليس له المحبة بالإيمان في درجة من الدرجات لا قليلة ولا كثيرة، وعلى هذا فوجب السعي في ازدياد هذه المودة التي هي مناط الإيمان الموقوف عليه دخول الجنة، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على أمر لو إلخ.
قوله [فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر] فإن الحسنة بعشر أمثالها.
[باب في أن الاستيذان ثلاث]
قوله [فقال عمر واحدة] لعله رضي الله تعالى عنه كان (1) مشتغلاً في مهم له فأراد أن يدعوه إذا فرغ منه، فلم يفرغ منه إلا وقد ذهب أبو موسى لما لم يسمع بالأذن، وكان عمر رضي الله تعالى عنه مع اشتغاله بما كان قد كان تنبه بندائه حتى قال لغيره: إنه استأذن مرة واحدة، ويمكن أن يقال: إنه رضي الله تعالى عنه أراد أن يعمل بالسنة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم
(1) كما ذكره الحافظ من رواية للبخاري أن أبا موسى استأذن على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له، وكأنه كان مشغولاً فرجع أبو موسى ففزع عمر، الحديث، وفي رواية لمسلم عنه قال: استأذنت على عمر أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئت اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك، وجمع الحافظ بين مختلف ما روى عنه في هذا بأن عمر لما فرغ عن الشغل الذي كان فيه سأل عنه، فأخبر برجوعه، فأرسل إليه فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني.
فعل معه حيث إذن له بالدخول بعد ما استأذنه ثلاثًا، إلا أن أبا موسى لم يصبر بعد الثلاث فراح، فلما علم عمر رضي الله عنه بذهابه رده، وطلب منه العذر في الذهاب، فلو قال أبو موسى: إنه بدا لي أن أرجع لم يك له عليه سبيل، لكنه قال: عملت السنة أو امتثلت السنة، طلب منه شاهدًا على كون ذلك سنة، لا لأن عمر رضي الله عنه لم يكن يعتبر خبر الواحد كما زعمه (1) بعضهم، بل لما أن أبا موسى قد كان اتهم إذ ذاك، فإنه وإن كان صحابيًا إلا أنه لم يك معصومًا، فلعله قال ذلك خشية من الصولة العمرية، أو اجتهد برأيه فعبر عنه بالسنة لثبوته منها، ولئلا يجترئ كل أحد على بيان الحديث إذا رأى أمثال هؤلاء الكرام الموثوقين بم يطلب منهم البينة، وبذلك يعلم أن شهادة المتهم غير مقبولة، وأن الاستيثاق في الأخبار مستحسن.
قوله [ألستم أعلم الناس] أي من أعلم الناس، أو المراد بالناس أكثرهم ممن لم يك ملازمًا له صلى الله عليه وسلم.
(1) قال القاري: إنما أمره بذلك ليزداد فيه وثوقًا، فالعلمان خير من علم واحد لا للشك في صدق خبره عنده، وقال الطيبي: تعلق بهذا الحديث من يقول لا يحتج بخبر الواحد، وهو باطل، فإنهم أجمعوا على الاحتجاج بخبر الواحد، ووجوب العمل به ودلائلهم أكثر مما تحصى، وأما قول عمر فليس معناه رد خبر الواحد لكن خاف مسارعة الناس إلى القول على النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يقل، كما يفعله المبتدعون والكذابون، وكذا من وقع له قضية وضع فيها حديثًا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد سد الباب لا شكًا في روايته، ومما يدل على أنه لم يرد خبره لكونه خبرًا واحدًا أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى يعمل بالحديث، ومعلوم أن خبر الاثنين خبر واحد، وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر، لأن ما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد، انتهى.
قوله [ما أصابك إلخ] لأني أرويها كما ترويها، وكان مزاح (1) الصحابة رضي الله عنهم مثل أن قالوا: الآن فتضرب يا أبا موسى، إلا أن أبا سعيد كان أصغرهم فلم يكن ليسيء الأدب معه رضي الله عنه.
قول [وعليك أرجع (2) إلخ] فعلم (3) جواز الرد بتلك الكلمة أيضًا.
(1) قال الحافظ: وفي رواية أبي نضرة فقال: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الاستئذان ثلاث؟ قال: فجعلوا يضحكون، فقلت: أتاكم أخوكم وقد أفزع فتضحكون، انتهى.
(2)
بصيغة الأمر، وما أشار إليه المصنف من طول الحديث هو حديث مشهور في كتب الأحاديث بقصة صلاة المسيء، أخرجه أصحاب الروايات مختصرًا ومطولاً، واستدل به الفقهاء على واجبات الصلاة من الاعتدال وغيره.
(3)
لكن يشكل عليه أن الوارد في أكثر طرق هذا الحديث من روايات الصحاح: البخاري وأبي داود وغيرهما بلفظ: عليك السلام بتمام الكلمة، فالظاهر أن الاقتصار على قوله: وعليك من تصرف النساخ، نعم قال الحافظ بعد ما بسط الروايات في الرد على الذي بلفظ عليك أو وعليك: استدل به على أن هذا الرد مخصوص بالكفار فلا يجزئ في الرد على المسلم، وقيل: إن أجاب بالواو أجزأ وإلا فلا، وقال ابن دقيق العيد: إنه كاف في حصول معنى السلام لا في امتثال الأمر في قوله {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} وكأنه الذي بغير واو، أما الذي بالواو فقد ورد في عده أحاديث منها في الطبراني عن ابن عباس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سلام عليكم فقال: وعليك ورحمة الله، وله في الأوسط عن سلمان: أتى رجل فقال: وعليك، قال الحافظ: لكن ما اشتهرت هذه الصيغة للرد على غير المسلم ينبغي ترك جواب المسلم بها، وإن كانت مجزئة في أصل الرد، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: قال النووي: اتفق أصحابنا أن المجيب لو قال عليك بغير واو لم يجز، وإن قال بالوا فوجهان، انتهى. قلت: وقد أخرج أبو داود: ولا غرار في صلاة ولا تسليم، وفسر بوجوه منها ما في المجمع: غرار التسليم قول المجيب وعليك ولا يقول السلام، انتهى.
قوله [أولاهما بالله] ومع ذلك فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم بما هو أدب كما سيجيء من أن الراكب يسلم على الماشي الحديث، فعلم أن محمل الحديث الآتي (1) هو ما إذا التقيا.
(1) الظاهر أن فيه سقوطًا من الكاتب لأن ما أفاده الشيخ هو محمل حديث الباب عند الشراح لا محمل الحديث الآتي، ويمكن أن يكون رأي الشيخ خلافًا للشراح، فيكون معنى كلامه أن مقتضى الحديث الاتي هو التفصيل وهو الأدب، لكن مع ذلك لو بدأ من ليس عليه البداية كان أكثر أجرًا لحديث الباب، ويمكن تأويل كلام الشيخ إلى الشراح أيضًا بأن يراد بالحديث الآتي هو هذا الحديث المذكور ها هنا وإن كان بعيدًا، لا حديث الراكب يسلم على الماشي، ويوضح كلام الشيخ كما يخطر في البال أن ظاهر حديث الباب هو فضل من بدأ بالسلام أيا ما كان، راكبًا كان أو ماشيًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ومقتضى الحديث الآتي في باب تسليم الراكب هو الترتيب، فلعل الشيخ أشار بذلك إلى الجمع بينهما بأن محمل حديث الباب هو ماذا التقيا معًا في حالة واحدة كأن يكونا ماشيين أو راكبين، ومحمل حديث الترتيب ما إذا لم يكونا متساويين، قال الحافظ بعد ما بسط روايات الترتيب من تسليم القليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القائد، والصغير على الكبير، والمار على القاعد: أي سواء كان المار ماشيًا أو راكبًا، وتبقى صورة لم تقع منصوصة، وهي ما إذا تلاقى ماران راكبان أو ماشيان، وقد تكلم عليه المازري فقال: يبدأ الأدنى منهما الأعلى قدرًا في الدين إجلالاً لفضله، لأن فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، كما في حديث المتهاجرين من أبواب الأدب للبخاري، وأخرج أيضًا في الأدب المفرد بسند صحيح من حديث جابر قال: الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن الأغر المزني قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد إلى السلام، والترمذي من حديث أبي أمامة رفعه إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام، وقال: حسن، وأخرج الطبراني من حديث أبي الدرداء قلنا: يا رسول الله إنا نلتقي فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: أطوعكم لله، انتهى. كأنه أشار إلى أن محمل هذه الأحاديث هو التساوي، وإليه أشار العيني إذ قال: وإذ تساوى الملاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، انتهى، قلت: ويمكن الجمع أيضًا بأن الترتيب هو من الآداب لرعاية الحقوق، فلو بدأ بالسلام من ليس عليه البداية كان أحق بالأجر، لأن الإفشاء فيه مرغوب، وفعله يدل على كونه أحرص على الإفشاء المقصود.