الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيما بعد من تفاوت بينهما فإن خروج الدجال على أهل المدينة يكون من (1) قبل الشرق واليمنيون يقابلونه ما لا يقابله من سواه، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في كلا الفريقين أهل الشرق واليمن ما يبين حالهم.
[باب في ذكر ابن صياد
(2)] قوله [حيث تلك الشجرة] وأريته (3) شجرة قريبة أو بعيدة مني، كأن أبا سعيد أراد بذلك أن ينجو منه بنفسه فقال له ذلك. قوله [وإني أكره
(1) فقد قال الحافظ في بيان الدجال: أما سبب خروجه فأخرج مسلم في حديث ابن عمر عن حفصة أنه يخرج من غضبة يغضبها، وأما من أين يخرج فمن قبل المشرق جزمًا، إلى آخره.
(2)
قال القارئ: وفي القاموس ابن صائد أو صياد الذي كان يظن أنه الدجال، وقال الأكمل: ابن صائد اسمه عبد الله، وقيل: صياف ويقال ابن صائد، وهو يهودي من يهود المدينة وقيل هو دخيل فيهم، وكان حاله في صغره حال الكهان يصدق مرة ويكذب مرارًا، ثم أسلم لما كبر وظهرت منه علامات من الحج والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال وسمعت منه أقوال تشعر بأنه الدجال، ثم قيل: إنه تاب ومات بالمدينة، وقيل: بل فقد يوم الحرة، وقال ابن الملك: ما يقال أنه مات بالمدينة لم يثبت إذ قد روى أنه فقد يوم الحرة، وقال أيضًا: روى أبو داؤد بسند صحيح عن جابر قال فقدنا ابن صياد يوم الحرة، وهذا يبطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلى عليه، انتهى.
(3)
يعني أشرت إلى شجرة وأبصرته إياها لينزل تحتها، ولا ينزل عند أبي سعيد، ولفظ حديث مسلم عن أبي سعيد قال: خرجنا حجاجًا وعمارًا ومعنا ابن صائد قال: فنزلنا منزلاً فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي فقلت: إن الحر شديد فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: ففعل، قال فرفعت لنا غنم الحديث، انتهى.
فيه اللبن] أي من يديك أو يراد به اللبن المعهود، وهو الذي في يديه حتى لا يكون (1) قوله ذلك كذبًا ويبقى تورية. قوله [فقلت له تبًا ذلك (2) سائر اليوم] إنما قال له ذلك لأنه لبس عليه أمره بهذه الكلمة بعد ما كان أبو سعيد قد ظن أن الناس كذبوا عليه، ووجه التلبيس بذلك أنهما لما كانا معًا (أي في موضع واحد) فعلمه بحال الدجال بحيث يعلم أنه أين هو الساعة (3) من الأرض مشير إلى أنه هو الدجال وإن لم يكن هذا أمرًا يقينًا، وتأويل (4) ما قال من قبل من عدم الولادة له وكفره وأنه لا يدخل المدينة أن هذه الأمور من علاماته إذا ظهر وادعى النبوة أو الألوهية أيًا ما كان، وليس المراد أنه لا يولد له أبدًا ولا يدخل المدينة أبدًا وأن كفره موبد، والحق (5) في ذلك أنه غيره، وإليه ذهب أكثر العلماء،
(1) وذلك لما في حديث مسلم المذكور قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس فقال: اشرب أبا سعيد فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده أو قال آخذ عن يده الحديث، انتهى.
(2)
قال النووي: أي خسرانًا وهلاكًا لك في باقي اليوم، وهو منصوب بفعل مضمر متروك الإظهار، انتهى.
(3)
ولفظ المشكاة برواية مسلم عن أبي سعيد: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو، وأعرف أباه وأمه الحديث، وفيه أنه يحتمل أنه كان يعرف هذه الأمور لكهانته بواسطة شيطانه.
(4)
وبذلك جزم النووي إذ قال: أما احتجاجه بذلك فلا دلالة فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.
(5)
قال القارئ: قال بعض المحققين الوجه في الأحاديث الواردة في ابن صياد مع ما فيها من الاختلاف والتضاد، أن يقال أنه صلى الله عليه وسلم حسبه الدجال قبل التحقيق بخبر المسيح الدجال، فلما أخبر صلى الله عليه وسلم بما أخبر به من شأن قصته في حديث تميم الداري، ووافق ذلك ما عنده تبين له صلى الله عليه وسلم أن ابن الصياد ليس بالذي ظنه، وأما توافق النعوت في أبوي الدجال وأبوي ابن صياد فليس مما يقطع به قولاً، فإن اتفاق الوصفين لا يلزم منه اتحاد الموصوفين، وكذا حكى الحافظ عن البيهقي أنه قال: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم على حلف عمر فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان متوقفًا في أمره، ثم جاءه الثبت من الله تعالى أنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن الصياد وطريقه أصح، انتهى وإليه مال الحافظ إذ قال: وأقرب ما يجمع به ما تضمنه حديث تميم، وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطان تبدي في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها، انتهى. وبه جزم صاحب الإشاعة إذ قال: ومما يرجح أنه غيره أن قصة تميم الداري متأخرة عن قصة ابن صياد فهو كالناسخ له، ولأنه حين إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه في بحر الشام أو اليمن لا بل من قبل المشرق كان ابن صياد بالمدينة فلو كان هو لقال بل هو في المدينة، انتهى.
وأما (1) النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر على من قال إن ابن صياد هو الدجال قوله لعدم علمه صلى الله عليه وسلم بحاله هل هو الدجال أو غيره، ولعله كان يعلم بذلك لكنه لم يؤذن
(1) قال القارئ: قالوا وظاهر الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحى إليه بصفات الدجال، وكان لابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، وهكذا حكى الحافظ عن النووي أنه قال قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة وأمره مشتبه لكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه في أمره بشيء، وإنما أوحى إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع في أمره بشيء، انتهى.
له في الأخبار، وأما (1) من قال بأنه هو استدل بعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم على المدعي توحدهما قوله، كيف وقد حلف (2) بعضهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بأنه هو، وهذا البعض جمع بين مذهبه وحديث تميم الداري الآتي بعيد ذلك أن وجود شخص في مكانين حسب ما يرى لنا (3) غير مستبعد.
(1) يعني من قال إن ابن صياد هو الدجال استدل بأنه صلى الله عليه وسلم سكت على من ادعى بوحدتهما في مجلسه وسكوته عليه السلام تقرير وحجة، ويظهر من كلام الحافظ أن ميل البخاري إلى ذلك إذ قال: ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة في قصة تميم، وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة أبو هريرة وعائشة وجابر، انتهى.
(2)
منهم عمر وابن عمر وجابر وغيرهم بسط رواياتهم الحافظ في الفتح في باب من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة وقال: وقد أخرج أحمد من حديث أبي ذر لأن أحلف عشر مرار أن ابن صياد هو الدجال أحب إلى من أن أحلف واحدة أنه ليس هو، وسنده صحيح، ومن حديث ابن مسعود نحوه لكن قال سبعًا بدل عشر مرات، أخرجه الطبراني، انتهى.
(3)
قال القارئ: ولا ينافيه قصة تميم الداري إذ يمكن أن يكون له أبدان مختلفة فظاهره في علم الحس والخيال دائر مع اختلاف الأحوال وباطنه في عالم المثال بقيد السلاسل والأغلال، ولعل المانع من ظهور كماله في الفتنة وجود سلاسل النبوة وأغلال الرسالة، انتهى. وقال الحافظ: كأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا قصة تميم وإلا فالجمع بينهما بعيد، إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا يستفهم عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم هل خرج أولاً؟ فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع، انتهى. قلت: وحكى الحافظ في موضع آخر أن في بعض طرق البيهقي أنه شيخ وسنده صحيح، انتهى.
قوله [فقال النبي صلى الله عليه وسلم آمنت بالله ورسله] إنما (1) لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه قوله لأنه كان متصديًا سؤال حاله، فلو أنكر قوله صريحًا لفات ذلك، لكنه صلى الله عليه وسلم رد عليه قوله ضمنًا حيث قال: آمنت بالله ورسله، ومعلوم أنه لم يكن من رسله حتى يؤمن عليه.
قوله [خلط عليك الأمر] لعدم التمييز بين الصادق والكاذب. قوله [فلن تعدو (2) قدرك] أي إنك لا تكاد تخبر إلا بيسير من كثير، ولست تقدر
(1) قال الزين بن المنير: إنما عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على ابن صياد بناء على أنه ليس الدجال المحذر منه، قال الحافظ: ولا يتعين ذلك، بل الذي يظهر أن أمره كان محتملاً فأراد اختباره بذلك، فإن أجاب غلب ترجيح أنه ليس هو، وإن لم يجب تمادي الاحتمال، أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة، ولما كان ذلك هو المراد أجابه بجواب منصف فقال: آمنت بالله ورسله، انتهى.
(2)
قال القارئ: بضم الدال أي فلن تجاوز القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء ذكره النووي، وقال الطيبي: أي لا تتجاوز عن إظهار الخبيئات على هذا الوجه كما هو دأب الكهنة إلى دعوى النبوة، فتقول أتشهد أني رسول الله؟ وقال القارئ: حاصل الجملة أنك وإن أخبرت عن الخبئ فلن تستطيع أن تتجاوز عن الحد الذي حد لك، يريد أن الكهانة لا ترفع بصاحبها عن القدر الذي عليه هو، وإن أصاب في كهانته، انتهى.
علم العلم بالقضية بأسرها لأنك لم تفز من الآية الطويلة إلا بلفظ ولم تفز بها كلها.
قوله [صادقين وكاذبًا أو كاذبين وصادقًا] يعني أن (1) الأخبار الواصلة إلى قد يصدق كثيرها ويكذب قليلها، وقد يكون الأمر على عكسه.
قوله [فدعاه] بتخفيف العين (2) وتشديده، والأول أمر لأبي بكر وعمر بتركه، والثاني إخبار من الراوي أنهما دفعاه بعنف عن أمام النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله [فسمعت (3) بمولود في المدينة] أي أنه على هذه الصفة.
(1) وعلى هذا التوجيه فلفظة أو ليست للشك بل هو تنويع وهو محتمل بل وجيه، وحمله عامة الشراح على الشك، قال القارئ: أي يأتيني شخصان يخبراني بما هو صدق، وشخص يخبرني بما هو كذب، والشك من ابن صياد في عدد الصادق والكاذب يدل على افترائه، إذ المؤيد من عند الله لا يكون كذلك، انتهى.
(2)
فعلى الأول صيغة أمر من ودع بمعنى ترك، وعلى الثاني صيغة ماض من دع المضاعف بمعنى الطرد والدفع.
(3)
قال الحافظ: يوهي هذا الحديث أن أبا بكرة إنما أسلم لما نزل من الطائف حين حوصرت سنة ثمان من الهجرة، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم لما توجه إلى النخل التي فيها ابن صياد كان ابن صياد يومئذ كالمحتلم، فمتى يدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدنية، وهو لم يسكن المدينة إلا قبل الوفاة النبوية بسنتين، فكيف يتأتى أن يكون في الزمن النبوي كالمحتلم، فالذي في الصحيحين هو المعتمد، ولعل الوهم وقع فيما يقتضي تراخي مولد ابن صياد، أولاً وهم فيه بل يحتمل قوله: بلغنا أنه ولد لليهود مولود على تأخر البلاغ، وإن كان مولده سابقًا على ذلك بمدة بحيث يأتلف مع حديث ابن عمر الصحيح، انتهى.
قوله [فيما يتحدثونه إلخ] أي إن الناس (1) فهموا منه أن الساعة آتية لا محالة في هذه المائة.
قوله [يريد أن ينخرم ذلك القرن] هذا ما أراد بهذا الحديث عنده، وعليه أكثر العلماء، ويمكن أن يكون على عمومه، والذين لم يكونوا على ظهر الأرض حين ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم مستثنون عن ذلك كالخضر والجن والدجال (2).
(1) قال الشيخ في البذل: (فوهل) أي غلط الناس (في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في فهم مقالته تلك (فيما يتحدثون عن هذه الأحاديث) أي فيما بينهم (عن مائة سنة) كأنهم فهموا أن تقوم القيامة على رأس سنة، انتهى. وقريب منه ما في المجمع إذ قال: فوهل بفتح هاء ويجوز كسرها أي غلطوا أو ذهب وهمهم إلى خلاف الواقع في تأويله، فقيل تقوم الساعة عنده، وإنما مراده أنه لا يبقي أحد من الوجودين تلك الليلة، انتهى. وبنحوه فسر الحديث النووي، والظاهر عندي أن وهل بمعنى فزع، والمراد فيما يتحدثون أي في أحاديث الفتن، والمعنى فزعوا لما فهموا أن أحاديث الفتن كلها من خروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج ونحوها كلها تتم في مائة سنة فتأمل.
(2)
لفظة ما موصولة وضمير أراد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي مراده صلى الله عليه وسلم كان انخرام القرن وإن بقى بعض منهم، قال النوي: قد احتج بهذه الأحاديث من شذ من المحدثين فقال: الخضر عليه السلام ميت، والجمهور على حياته ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر لا على الأرض، أو أنها عام مخصوص، انتهى. قال الأشرف: معناه ما تبقى نفس مولودة اليوم مائة سنة، أراد به موت الصحابة، وقال صلى الله عليه وسلم هذا على الغالب، وإلا فقد عاش بعض الصحابة أكثر من مائة سنة، انتهى. منهم أنس بن مالك وسلمان وغيرهما، والأظهر أن المعنى لا تعيش نفس مائة سنة بعد هذا القول كما يدل عليه الحديث الآتي، يعني حديث أبي سعيد رفعه لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم، فلا حاجة إلى اعتبار الغالب، فلعل المولودين في ذلك الزمان انقرضوا قبل تمام المائة من زمان ورود الحديث، ومما يؤيد هذا المعنى استدلال المحققين وغيرهم على بطلان دعوى من ادعى الصحبة وزعم أنه من المعمرين إلى المائتين والزيادة، بقى أن الحديث يدل بظاهره على عدم حياة الخضر وإلياس، وقد قال البغوي: أربعة من الأنبياء في الحياة اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء: عيسى وإدريس، فالحديث مخصوص بغيرهم، أو المراد ما من نفس منفوسة من أمتي والنبي صلى الله عليه وسلم لا يكون من أمته نبي آخر، وقيل: قيد الأرض يخرج الخضر وإلياس فإنهما كانا على البحر حينئذ كذا في المرقاة، ومال ابن قتيبة في تأويل الحديث إلى أن الحكم مختص بمن حضر في هذا المجلس، وسقط من الروايات لفظ ((منكم)).
قوله [لباسة] كثيرة (1) الملابس، ولعله عبر عن كثرة الشعر بكثرة اللباس.
قوله [قالت: أنا الجسامة] كانت (2) امرأة تجسس الأخبار للدجال. قوله
(1) ذكر في الحاشية عن القاموس رجل لباس كثير اللباس، لكن معناه ههنا على الظاهر أنه ملق في اللبس والاختلاط بأن تكون صبغة مبالغة من اللبس، انتهى. قلت: ويؤيد ما أفاده الشيخ أن كثرة الشعر من صفاتها، ففي المشكاة عن مسلم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، وعن أبي داؤد فإذا أنا بامرأة تجر شعرها.
(2)
لفظ حديث الباب هي دابة، وما تقدم قريبًا عن أبي داؤد فإذا أنا بامرأة، قال الشيخ في البذل والقارئ في المرقاة وغيرهما في الجمع بينهما بأنه يحتمل أن للدجال جساستين: إحداهما دابة والثانية امرأة، ويحتمل أن تكون شيطانة تمثلت تارة في صورة دابة، وأخرى في صورة امرأة، وللشيطان التشكل في أي شكل شاء، ويحتمل أن تسمى المرأة دابة باعتبار اللغة وقد قال عز اسمه {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} ، ثم هي جساسة للدجال، ورجح في الإرشاد الرضى كونها امرأة وإطلاق الدابة عليها لكثرة شعرها، وفي الحاشية عن اللمعات. قيل: هي دابة الأرض التي تخرج في آخر الزمان ولا دليل عليه، انتهى. قلت: بل ذكر صاحب الإشاعة عن علي يخرج الدجال ومعه سبعون ألفًا من الحاكة، وهي موضع على مقدمته أشعر أي رجل كثير الشعر رواه الديلمي، فالظاهر أنه هي الدابة.
[موثق بسلسلة] وقد ورد (1) في الروايات أنه كان معلقًا بين السماء والأرض.
قوله [فنزى نزوة] ونزوته هذه إما أن يكون لفرحه بقرب زمان خروجه
(1) لم أجد النص بذلك بعد ويظهر من كلام القارئ أن بعضهم أخذوا ذلك من حديث أبي داؤد ولفظه: فإذا رجل يجر شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، قال القارئ: وأبعد (*) من قال: إنه متعلق بمسلسل، انتهى. ويظهر في الإرشاد الرضى أن الشيخ لم يرد الرواية بذلك، بل أراد الجواب عن حديث لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد على رأس مائة سنة بأنه لا يصح الاستدلال به على موت الخضر فإنه مستثنى كالدجال، فإن قيل: إن الدجال كان إذ ذاك معلقًا، يقال: يمكن أن لا يكون الخضر أيضًا على الأرض، انتهى. قلت: وقد أجابوا عن الخضر بأنه كان في البحر، وعن إبليس بأنه كان في الجو، وغير ذلك من الأجوبة، انتهى.
(*) ففي بين سطور أبي داؤد عن فتح الودود فيما بين السماء متعلق بقوله ينزو أو بمسلسل، انتهى.
لبعث النبي صلى الله عليه وسلم، أو لترحه (1) لما علم مسارعة الناس إلى قبول الإسلام، وهذا معاكس لمرامه.
قوله [حتى كاد] أي كاد أن يقطع السلاسل ويتخلص منها. قوله [فكيف أنصره ظالمًا] إنما احتاج إلى السؤال عن ذلك لما أن الظاهر من نصرته ظالمًا أن يعينه على ظلمه والإعانة على الظلم حرام قبيح لا يأمر به الشارع عليه السلام.
قوله [من سكن البادية جفا] هذا لا ينافي ما في سكون البادية من الخير أيام الفتنة، فالخيرية والشرية بجهتين، والمراد بالجفاء غلظ القلب وقساوته، وما يغلب عليه من الجهل بالشرائع والأحكام.
قوله [ومن أتى أبواب (2) السلطان افتتن] لأنه لا يخلو من الابتلاء بفتنة دينه أو ديناه. قوله [فتنة الرجل (3) في أهله وماله وولده وجاره إلخ] هذا مما ينبغي أن يفتش عنه إذ المراد بذلك أن امرأته مثلاً إذا قصرت في أداء شيء من خدماته فسبها على ذلك، فإن تعديها في أمثال هذه الأمور تكفر بالصلاة وغيرها،
(1) قال المجد: الترح محركة الهم.
(2)
قال السيوطي في مرقاة الصعود: قال فضيل بن عياض: كنا نتعلم اجتناب السلطان كما نتعلم السورة من القرآن، رواه البيهقي في شعب الإيمان، والأحاديث والآثار في النهي عن مجيئ العلماء إلى السلطان كثيرة جمعتها في مؤلف يسمى ((ما رواه الأساطين في عدم المجيئ إلى السلاطين، انتهى. كذا في البذل، وقال الدمنتي في نفع القوت: افتتن ببناء فاعل ومفعول، قال ابن الخازن: سبب فتنته أنه يرى سعة الدنيا والخير هنالك فيحتقر نعمة الله عليه، وربما استخدمه، فلا يكاد يسلم في تصرفه من إثم بآجل أو عقوبة بعاجل، أو لأنه لا يمكنه إنكاره عليه بما يجب إنكاره، انتهى.
(3)
قال العيني: بعد ما بسط الكلام على معنى الفتنة قال ابن بطال: فتنة الرجل في أهله أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول أو العمل مما لم يبلغ كبيرة، وقال المهلب: يريد ما يعرض له معهن من شر أو حزن أو شبهة وقوله: فتنة الرجل في ماله أن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه، أو التفريط بما يلزمه من حقوق المال، فتكثر عليه المحاسبة، وفتنة الرجل في ولده فرط محبتهم وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التوغل في الاكتساب من أجلهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام، وفتنة الرجل في جاره أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعًا، قال تعالى {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} انتهى. قلت: وعلى هذه المعاني لا يرد الإشكال الذي أفاده الشيخ، وأما على مختار الشيخ في معنى الفتنة فما يخطر في ذهني القاصر من الجمع بينهما أن يقال: إن مؤدي التفكير ومؤدي المحاسبة واحد فالمقدار الذي يسقط عند المحاسبة لأجل الصلاة والصوم يسمى مكفرة، وكذلك من الجانب الآخر من أن صلاته وصومه وغيرهما مقدار ما يكفر من العدوانات تحاسب والباقي من العدوانات يجازي به، والله غفور رحيم ورحمته سبقت عذابه، قال صاحب المجمع: أو فتنته فيهم لتفريط حقوقهم وتأديبهم فإنه راع لهم، فمنها ذنوب يحاسب عليهما ومنها يرجى تكفيرها بالحسنات، انتهى.
وهذا مشكل بما ورد (1) في بعض الروايات أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنه يضرب عبيده وإماءه على ما يفسدون من أموره فماذا يفعل به وبهم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: يوزن يوم القيامة خطاياهم وجناياتهم، وما أفسدوا من أمورك وما فعلت بهم على ذلك، فيجازي الظالم من كان منكم أنت أم عبيدك فأعتقهم.
(1) فسيأتي عند المصنف عن عائشة أن رجلاً قعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل، قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تقرأ كتاب الله {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} الآية، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم، قلت: وقد ورد في معنى هذا الحديث روايات كثيرة في يوم الحساب.
قوله [فقال عمر] والظاهر أن (1) جثة عمر باب حاجز على حصنه، والمراد به في قوله بينك روحه فإن التأذي بالصدمات (2) إنما هو لها لا للجسم.
قوله [ونحن تسعة: خمسة وأربعة] إنما فسر لتعيين المراد وللتقسيم بين الطائفتين. قوله [فسكتوا] إنما كان سكوتهم (3) لما أنهم فهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم يسميهم
(1) قال العيني: فإن قلت: قال أولاً إن بينك وبينها بابًا فالباب يكون بين عمر وبين الفتنة، وههنا يقول: الباب عمر، وبين الكلامين مغائرة، قلت: لا مغائرة بينهما لأن المراد بقوله بينك وبينها أي بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك، وقال الكرماني: أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنك إذ الروح غير البدن، أو بين الإسلام والفتنة، انتهى.
(2)
قال المجد: الصدم ضرب صلب بمثله والفعل كضرب وإصابة الأمر، انتهى. وفي المجمع في قوله صلى الله عليه وسلم الصبر عند الصدمة الأولى: أي عند فورة المصيبة وشدتها، والصدم ضرب الشيء بمثله، ثم استعمل في كل مكروه حصلت بغتة، انتهى.
(3)
قال القارئ: سكتوا متوقفين في أن السؤال أولى أو السكوت أحرى خوفًا من أن يكون من باب {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} وعملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها، فلما أفاد التكرار أنه لا بد من الاختيار (قال رجل) أي كان الرجل شديد القلب فتنوينه للتعظيم (وقوله خيركم من يرجى خيره) فخير الأول بمعنى الأخير والثاني مفرد الخيور، أي من يرجو الناس منه إحسانه إليهم، وترك ذكر من يأتي منه الخير والشر ونقيضه فإنهما ساقطًا الاعتبار حيث تعارضا تساقطًا، انتهى. قلت: أو لأنهما لوجود الصفتين لم يكونا ممن يعد خيرًا أو شرًا، انتهى.
فيعين الخير والشر، فلم يقولوا نعم لأنهم لم يكونوا يعلمون أيهم يسمى خيرًا وأيهم شرًا، وقد كانوا يرون لتسمية النبي صلى الله عليه وسلم وقوله في أحد خيرًا أو شرًا تأثيرًا ظاهرًا وباطنًا (1)، فخافوا على أنفسهم أن يوسموا بسمة الشر فيخسروا في الدنيا والآخرة، إلا أنهم لما رأوا إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على السؤال عن ذلك بدر أحد منهم إلى التسليم رائيًا أن المقدور واقع لا محالة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم فلا يفعل ما يسنضرون به.
قوله [إذا مشت أمتى المطيطاء (2) إلخ] هذا لا يستلزم الفور في تسليط
(1) وكان كذلك كما يدل عليه الروايات الكثيرة منها ما في الشفاء قال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، فلم يرفعها إلى فيه، وقال لحم بن أبي العاص وكان يختلج بوجهه ويغمز: كذلك كن، فلم يزل يختلج حتى مات.
(2)
قال القارئ: بضم الميم وفتح المهملة الأولى وكسر الثانية ممدودة وتقصر بمعنى التمطي، وهو المشي فيه التبختر ومد اليدين، ويروى بغير الياء الأخيرة، ونصبه على أنه مفعول مطلق أي مشى تبختر، وقيل: إنه حال أي إذا صاروا في نفوسهم متكبرين، وعلى غيرهم متجبرين، وقوله أبناء فارس والروم بدل مما قبله وبيان له، قال الشراح: هذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن المغيب ووافق الواقع خبره فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم، وأخذوا أموالهم وتجملاتهم وسبوا أولادهم فاستخدموهم سلط الله قتلة عثمان حتى قتلوه، ثم سلط بني أمية علي بن هاشم ففعلوا ما فعلوا وهكذا، انتهى كلام القارئ.
الشرار، ولا أن الفتنة تعم الكل، فلا نقص به (1) في شأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. قوله [ولا يعرف لحديث أبي معاوية عن يحيى بن سعيد إلخ] يعني أن رواية موسى بن عبيد متصلة، ورواية يحيى بن سعيد غير متصلة، فوصل أبي معاوية حديث يحيى بن سعيد يكون خطأ. قوله [عصمني الله بشيء سمعته إلخ] الباء للسببية. قوله [فلما قدمت (2) عائشة] وكأنها كانت هي الأميرة عليهم.
(1) أما على التوجيه الأول وهو عدم الفوز فظاهر، وأما على الثاني يعني أن الفتنة لا تعم الكل فالصحابة داخلون في الاستثناء، وكذلك في ما تقدم من كلام القارئ لا يدخل الصحابة في الشرار كما لا يخفى.
(2)
ولفظ رواية البخاري عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسًا ملكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، قال الحافظ: نقل ابن بطال عن المهلب أن ظاهر حديث أبي بكرة يوهم توهين رأي عائشة فيما فعلت وليس كذلك لأن المعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة في طلب الإصلاح بين الناس ولم يكن قصدهم القتال، لكن لما انتشبت القتال لم يكن لمن معها بعد من المقاتلة، ولم يرجع أبو بكرة عن رأي عائشة وإنما تفرس بأنهم يغلبون لما رأى الذين مع عائشة تحت أمرها لما سمع في أمر فارس، قال: ويدل لذلك أن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم، وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك، فلما انتصر علي عليهم حمد أبو بكرة رأيه في ترك القتال معهم وإن كان رأيه موافقًا لرأي عائشة في الطلب يدم عثمان، انتهى كلامه، قال الحافظ: وفي بعضه نظر فقد أخرج البخاري في باب ((إذا التقى المسلمان بسيفهما)) من حديث الأحنف أنه كان خرج لينصر عليًا فلقيه أبو بكرة فنهاه عن القتال، وأخرج قبله بباب من قول أبي بكرة لما حرق ابن الحضرمي ما يدل على أنه كان لا يرى القتال في مثل ذلك أصلاً، فليس هو على رأي عائشة، ولا على رأي علي في جواز القتال بين المسلمين أصلاً، وإنما كان رأيه الكف وفاقًا لسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر وغيرهم، ولهذا لم يشهد صفين مع معاوية ولا علي، انتهى.
قوله [فقد برئ] أي برأت ذمته فلا يسأل عنه، ومن سلم (1) فإنما هو سالم عن العذاب، ولعله يسأل عنه. قوله [أفلا نقاتلهم؟ قال: لا] هذا مثل ما تقدم (2) من أن الرعية لا تكاد تقابل الجند فمنعهم من المقابلة والمقاتلة وإن استحق الأمير العزل أو انعزل على اختلاف فيه. قوله [من ترك منكم عشر
(1) وفسر القارئ من أنكر أي من قدر أن ينكر بلسانه عليهم قبائح أفعالهم وأنكر فقد برئ من المداهنة والنفاق، ومن كره أي من لم يقدر على ذلك -ولكن أنكر بقلبه وكره ذلك- فقد سلم من مشاركتهم في الوزر والوبال، ثم لفظ مسلم في ذلك موافق للفظ الترمذي، وخالفهما لفظ حديث أبي داؤد، والظاهر هو لفظ الترمذي وغيره.
(2)
أي قبيل باب الهرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، قال القارئ: إنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عنوان الإسلام والفاروق بين الفكر والإيمان حذرًا من هيج الفتن واختلاف الكلمة، وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نكرهم والمصابرة على ما ينكرون منهم، انتهى.
ما أمر به] المراد به الإخلاص فإنه مأمور به، قال الله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وليس المراد به العبادات، وقد سبق تقريره فيم سبق (1). قوله [رايات سود] هؤلاء مقاتلة المهدي يقاتلون الدجال والمهدي يكون أميرًا (2) عليهم.
(1) في أبواب الجهاد قبيل ((باب من خرج إلى الغزو وترك أبويه)) ..
(2)
كما يدل عليه ما في المشكاة برواية أحمد والبيهقي عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فاتوها فإن فيها خليفة الله المهدي، قال القارئ: أي نصرته وإجابته فلا ينافي أن ابتداء ظهور المهدي إنما يكون في الحرمين الشريفين.
أبواب الرؤيا (1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) قال الحافظ: هي ما يراه الشخص في منامه، وهي على وزن ((فعلي)) وقد تسهل الهمزة، وقال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء، وقال الراغب: الرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر، وتطلق على ما يدرك بالتخيل نحو أرى أن زيدًا مسافرًا، وعلى التفكر النظري نحو إني أرى ما لا ترون، وعلى الرأي، وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن، وقال القرطبي في المفهم قال بعض العلماء: وقد تجئ الرؤيا بمعنى الرؤية كقوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} فزعم أن المراد بها ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من العجائب، وكان الإسراء جميعه في اليقظة، وعكسه بعضهم فزعم أنه حجة لمن قال: إن الإسراء كان منامًا، والمعتمد الأول، وقد تقدم في تفسير الإسراء قول ابن عباس إنها رؤيا عين، قال ابن العربي: الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي حقيقتها، وإما بكناها أي عبارتها، وإما تخليط ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق في قصد، وقد تأتي مترسلة غير محصلة، وقال أبو بكر بن الطيب: إنها اعتقادات لما أن الرائي قد يرى نفسه بهيمة مثلاً، وليس هذا إدراكًا فوجب أن يكون اعتقادًا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد، قال ابن العربي: والأول أولى وما ذكره ابن الطيب من قبيل المثل فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات، وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ولا يقوم عليه برهان، وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت أقوالهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره، وهذا وإن جوزه العقل لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط، ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجرى في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها، قال: وهذا أشد فسادًا من الأول لكونه تحكمًا لا برهان عليه، والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجرى في العالم العلوي الأعراض والأعراض لا ينتقش فيها، قال: والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك، فيقع بعدها ما يسر أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضر، والعلم عند الله، ونقل القرطبي عن بعض أهل العلم أن لله ملكًا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورة محسوسة فتارة تكون أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة، وتكون في الحالين مبشرة ومنذرة، وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله أعلامًا على ما كان وما يكون إلى آخر ما بسطه الحافظ.
قوله [إذا اقترب الزمان] قيل (1) زمان الساعة، وقيل زمان الصبح،
(1) اختلفوا في معنى الحديث على أقوال بسطها شراح البخاري، اكتفى الشيخ على بعضها اختصار فقيل: وقت استواء الليل والنهار أيام الربيع، فذلك وقت اعتدال الطبائع غالبًا، وقيل: المراد من اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة، ذكر هذين المعنيين الخطابي، قال ابن بطال: الصواب الثاني، وقال الداؤدي: المراد بتقارب الزمان نقص الأيام والليالي بسرعة مرورها وذلك قرب قيام الساعة، وقيل: المعنى الرؤيا في آخر الزمان لا تحتاج إلى التعبير فلا يدخلها الكذب، والحكمة فيه أن المؤمن إذ ذاك يكون غريبًا كما في الحديث بدء الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فيقل أنيس المؤمن إذ ذاك، فيكرم الله تعالى بالرؤيا الصادقة، وقيل: المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل، وكثرة الأمن، وقيل: المراد زمان الطائفة الباقية مع عيسى بعد قتله الدجال، مأخوذ من العيني زاد القارئ على بعضها، ويمكن أن يراد به زمن الدجال وأيام يأجوج ومأجوج فإنه من كثرة التعب والآلام وعدم الشعور بأزمنة الليالي والأيام تتقارب أطرافه في الأعوام، وأيضًا يحتاج المؤمن حينئذ إلى ما يستدل به على مطلوبه، ويستأنس به في طريق محبوبه فيعان له بجزء من أجزاء النبوة، انتهى. وسيأتي قريبًا قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب.
أي رؤيا آخر الليل، وقيل: إذا استوى الليل والنهار فإن الملوين حينئذ لا يطول أحدهما على الآخر.
قوله [وأصدقهم رؤيا إلخ] [لتأثير (1) صدق ظاهره في باطنه
(1) قال النووي: ظاهره أنه على إطلاقه، وحكى القاضي عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم، وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعله الله جابرًا وعوضًا ومنبهًا لهم، والأول أظهر لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه، وحكايته إياها. انتهى. قال الحافظ: وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وقوى إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا، وقد يندر المنام أحيانًا فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم، انتهى.
وصدقه في كلامه في تصديقه في منامه.
قوله [جزء من ستة وأربعين جزءًا] ووجه (1) ذلك انحصار زمان نبوته صلى الله عليه وسلم
(1) اختلفوا في توجيه الحديث على أقاويل كثيرة بسطها شراح الحديث لا سيما الحافظ في الفتح، وما أفاده الشيخ من التوجيه حكاه الخطابي عن بعض العلماء كما قاله النووي، وما أورد عليه الخطابي أجاب عنه الحافظ، وحكى الشيخ في البذل قال التاج بن مكتوم في تذكرته: هذا من أحسن التنزيل على هذا اللفظ وأقرب مأخذًا مما قيل في ذلك، انتهى. وسيأتي بعض الأقوال الآخر قريبًا على هامش قوله جزء من أجزاء النبوة، ثم التقييد بقوله رؤيا المسلم لإخراج الكافر، وجاء مقيدًا بالصالح تارة وبالصالحة وبالحسنة وبالصادقة، فيحمل المطلق على المقيد، وهو الذي يناسب حاله حال النبي فيكرم بما أكرم به النبي، وهو الاطلاع على شيء من الغيب، فأما الكافر والمنافق والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات فإنها لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في شيء ما يكون خبره ذلك نبوة، فقد يقول الكاهن كلمة حق، وقد يحدث المنجم فيصيب، لكن كل ذلك على الندر والقلة، قاله الحافظ في الفتح، وقال أيضًا في موضع آخر: قال ابن العربي رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة، وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزائها. وقيل: تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلاً، وقال القرطبي: المسلم الصالح الصادق هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤيا هم أحيانًا فذلك كما يصدق الكذوب، وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة، كالكاهن والمنجم، ولفظ الرجل ذكر للغالب فلا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك، قاله ابن عبد البر، انتهى.
في ثلاث وعشرين سنة، وكانت رؤياه ستة أشهر هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من ثلاث وعشرين سنة، وقد اختلفت الروايات (1) في ذلك فقد ورد في بعض منها جزء من أربعين جزءًا إلى غير ذلك، ووجه الجمع اختلاف أحوال الرجال إخلاصهم، وتفاوتهم في صدق نياتهم.
قوله [ولا يحدث (2) به الناس] فإن لتقاولهم فيما بينهم وتذاكرهم لها أثرًا في وسوسة القلب، فيستقر بذلك، وأما إذا لم يذكرها لهم ونفل وأعرض ثم
(1) وقد جمعها الحافظ وقال: جملة ما ورد من العدد في ذلك عشرة وهي: 26 - 40 - 44 - 45 - 46 - 47 - 49 - 50 - 70 - 76 - ثم قال: وأصحها مطلقًا الأول، وقد ورد أيضًا 24 - 72 - 42 - 27 - 25 - فبلغت على هذه الروايات خمسة عشر لفظًا، ثم بسط الكلام على توجيه الحديث.
(2)
قال الحافظ: فحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره، وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة ستة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها وشر الشيطان، وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثًا، ولا يذكرها لأحد أصلاً، وأن يصلي ويتحول عن جنبه الذي كان عليه، ورأيت في بعض الشروح ذكر سابعة وهي قرأة آية الكرسي ولم يذكر لذلك مستندًا، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة: ولا يقربنك شيطان فيتجه، وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة، انتهى مختصرًا. ثم قال: وقد ذكر العلماء حكمة هذه الأمور، ثم بسطها فأرجع إليه لو شئت، وقال أيضًا: وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته، ويحتمل أن يكون لمخالفة اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها لأنها قد تبطئ، فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعبها وتخويفها، ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرًا حسنًا أو الرجاء في أنها من الأضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه، انتهى. وقال النووي: ولا يحدث بها أحدًا فسببه أنه ربما فسرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملاً فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى، فإن الرؤيا على رجل طائر، ومعناه أنها إذا كانت محتملة وجهين، ففسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة، انتهى.