المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب ما جاء مثل الصلوات الخمس - الكوكب الدري على جامع الترمذي - جـ ٣

[رشيد الكنكوهي]

فهرس الكتاب

- ‌أبواب الأطعمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في أكل الأرنب

- ‌[باب في أكل الضب

- ‌[باب في أكل الضبع

- ‌[باب الفارة تموت في السمن]

- ‌[باب ما جاء في لعق الأصابع]

- ‌[باب ما جاء في استحباب التمر]

- ‌[باب الأكل مع المجذوم]

- ‌[باب ما جاء أن المؤمن يأكل في معي واحد

- ‌[باب في طعام الواحد يكفي الاثنين]

- ‌[باب ما جاء في أكل الشواء]

- ‌[باب ما جاء، نعم الادام الخل]

- ‌[باب ما جاء في أكل البطيخ بالرطب]

- ‌كتاب الأشربة

- ‌[باب في شارب الخمر]

- ‌[باب في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة

- ‌[باب في التنفس في الإناء]

- ‌[باب ما جاء في أن ساقي القوم آخرهم شربًا]

- ‌[باب في بر الخالة]

- ‌[باب في قطعية الرحم]

- ‌[باب في حب الولد]

- ‌[باب في رحمة الولد]

- ‌[باب في النفقة على البنات]

- ‌[باب في رحمة الناس]

- ‌[باب الستر على المسلمين]

- ‌[باب في مواساة

- ‌[باب في الغيبة]

- ‌[باب في الحسد]

- ‌[باب في إصلاح ذات البين]

- ‌[باب في حق الجوار]

- ‌[باب النهي عن ضرب الخدام

- ‌[باب في أدب الولد]

- ‌[باب الشكر لمن أحسن إليك]

- ‌[باب المجالس بالأمانة]

- ‌[باب السخاء]

- ‌[باب في البخل]

- ‌[باب النفقة على الأهل]

- ‌[باب في الضيافة]

- ‌[باب الصدق والكذب]

- ‌[باب في الشتم]

- ‌[باب في فضل المملوك الصال

- ‌[باب في سوء الظن]

- ‌[باب في المزاح]

- ‌[باب في المراء]

- ‌[باب في المداراة]

- ‌[باب في الكبر]

- ‌[باب في حسن الخلق]

- ‌[باب في الإحسان والعفو]

- ‌[باب في الحياء]

- ‌[باب التأني والعجلة]

- ‌[باب خلق النبي صلى الله عليه وسلم]

- ‌[باب ما جاء في اللعن والطعن]

- ‌[باب ما جاء في كثرة الغضب]

- ‌[باب ما جاء في الصب

- ‌[باب ما جاء في العي]

- ‌[باب ما جاء في التواضع]

- ‌[باب ما جاء في الظلم]

- ‌[باب ما جاء في تعظيم المؤمن]

- ‌[باب ما جاء في التجارب]

- ‌[باب ما جاء في المتشيع بما لم يعطه]

- ‌أبواب الطب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب ما جاء في الحمية

- ‌[باب ما جاء في الدواء والحث]

- ‌[باب ما جاء في الحبة السوداء

- ‌[باب من قتل نفسه بسم أو غيره]

- ‌[باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر

- ‌[باب ما جاء في السعوط

- ‌[باب ما جاء في كراهية الكي]

- ‌[باب ما جاء في الرخصة في ذلك]

- ‌[باب ما جاء في الحجامة]

- ‌[باب ما جاء في كراهية الرقية]

- ‌[باب ما جاء في الرخصة في ذلك]

- ‌[باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين]

- ‌[باب ما جاء في الرقية من العين]

- ‌[باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ]

- ‌[باب ما جاء في الكمأة والعجوة]

- ‌[باب في كراهة التعليق]

- ‌[باب ما جاء في تبريد الحي بالماء]

- ‌[باب ما جاء في الغيلة]

- ‌[باب في دواء ذات الجنب]

- ‌[باب في العسل]

- ‌أبواب الفرائض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب ما جاء في ميراث بنت الابن مع بنت الصلب]

- ‌[باب في ميراث الإخوة من الأب والأم]

- ‌[باب في ميراث العصبة]

- ‌[باب في ميراث الجد]

- ‌[باب ميراث الجدة]

- ‌[باب في ميراث الخال]

- ‌[باب في الذي يموت وليس له وارث]

- ‌[باب في إبطال الميراث بين المسلم والكافر]

- ‌[باب الميراث للورثة والعقل على العصبة]

- ‌[باب في الرجل يسلم على يدي الرجل]

- ‌[باب من يرث الولاء]

- ‌أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في الحث على الوصية]

- ‌[باب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوص]

- ‌[باب في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت]

- ‌[باب الولاء لمن اعتق]

- ‌[باب في حث النبي صلى الله عليه وسلم على الهدية]

- ‌[باب ما جاء في التشديد

- ‌[باب في الشقاء والسعادة]

- ‌[باب أن الأعمال بالخواتيم]

- ‌[باب ما جاء كل مولود يولد على الفطرة]

- ‌أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب لا يحل دم امرئ مسلم]

- ‌[باب لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا]

- ‌[باب من صلى الصبح فهو في ذمة الله]

- ‌[باب في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر]

- ‌[باب في تغيير المنكر باليد

- ‌[باب أفضل الجهاد

- ‌[باب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا في أمته]

- ‌[باب الرجل يكون في الفتنة]

- ‌[باب لتركبن سنن من كان قبلكم]

- ‌[باب في انشقاق القمر]

- ‌[باب في الخسف]

- ‌[باب في خروج يأجوج ومأجوج]

- ‌[باب في صفة المارقة]

- ‌[باب فتنة القاعد فيها خير من القائم]

- ‌[باب في الهرج

- ‌[باب في أشراط الساعة]

- ‌[باب في قتال الترك]

- ‌[باب في الخلفاء]

- ‌[باب ما جاء أن الخلفاء من قريش

- ‌[باب في المهدي]

- ‌[باب في نزول عيسى]

- ‌[باب ما جاء في الدجال

- ‌[باب من أين يخرج الدجال]

- ‌[باب في ذكر ابن صياد

- ‌[باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات]

- ‌[باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من رآني في المنام

- ‌[باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع]

- ‌[باب الذي في يكذب في حلمه

- ‌[باب ما جاء في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في الميزان والدلو]

- ‌أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في ذكر الموت]

- ‌[باب ما جاء في إنذار النبي صلى الله عليه وسلم قومه]

- ‌[باب في قلة الكلام]

- ‌[باب ما جاء في هوان الدنيا]

- ‌[باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر]

- ‌[باب فقر]

- ‌[باب في أعمال هذه الأمة]

- ‌[باب في تقارب الزمن]

- ‌[باب في قصر الأمل]

- ‌[باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان

- ‌[باب في الزهادة في الدنيا]

- ‌[باب في فضل الفقر

- ‌[باب ما جاء في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم]

- ‌[باب في الرياء والسمعة]

- ‌[باب المرأ مع من أحب

- ‌[باب في البر والإثم]

- ‌[باب الحب في الله]

- ‌[باب في إعلام الحب]

- ‌[باب في كراهية المدحة والمداحين]

- ‌[باب في الصبر على البلاء]

- ‌[باب في ذهاب البصر]

- ‌[باب في حفظ اللسان]

- ‌[باب ما جاء في شأن الحشر]

- ‌[باب ما جاء في شأن الصراط]

- ‌[باب ما جاء في الشفاعة]

- ‌[باب ما جاء في صفة أواني الحوض

- ‌[باب في صفة غرف الجنة]

- ‌[باب في صفة نساء أهل الجنة]

- ‌[باب في صفة ثياب أهل الجنة]

- ‌[باب صفة طير الجنة]

- ‌[باب في صفة خيل الجنة]

- ‌[باب في كم صف أهل الجنة]

- ‌[باب في سوق الجنة]

- ‌[باب في احتجاج الجنة والنار]

- ‌أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب ما جاء أن للنار نفسين

- ‌[باب الحياء من الإيمان]

- ‌[باب في حرمة الصلاة]

- ‌[باب في ترك الصلاة]

- ‌[باب في علامة المنافق]

- ‌[باب سباب المسلم فسوق]

- ‌[باب في من يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله]

- ‌[باب افتراق هذه الأمة]

- ‌أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب في ذهاب العلم]

- ‌[باب في الحث على تبليغ السماع]

- ‌[باب فيمن روى حديثًا وهو يرى أنه كذب]

- ‌[باب الرخصة في ذلك]

- ‌[باب ما جاء الدال على الخير كفاعله]

- ‌[باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة]

- ‌[باب في فضل الفقه على العبادة]

- ‌[باب في إفشاء السلام]

- ‌[باب في أن الاستيذان ثلاث]

- ‌[باب في كراهية إشارة اليد في السلام]

- ‌[باب ما جاء في التسليم على النساء]

- ‌[باب في كراهية التسليم على الذي]

- ‌[باب السلام على مجلس فيه مسلمون وغيرهم]

- ‌[باب التسليم عند القيام والقعودي

- ‌[باب الاستيذان قبالة البيت]

- ‌[باب في كراهية التسليم على من يبول]

- ‌[باب في كراهية أن يقول: عليك السلام]

- ‌[باب في المصافحة]

- ‌[باب في تشميت العاطس]

- ‌[باب ما جاءكم يشمت العاطس]

- ‌[باب في إعفاء اللحية]

- ‌[باب ما جاء في حفظ العورة]

- ‌[باب الرجل أحق بصدر دابته]

- ‌[باب الرخصة في اتخاذ الأنماط]

- ‌[باب في ركوب ثلاثة على دابة]

- ‌[باب في نظرة الفجاءة]

- ‌[باب في كراهية اتخاذ القصة]

- ‌[باب في كراهية خروج المرأة متعطرة]

- ‌[باب ما جاء في حفظ العورة]

- ‌[باب في النظافة]

- ‌[باب مام جاء في الاستتار عند الجماع]

- ‌[باب في دخول الحمام]

- ‌[باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر الرجال]

- ‌[باب في العدة]

- ‌[باب في فداك أبي وأمي]

- ‌[باب ما جاء في يا بني]

- ‌[باب ما يكره من الأسماء]

- ‌[باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته]

- ‌[باب ما جاء في إنشاد الشعر]

- ‌[باب ما جاء في الفصاحة والبيان]

- ‌أبواب الأمثال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[باب مثل النبي والأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين]

- ‌[باب ما جاء مثل الصلوات الخمس

الفصل: ‌[باب ما جاء مثل الصلوات الخمس

من امتحان (1) الرجل صاحبه إذا لم يقصد بذلك إهانته، وقول عمر رضي الله عنه: لأن تكون إلخ إشارة إلى أن مسرة الرجل يعلو أحد من أقاربه وأوليائه لا شناعة فيه إذا كان لأمر ديني، وإنما هو من مسرة بمنة من الله تعالى وإحسانه على من يدانيه.

‌[باب ما جاء مثل الصلوات الخمس

إلخ] اختلفوا في أن المغفور بالطاعات هل هي الصغائر من الذنوب أم كبائرها أيضًا، فقال أكثرهم (2): هي الصغائر فقط ولا يغتفر الكبائر إلا بالتوبة والاستغفار، وقال بعضهم (3): إنها الكبائر

(1) ولذا بوب عليه البخاري في صحيحه ((باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم)) انتهى.

(2)

قال الطيبي: إن الشارحين اتفقوا عليه، وهكذا ذكر النووي والقرطبي في شرح مسلم، كذا في الشامي، وبه جزم القارئ والعيني وحكيًا عن ابن عبد البر الإجماع على ذلك بعد ما حكى في تمهيده عن بعض معاصريه أن الكبائر والصغائر تكفرها الصلاة والطهارة لرواية البخاري وغيره: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصوم، الحديث. ولرواية الصنابحي: إذا توضأ خرجت الخطايا من فيه، الحديث. ثم رد عليه بأنه جهل وموافقة للمرجئة في قولهم: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب. وهو مذهب باطل بإجماع الأمة، انتهى. وفي الدر المختار: قال عياض: أجمع أهل السنة أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، ولا قائل بسقوط الدين ولو حقًا لله، كدين صلاة وزكاة، نعم إثم المطل وتأخير الصلاة ونحوها يسقط، وهذا معنى التكفير على القول به، انتهى.

(3)

ففي الدر المختار: هل الحج يكفر الكبائر، قيل: نعم كحربي أسلم، وقيل: غير المتعلقة بالآدمي كذمي أسلم، ثم حكى عن عياض الإجماع المذكور قبل، وتقدم ما حكاه ابن عبد البر عن معاصريه، قال ابن عابدين: وفي شرح اللباب: مشى الطيبي على أن الحج يهدم الكبائر والمظالم، ووقع منازعة بين أمير بادشاه من الحنفية حيث مال إلى قول الطيبي، وبين ابن حجر المكي حيث مال إلى قول الجمهور، قال: وظاهر كلام ابن الهمام الميل إلى تكفير المظالم أيضًا، وعليه مشى الإمام السرخسي، وعزاه المناوي إلى القرطبي، انتهى.

ص: 450

والصغائر حتى حقوق العباد أيضًا كالحج، واستدلوا على ما ذهبوا إليه برواية ابن ماجة (1)

(1) ولفظها: حدثنا أيوب بن محمد الهاشمي، ثنا عبد القاهر بن السري السلمي، ثنا عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرادس السلمي، أن أباه أخبره عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب أني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فأني آخذ للمظلوم منه، قال: أي رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: تبسم، فقال أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي أضحكك؟ أضحك الله سنك، قال: إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي، أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه، انتهى بلفظه. وفي القول المسدد: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في زيادات المسند له: ثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، ثنا عبد القاهر بن السري، إلى آخر ما تقدم عن ابن ماجة، ثم قال: وحديث العباس هذا قد أخرجه أبو داؤد (أي مختصرًا قصة الضحك فقط) فقال: حدثنا عيسى بن إبراهيم وسمعته من أبي الوليد، وأنا لحديث عيسى أحفظ، قالا: أخبرنا عبد القاهر بن السري -يعني السلمي- ثنا ابن كنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده، قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر وعمر: أضحك الله سنك، وساق الحديث، انتهى كلام أبي داؤد، ولم يذكر في الباب غيره وسكت عليه فهو صالح عنده، وأخرجه أيضًا الطبراني من طريق أبي الوليد وعيسى ابن إبراهيم جميعًا بتمامه، وأخرجه أيضًا من طريق أيوب بن محمد (أي بسند ابن ماجة).

ص: 451

وإن كانت ليست بذاك (1) لما ورد (2) لها من المتابعات والشواهد، وهي

(1) هو من ألفاظ التضعيف، يعني والرواية المذكورة وإن كانت ضعيفة حتى أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وأعلها بكنانة، فإنه منكر الحديث جدًا، ورد عليه الحافظ في مؤلف سماه ((قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج)) قال فيه: حكم ابن الجوزي على هذا الحديث بأنه موضوع مردود قال الذي ذكره لا ينتهض دليلاً على كونه موضوعًا، وقد اختلف قول ابن حبان في كنانة فذكره في الثقات، وذكره في الضعفاء، وذكر ابن مندة أنه قيل: إن له رؤية من النبي صلى الله عليه وسلم، وولده عبد الله فيه كلام ابن حبان أيضًا، وكل ذلك لا يقتضي الحكم بالوضع، بل غايته أن يكون ضعيفًا، ويعتضد بكثرة طرقه، انتهى. وفي الدر المختار: حديث ابن ماجة ضعيف، وفي الدراية. أشار ابن حبان في ترجمة كنانة من الضعفاء إلى ضعف هذا الحديث، وقال البخاري: لا يصح، انتهى.

(2)

دليل لقوله: استدلوا، يعني أن الحديث وإن كان ضعيفًا لكنهم استدلوا بذلك لما له من المتابعات والشواهد، ففي ((إنجاح الحاجة)) بعد ما تقدم من قول الحافظ رادًا على ابن الجوزي: وكل ذلك لا يقتضي الحكم بالوضع، بل غايته أن يكون ضعيفًا ويعتضد بكثرة الطرق، وهو بمفرده يدخل في حد الحسن على رأي الترمذي، ولا سيما بالنظر في مجموع طرقه، وقد أخرج أبو داؤد طرفًا منه وسكت عليه، فهو صامح عنده، وأخرجه الحافظ غياث الدين المقدسي في الأحاديث المختارة ما ليس في الصحيحين، وقال البيهقي بعد أن أخرجه في شعب الإيمان: هذا الحديث له شواهد كثيرة قد ذكرناها في كتاب البعث، فإن صح شواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله تعالى:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وظلم بعض بعضًا دون الشرك، وقد جاء لهذا الحديث شواهد في أحاديث صحاح، انتهى. وفي ((القول المسدد)): قد وجدت له شاهدًا قويًا أخرجه أبو جعفر بن جرير في التفسير من طريق عبد العزيز بن أبي داؤد عن نافع عن ابن عمر، فساق حديثًا فيه المعنى المقصود من حديث العباس، وهو غفران جميع الذنوب لمن شهد الموقف، وأورد ابن الجوزي الطريق المذكورة أيضًا، وأعلها ببشار بن بكير الحنفي راويها عن عبد العزيز فقال: إنه مجهول، قال الحافظ: ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا، وقد تابعه عبد الرحيم بن هاني الغساني، فرواه عن عبد العزيز نحوه، وهو عند الحسن بن سفيان في مسنده، فالحديث على هذا قوي لأن عبد الله بن كنانة لم يتهم بالكذب، وقد روى حديثه من وجه آخر، وليس ما رواه شاذًا، فهو على شرط الحسن عند الترمذي، ثم وجدت له طريقًا أخرى من وجه آخر بلفظ آخر، وفيه المعنى المقصود، وهو عموم المغفرة لمن شهد الموقف، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ومن طريقه أخرجه الطبراني في معجمه عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عنه عن معمر عمن سمع قتادة يقول: حدثنا خلاس بن عمرو، عن عبادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: أيها الناس إن الله عز وجل قد تطول عليكم في هذا اليوم، فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، فلما كان يجمع قال: إن الله غفر لصالحيكم وشفع صالحيكم في طالحيكم، الحديث. رجاله ثقات إثبات معروفون إلا الواسطة بين معمر وقتادة، ومعمر قد سمع عن قتادة غير هذا، لكن بين ها هنا أنه لم يسمعه إلا بواسطة، لكن إذا انضمت هذه الطريق إلى حديث ابن عمر عرف أن لحديث عباس بن مرداس أصلاً، ثم وجدت لأصل الحديث طريقًا أخرى أخرجها ابن مندة في الصحابة من طريق ابن أبي فديك عن صالح بن عبد الله بن صالح عن عبد الرحمن بن عبد الله بن زيد عن أبيه، عن جده زيد، قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة فقال: يا أيها الناس! إن الله قد تطول عليكم في يومكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، وغفر لكم ما كان منكم، وفي رواة هذا الحديث من لا يعرف حاله، إلا أن كثرة الطرق إذا اختلفت المخارج تزيد المتن قوة، انتهى كلام الحافظ. وفي ((التعقبات على الموضوعات)) للسيوطي: حديث العباس أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد؟ ؟ ؟ ، وابن ماجة والبيهقي في سننه، وصححه الضياء المقدسي في المختارة، وأبو داؤد طرفًا منه، وسكت عليه، فهو عنده صالح، وقال البيهقي: له شواهد كثيرة، وحديث ابن عمر أخرجه ابن جرير في تفسيره، والحسن بن سفيان في مسنده، وأبو نعيم في الحلية، وحديث عبادة أخرجه عبد الرزاق في مسنده، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات إلا أن فيه مبهمًا لم يسم، فإن كان ثقة فهو على شرط الصحيح، وإن كان ضعيفًا فهو عاضد للمسند المذكور، وقد ورد الحديث من حديث أنس أخرجه ابن منيع وأبو يعلى في مسنديها، وزيد جد عبد الرحمن أخرجه ابن مندة في الصحابة، وله شاهد مرسل أخرجه مسدد في مسنده ورجاله ثقات، انتهى. قال ابن عابدين: والحاصل أن حديث ابن ماجة وإن ضعف فله شواهد تصححه، والآية تؤيده، ومما يشهد له أيضًا حديث البخاري مرفوعًا: من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وحديث مسلم مرفوعًا: إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله، لكن قال الأكمل: إن الهجرة والحج لا يكفران المظالم، إلى آخره. قلت: = وسيأتي من الشواهد الدالة على عموم الغفران قريبًا، وقاله القسطلاني في حديث البخاري مرفوعًا: من حج لله فلم يرفث، الحديث: هو يشمل الصغائر والكبائر والتبعات، قال الحافظ ابن حجر وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك، انتهى.

ص: 452

أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج استغفر لأمته في عرفات، فاستجيب له فيهم إلا الحقوق التي لهم فيما بينهم، ثم استغفر لهم ثانيًا في المزدلفة فاستجيب له في ذنوب أمته صلى الله عليه وسلم

ص: 453

صغائرها وكبائرها من حقوقه تعالى عليهم وحقوقهم فيما بين أنفسهم، والإيراد

ص: 454

بأن العفو عن الظالم ظلم على المظلوم، وإن كان منًا على الظالم ساقط، فإن الله تعالى لا يغفر لهم إلا بعد أن يعد للمظلومين أجورًا ونعمًا حذاء من عند نفسه، ولكن الاستدلال لا يتم بعد، فإن المقصود -وهو أن الحج يغتفر فيه الحقوق بأسرها وتنمحي الذنوب عن آخرها- لم يثبت (1) بعد، إذ غاية ما ثبت بهذه الرواية

(1) إلا أن عموم الروايات الكثيرة تدل على ذلك كما سيأتي في كلام الشيخ أيضًا، وقد تقدم ذكر بعضها، وفي الترغيب عن أبي هريرة مرفوعًا: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، رواه الشيخان والنسائي وابن ماجة والترمذي، إلا أنه قال: غفر له ما تقدم من ذنبه، وعنه مرفوعًا: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، رواه مالك والستة إلا أبا داؤد، وعن ابن مسعود مرفوعًا: تابعوا بين الحج، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، ورواه ابن ماجة والبيهقي من حديث عمر، وعن عبد الله بن جراد مرفوعًا: حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن، رواه الطبراني في الأوسط، وعن أبي هريرة مرفوعًا: يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج، رواه البزار والطبراني في الصغير، وعن سهل بن سعد مرفوعًا: ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدًا أو حاجًا مهللاً أو ملبيًا، إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها، رواه الطبراني في الأوسط، وعن عائشة مرفوعًا: من خرج في هذا الوجه لحج أو عمرة فمات لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له: ادخل الجنة! رواه الطبراني وأبو يعلى والبيهقي والدارقطني، وعن جابر مرفوعًا: من مات في طريق مكة ذاهبًا أو راجعًا لم يعرض ولم يحاسب أو غفر له، وغير ذلك من الروايات.

ص: 455

المأخوذة عن ابن ماجة أن ذنوب الأمة قبلت فيها شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة فغفرت، وأما أن كل من حج فإنه يغفر له كل ذنب وإثم وما عليه من حقوق الله وحقوق العباد فغير ثابت (1) إلا أن يعتذر عن المستدلين بأنهم لم يريدوا بذلك إقامة على أن الحج يغتفر فيه جميع ذلك بهذه الرواية، بل الذي أراده أصحاب الاستدلال أن العفو عن حقوق العباد سائغ، وليس بظلم، فلما ظهر بالرواية جواز الصفح عنها وقد وردت في أكثر العبادات كالحج وصلاة التسبيح وغيرها صيغ ظاهرها العموم تحمل على

(1) لكن العمومات المتقدمة تعم كل من حج، وقد ورد نصًا، قال ابن عابدين: وروى ابن المبارك أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الله قد غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات، فقام عمر فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر: كثر خير ربنا وطاب، قلت: هذا الحديث ذكره ابن الهمام مفصلاً، فقال: قال الحافظ المنذري: روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير ابن عدي عن أنس بن مالك قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، الحديث، وفي موطأ مالك عن طلحة بن عبيد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما رئى الشيطان يومًا هو أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذلك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عز وجل عن الذنوب العظام إلا ما رئى يوم بدر، انتهى.

ص: 456

العموم ولا يخص منه الكبائر، والمراد عند الأولين بهذه الصيغ خاص، فكل ذنب هو باعتباره في نفسه كبيرة أو صغيرة، فهو بنسبته إلى ما فوقه أو تحته صغيرة أو كبيرة، هذا ولعل الحق (1) الذي لا ينبغي أن يعدل عنه أن الطاعات والعبادات بأسرها تتفاوت بتفاوت القائمين بها إلى مراتب لا تحصى، فكم من (2) نائم له عند الله أعلى منزلة ومقام، ورب قائم في جوف (3) الليل ليس له من قيامه

(1) فلله دره ما أجاد في الجمع بين الروايات والعمومات والأصول والخصوص، وعلى هذا فلا يخالفه شيء من الآيات والروايات، كيف لا وهو الحامل رايات التحقيق والرافع ألوية التدقيق، لسان الحقائق الإلهية والمعارف الربانية، رحمه الله تعالى ومن تبعه رحمة واسعة متزايدة إلى يوم القيامة.

(2)

ففي المشكاة برواية مالك وأبي داؤد والنسائي عن معاذ مرفوعًا: الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة وباسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهته أجر كله، الحديث. وروى هذا المعنى في روايات أخر، وكذا ما ورد في أبي داؤد: من يكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته، وكذا ما ورد في روايات: هن يمنعه المرض عما يعتاده يكتب له، وفي الرحمة المهداة برواية الحلية عن سلمان مرفوعًا: نوم على علم خير من صلاة على جهل، وغير ذلك مما في الباب.

(3)

وقد ورد مرفوعًا، ففي المشكاة برواية الدارمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر، قال المنذري: رواه ابن ماجة والنسائي وابن خريمة في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري، ولفظهما: رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر، انتهى.

ص: 457

غير ترك الهجوع والمنام، وإذا كان كذلك كانت العبادات ليس حكمها بأسرها واحدًا (1) بل البعض منها ترك العبد كيوم ولدته أمه إذا ندم فيها على ما فرط في جنب الله، وتحسر على ما اكتسبته في سالف زمانه يداه، والبعض منها لا توجب إلا مغفرة صغائرها لا كبائرها، ولا عجب في أن البعض تورث له وبالاً ويحق على العبد معتبة ونكالاً، فقد ورد (2) أن الصلاة إذا لم يحافظ عليها المصلي وإن أدى أركانها وشرائطها، فإنها تدعو على المصلي وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، إلى غير ذلك من الروايات، وفي حديث الباب إشارة إلى ما قلنا،

(1) فقد أخرج أبو داؤد بسنده عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها، قال المنذري: رواه أبو داؤد والنسائي وابن حبان في صحيحه بنحوه، وعن أبي اليسر مرفوعًا: منكم من يصلي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلي النصف، والثلث، والربع، والخمس، حتى بلغ العشر، رواه النسائي بإسناد الحسن، واسم أبي اليسر كعب بن عمرو السلمي شهد بدرًا.

(2)

قال المنذري: روى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى الصلوات لوقتها، وأسبغ لها وضوءها، وأتم لها قيامها وخشوعها، وركوعها وسجودها، خرجت وهي بيضاء مسفرة تقول: حفظك الله كما حفظتني، ومن صلاها لغير وقتها، ولم يسبغ لها وضوءها، ولم يتم لها خشوعها، ولا ركوعها ولا سجودها، خرجت وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما يلفت الثوب الخلق ثم ضرب بها وجهه، رواه الطبراني في الأوسط، وروى عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: ما من مصل إلا وملك عن يمينه وملك عن يساره، فإن أتمها عرجا بها، وإن لم يتمها ضربا بها على وجهه.

ص: 458

فإن النبي صلى الله عليه وسلم شبه (1) الصلاة بالغسل، وأنت تعلم ما في مراتب الغسل من التفاوت، فمن غاسل ليس له غير سقوط الفرض عنه لو جنبًا، وغير البرد لو طاهرًا، ومن غاسل يهتم باغتساله بالماء الحار والصابون والأشنان إلى غير ذلك من الأسباب، وآخر منهم يدخل في الحمام فلا يخرج في أقل من نصف يوم، أفتراهم تساووا في تحصيل النظافة ونقاء البدن؟ لا والله! ولعلك تتوهم أن المرتبة الأخيرة من المشبه لا يتحصل في المشبه به، فإن شيئًا من صنوف الغسل لا يوجب تلوثًا وتلطخًا له، كما في المشبه من إيراث صلاته سخطًا عليه ومقتًا من الله عز وجل، قلنا: هذا غير بعيد فإن السؤال قد نشأ من عدم الممارسة بحياض الأعراب، وغدران الفلوات، فإنها لطول مكث المياه وكثرة ورود الحمير والبغال والجواميس والجمال، لا تورث شيئًا من النظافة بل ضده، وإن حكم الفقيه بطهارتها على حسب الشرع الشريف سيما على مذهب الشافعية والمالكية رحمهم الله تعالى، فإنه يعد غاسلاً باغتساله فيها، ولم يحصل له برد الجسم ولا سرور القلب، فكيف بإزالة الوسخ والدرن، والحمد لله ذي الأنعام والمنن، وفقنا الله بأداء طاعاته على حسب مرضاته، وأجارنا عن وساوس الشيطان ونزغاته، وأحلنا دار كراماته بمحض ألطافه وعناياته، إنه كريم جواد، وبيده مقاليد الضلال والسداد، وهو مالك أزمة الرشاد، وأنامله قابضة على أفئدة العباد، يصرفه (2) كيف شاء على الصلاح والفساد.

(1) إن كان لفظ المثل بفتح الميم وفتح المثلثة فتشبيه الصلاة بالغسل الطاهر، وإن ضبط بكسر الميم وسكون المثلثة -وبالاحتمالين ضبطه القسطلاني وغيره من شراح الحديث- فالظاهر تشبيه الغسل بالصلاة، لكنه في الحقيقة تشبيه الصلاة بالغسل إذ ذاك أيضًا، عكس في اللفظ مبالغة، قال القارئ: عكس في التشبيه حيث أن الأصل تشبيه المعقول بالمحسوس مبالغة، انتهى.

(2)

فقد روى عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلوب بني آدم كلها بين اصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك. كذا في المشكاة عن مسلم، قلت: وقد تقدم معناه برواية أنس عند المصنف.

ص: 459

قوله [مثل أمتي مثل المطر إلخ] ذهب ابن عبد البر (1) إلى ظاهره فقال: لا يمتنع أن يكون في آخر الأمة من يفضل على بعض الصحابة رضي الله عنهم، والجمهور على خلافه، ولهم روايات كثيرة تثبت مرامهم، منها قوله (2) صلى الله عليه وسلم: خير القرون قرني إلخ، ومنها ما ورد (3): لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدهم أو نصيفه،

(1) فقد قال الحافظ تحت حديث القرون: اقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر، والذي يظهر أن من قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم أو في زمانه بأمره أو أنفق شيئًا من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنا من كان، وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحت، والأصل في ذلك قوله تعالى:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} الآية. واحتج ابن عبد البر بحديث: مثل أمتي مثل المطر، الحديث، وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة، وأغرب النووي فعزاه في فتاواه إلى مسند أبي يعلى من حديث أنس بإسناد ضعيف مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس وصححه من حديث عمار، انتهى. ثم ذكر الحافظ مستدلات ابن عبد البر والأجوبة عنها، سيأتي تمامها في أبواب المناقب.

(2)

قال الحافظ في مبدأ الإصابة: تواتر عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» انتهى.

(3)

ذكر الشيخ الرواية بالمعنى، وقد وردت بطرق عديدة وألفاظ مختلفة ذكرها السيوطي تحت قوله عن اسمه:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} الآية. والمشهور منها ما أخرجه ابن أبي شيبة والشيخان وأبو داؤد والترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا تصيفه» انتهى.

ص: 460

أو كما قال، فلما كان كذلك تعارضت الأخبار لا محالة، والجواب أن روايات فصل الصحابة ناطقة على فضلهم الكلي نسبة إلى من بعد، وأما رواية الباب فإنما المراد بها الفضيلة الجزئية، ولا يبعد أن يكون في آخر الأمة من يربو على الأولين بصفة لم تكن فيهم، فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا دون في أيامهم من المسائل الشرعية والأصول الفقهية ما دون في أيام الفقهاء المجتهدين رضي الله عنهم، فلا ضير في أن يحكم بأن هذا الزمان أفضل من ذاك في هذه الفضيلة، ولا يلزم بذلك إساءة أدب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى يوم القيام، ولا تفضيل لهؤلاء عليهم حتى يرد مخالفة الآثار المروية في إثبات فضل هؤلاء العظام، وفي حديث الباب إشارة إلى ما قلنا، فإن التشبيه لما وقع بالمطر كان أول الأمة كأوله وآخرها كآخره، ولا يخفى على من له أدنى ممارسة بعاداته سبحانه بأصحاب الزراعة أن ماء الربع (1) إنما هو أول المطر فلا يمكن أن يبذر في الأرض فتنبت من غير مطر، وأما إذا مطر السماء أولاً فإن الزرع قد تنبت ثم بعد ذلك قد يفيد المطر وقد يضر، وثم وثم، فلا ضير في أن يفضل بعض من الأمطار الآخرية على الأمطار الأولية، ولو حمل مقال ابن عبد البر على تقريرنا لكان موافقًا للجمهور، قلت: ولا يبعد (2) أن يقال: إن

(1) كذا في الأصل، والصواب على الظاهر الربيع.

(2)

وبهذا التوجيه جزم بعض من سلف أيضًا، وعلى هذا فيكون المراد بحديث المطر المشعر بالتردد من بعد القرون الثلاثة المقطوعة بخيريتهم أو من بعد الصحابة.

ص: 461

المراد بالأول ليس هو الأول الحقيقي حتى يراد بأول المطر الصحابة الكرام، ومن وردت فيهم الأخبار بل المراد بالأول من بعد هؤلاء، ولعل في التشبيه إشارة إلى ذلك إذ الأول الحقيقي من المطر إنما هو نفع محض وخير بحت فلا يحسن الترديد فيه، بل المشبه (1) هو المطر الذي دار في كونه نافعًا وضارًا كما أن الناس بعد القرون الثلاثة كذلك.

قوله [ورمى بحصاتين] إحداهما وراء الأخرى، ولما كان كل منهما مع ذلك قريبًا منه صلى الله عليه وسلم صح الإشارة إليهما بلفظ موضوع لمرتبة واحدة من القرب والبعد.

قوله [إنما الناس كابل مائة] على التوصيف بتنوين اللفظين معًا، والمراد الكمال (2) في أي صفة أخذت، فالمسلمون في جنب الكفار كذلك، والعلماء في الجهلاء والمقبولون في العوام كذلك إلى غير ذلك من الخلال الحسنة.

(1) كذا في الأصل، والصواب على الظاهر المشبه به.

(2)

هذا هو الصحيح المشهور في معناه عند عامة الشراح، قال القارئ: لا تكاد تجد فيها راحلة، أي ناقة شابة قوية مرضاة تصلح للركوب، فكذلك لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة وحمل المودة وركوب المحبة، فيعاون صاحبه ويلين له جانبه، وقال الخطابي: معناه أن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كابل المائة لا يكون فيها راحلة، قال الطبي: على القول الأول (لا تجد فيها راحلة) صفة لا بل، والتشبيه مركب تمثيلي، وعلى الثاني هو وجه الشبه وبيان لمناسبة الناس للإبل، قال القارئ: ولا يخفى ظهور المعنى الأول، وذكر المائة للتكثير لا للتحديد، فإن وجود العالم العامل المخلص من قبيل الكيمياء أو من باب تسمية العنقاء، قلت: ما حكى القارئ عن الخطابي لم يجزم الخطابي بذلك بل ذكره قولاً كما حكى عنه الحافظ إذ قال: قال الخطابي: تأولوا هذا الحديث على وجهين: أحدهما أن الناس في أحكام الدين سواء كما تقدم، والثاني أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدًا، فهم بمنزلة الراحلة، قال الحافظ: وأورد البيهقي هذا الحديث في كتاب القضاء في تسوية القاضي بين الخصمين أخذًا بالتأويل الأول، ونقل عن ابن قتيبة في معنى الحديث أن الناس في النسب كالإبل المائة التي لا راحلة فيها فهي مستوية، وقال الأزهري: الراحلة عند العرب الذكر النجيب والأنثى النجيبة والهاء فيها للمبالغة، قال: وقول ابن قتيبة غلط، والمعنى أن الزاهد في الدنيا الكامل فيه الراغب في الآخرة قليل، قال النووي: هذا أجود، وأجود منهما قول الآخرين أن المرضى الأحوال من الناس الكامل الأوصاف قليل، قال الحافظ: والعموم أولى، وقال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم، ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة، وأشار ابن بطال إلى أن المراد بالناس في الحديث من يأتي بعد القرون الثلاثة، انتهى، قلت: وقد عرفت أن كلام الشيخ يعم هذه الأقاويل أكثرها بل كلها ما خلا القولين الذين مؤداهما التسوية.

ص: 462

قوله في حديث (1) سعيد بن عبد الرحمن المخرومي [عن سالم عن ابن عمر إلخ]

(1) ليس هذا بيان القول بل محله، وبيان القول (عن سالم) يعني قول المصنف عن سالم عن ابن عمر الذي وقع في حديث سعيد، ثم حاصل ما أفاده الشيخ في تقرير هذا القول أن قوله: عن سالم إلخ بعد قوله راحلة غير مربوط على الظاهر، فوجهه الشيخ بأن المصنف أحال أولاً هذا الحديث على الحديث السابق بقوله: بهذا الإسناد نحوه، ونبه على لفظ متن الروايتين بقوله (لا تجد) على أن الحديث السابق كان بلفظ الغائب، وهذا بلفظ الخطاب، ثم أراد المصنف أن يتم الإسناد الذي اختصره أولاً، فقال: عن سالم إلخ، فقوله: عن سالم، موصول بقوله: عن الزهري المتقدم على قوله: بهذا الإسناد، وهذا غاية توجيه الكلام عن الشيخ للنسخ الموجودة بأيدينا والظاهر عندي أنه من تصرف النساخ، جمع الكاتب ها هنا النسختين اللتين كانت إحداهما على الحاشية، والأخرى في المتن، كما يدل عليه علامة النسخة، ويدل عليه أيضًا سياق النسخة المصرية، وهو هكذا: حدثنا سعيد ابن عبد الرحمن المخزومي، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري بهذا الإسناد نحوه، وقال: لا تجد فيها راحلة، أو قال: لا تجد فيها إلا راحلة، انتهى. وليس فيها ذكر عن سالم إلخ، فالظاهر أن هذا الكلام من قوله (عن سالم) إلى قوله (لا تجد فيها راحلة) نسخة الحاشية، محل قوله بهذا الإسناد نحوه، فتأمل.

ص: 463

إنما أراد أن يتم الإسناد ويذكر المتن كملاً فوصل قوله [عن سالم] بقوله السابق على قوله بهذا الإسناد عن الزهري، يعني أن رواية سعيد أيضًا إنما هي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر كما كانت رواية الحسن كذلك، إلا أن الترمذي اشتغل ببيان الفرق بين الروايتين قبل أن يذكر الإسناد بتمامه، ثم بعد بيان الفرق أكمل الإسناد وذكر المتن ليظهر بذلك أي بذكر المتن فرق آخر بين الروايتين، وهو أن المذكور في الثانية على الشك بين قوله راحلة وإلا راحلة.

قوله [إنما مثلي ومثل أمتي إلخ] هذا الحديث واجب المراجعة إلى الأستاذ أدام الله علوه ومجده، وأفاض على العالمين بره ورفده، فإنه أدام الله ظلال جلاله وأدار علينا كؤوس نواله قرره على الذي لم أفهمه بعد، ثم تبين (1) بعد

(1) كان هذا على هامش الأصل فأدرجته في المتن، واختلفت الشراح في معنى التشبيه، والأجود ما أفاده الشيخ إذ المناسبة فيه تامة، وحكى القارئ هذا المعنى بالبسط فقال: شبه إظهاره بمحارم الله ونواهيه ببياناته الشافعية الكافية من الكتاب والسنة باستيفاد الرجل النار، وشبه فشو ذلك الكشف في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان والكشف وتعديهم حدود الله عز اسمه وحرصهم على اللذات، ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بأخذ حجزهم بالفراش التي يتقحمن في النار ويغلبن المستوقد، وكما أن غرض المستوقد هو انتفاع الخلق به من الاهتداء والاستدفاء، وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سببًا لهلاكها، كذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء تلك الأمة واحتماءها عما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها موجبة لترديهم، وفي قوله (آخذ بحجزكم) استعارة، مثلت حاله في منع الأمة عن الهلاك بحال رجل آخذ بحجزة صاحبه الذي يهوى في قعر بئر مردية، انتهى. وقال الحافظ قال النووي: مقصود الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبه المخالفين له بالفراش، وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا، مع حرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز، وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه، وقال ابن العربي: هذا مثل كثير المعاني والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة، واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يعجبه من الضياء، وقد قيل: إنها لا تبصر بحال وهو بعيد، وإنما قيل: إنها تكون في ظلمة فإذا رأت الضياء اعتقدت أنه كوة يظهر منها النور، فتقصده لأجل ذلك فتحترق وهي لا تشعر، وقيل: إن ذلك لضعف بصرها، فتظن أنها في بيت مظلم وأن السراج مثلاً كوة فترمي بنفسها إليه، وهي من شدة طيرانها تجاوزه، فتقع في الظلمة فترجع إلى أن تحترق، وقيل: إنها تتضرر بشدة النور، فتقصد إطفاءه فلشدة جهلها تورط نفسها فيما لا قدرة لها عليه، ذكر مغلطاي أنه سمع بعض مشايخ الطب بقوله. وقال الغزالي: التمثيل وقع على صورة الاكباب على الشهوات من الإنسان بإكباب الفراش على التهافت في النار، ولكن جهل الآدمي أشد من جهل الفراش لأنها باغترارها بظواهر الوضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال، والآدمي يبقى في النار مدة طويلة أو أبدًا، والله المستعان، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: وحاصل التمثيل أنه شبه تهافت أصحاب الشهوات في المعاصي التي تكون سببًا في الوقوع في النار بتهافت الفراش بالوقوع في النار اتباعًا لشهواتها، وشبه ذبه العصاة عن المعاصي بما حذرهم به وأنذرهم بذب صاحب النار الفراش عنها، وقال عياض: شبه تساقط أهل المعاصي في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا، انتهى.

ص: 464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ص: 465

المعاودة أن الأمر فيه سهل، والمعنى أنى كموقد نار أضاءت ما حولها، فمن منتفع بنورها، ومن هالك بالاعتداء وعدم الانتفاع بها، فكذلك إني بينت لكم الشرائع والأحكام فمن عمل فيها بما وجب نجا، ومن اعتدى فيها بالزيادة فيها كإخراج البدع أو النقصان كعدم العمل هلك ولم ينج.

قوله [إنما أجلكم فيما خلا من الأمم إلخ] فقيل: المراد بالأجل زمان نبوة (1) نبيهم وأيام بقاء شريعتهم، من غير أن يرد عليها النسخ كما بين موسى وعيسى عليهما السلام، أو كما بين عيسى ونبينا محمد عليها الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا ينطبق التمثيل إذ الزمان الذي عملت فيه شريعة عيسى عليه السلام أقل بكثير من زمان شريعتنا، فالمراد بالأجل (2) مدد أعمارهم وقصر أعمالهم، يعني

(1) وبذلك جزم عامة شراح البخاري، قال الحافظ: معناه أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مدة من تقدم من الأمم مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس، انتهى. وأجابوا عما أورد عليه الشيخ بوجوه مختلفة، مثل أن قول كثرة العمل مختص باليهود، وغير ذلك.

(2)

وبذلك جزم القارئ إذ قال: إن الأجل تارة يعبر عن جميع الوقت المضروب للعمر كما في قوله تعالى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} وقد يطلق على انتهاء العمر كما في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً} الآية والمراد ها هنا المعنى الأول، فالمعنى إنما مدة أعماركم القليلة بجنب آجال من مضى من الأمم، انتهى.

ص: 466

أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع قصر أعمارهم وقلة أعمالهم يؤتون من الأجور ما لم يؤت الأمم السالفة مثله، وعلى هذا يشكل ما ورد (1) من أن الأجير الأول ترك العمل عند

(1) والمراد منه ما ورد عند البخاري وغيره من حديث أبي موسى مرفوعًا: مثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملاً يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملاً، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقى من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور، انتهى. ولا يخفى ما في حديث الباب وحديث أبي موسى من التغاير جدًا، واختلفت الشراح في محملهما، فحاول منهم الشيخ إلى جمعهما في قضية واحدة، وإليه مال الخطابي كما حكاه عند القارئ إذ قال: قال الخطابي: يروي هذا الحديث على وجوه مختلفة في توقيت العمل من النهار، وتقدير الأجرة، ففي هذه الرواية قطع الأجرة لكل فريق قيراطًا قيراطًا، وتوقيت العمل عليهم زمانًا زمانًا، واستيفاؤه منهم وإيفاؤه الأجرة، وهذا الحديث مختصر، وإنما اكتفى الراوي منه بذكر مآل العاقبة فيما أصاب كل واحد من الفرق، وقد روى البخاري من حديث ابن عمر قال أوتى: أهل التوراة التوراة فعملوا حتى انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتى أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فهذه الرواية تدل على أن مبلغ الأجرة لليهود لعمل النهار كله قيراطان، وأجرة النصارى للنصف الباقي قيراطان، فلما عجزوا عن العمل قبل تمامه أعطوا على قدر عملهم، وهو قيراط، انتهى. وإلى الوحدة مال ابن النين إذ جمع بينهما كما حكاه عنه الحافظ باحتمال أن يكونوا غضبوا أولاً فقالوا ما قالوا طلبًا للزيادة، فلما لم يعطوا قدرًا زائدًا تركوا، فقالوا: لك ما عملنا باطل، انتهى. ومال جماعة من الشراح إلى التعدد، ومنهم الحافظ ابن حجر إذ قال: أما ما وقع من المخالفة بين حديث ابن عمر وأبي موسى فظاهرهما أنها قضيتان، وحاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف، وقال ابن رشد ما حاصله أن حديث ابن عمر ذكر مثالاً لأهل الأعذار، لقوله: فعجزوا، وذكر حديث أبي موسى مثالاً لمن أخر بغير عذر، وإلى ذلك الإشارة بقوله: لا حاجة لنا إلى أجرك، انتهى. وقال أيضًا في موضع آخر: إنهما حديثان سيقا في قصتين، نعم وقع في رواية سالم عن ابن عمر ما يوافق رواية أبي موسى، فرجحها الخطابي على رواية نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر، لكن يحتمل أن تكون القصتان جميعًا كانتا عند ابن عمر فحدث بهما في وقتين.

ص: 467

الظهر والأجير الثاني عند العصر إذ لا ينطبق ذلك على المشبه، فإن الذين عملوا ممن قضى نحبة من الفرقتين لم يتركوا والذين تركوا العمل وهم يهود زمان النبي صلى الله عليه وسلم والنصارى الموجودون في ذلك الوقت لم يعملوا حتى يصح التشبيه، والجواب إن الفعل من

ص: 468

البعض منسوب إلى كل الأمة فيصح التشبيه، ثم إن القصة مشيرة إلى مسألة فقهية وهي أن الاعتبار للتمام فإن الأجيرين لما لم يتموا العمل لم يستحقوا الأجر، وما أتى لهم كان منة وفضلاً، فإذا أضيف الحكم إلى علتين كانت الأخيرة منهما هي الموجبة.

تم الجزء الثالث ويليه

الجزء الرابع وأوله ((أبواب فضائل القرآن)).

ص: 469