الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم يعطه شيئا.
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج يأمره بقتل أسلم بن عبد البكريّ لشيء بلغه عنه.
فأحضره الحجّاج فقال: أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر، والله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6]. والذي بلغه عنّي باطل، فاكتب إليه أنّي أعول أربعا وعشرين امرأة، وهنّ بالباب.
فأحضرهنّ الحجّاج، فقال: هذه أمّه، وهذه عمّته، وهذه زوجته وهؤلاء بناته حتى كانت في آخرهنّ جارية قاربت عشر سنين، [ف] قال لها الحجّاج: من أنت؟
قالت: ابنته، أصلح الله الأمير!
ثمّ أنشأت تقول [الطويل]:
أحجّاج لو تشهد مقام بناته
…
وعمّاته يندبنه الليل أجمعا
أحجّاج كم يقتل به أن قتلته
…
ثمانا وعشرا واثنين وأربعا
أحجّاج من هذا يقوم مقامه
…
علينا، فمهلا إن تزدنا تضعضعا
أحجّاج إمّا أن تجود بنعمة
…
علينا وإمّا أن تقتّلنا معا
فبكى الحجّاج وقال: «والله لا أعنت الدهر عليكنّ ولا زدتكنّ تضعضعا! » ، وكتب إلى عبد الملك بخبر الرجل والجارية، فكتب إليه:
«إن كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته، ونفّل الجارية» ، ففعل.
[معايبه]
وقال أبو بكر بن عيّاش عن عاصم، قال:
سمعت الحجّاج بن يوسف يقول: وقد يلي هذه الأمة [
…
]، فاتّقوا الله واسمعوا وأطيعوا! هي لعبد الملك أمين الله وخليفته، ليس فيها مثنويّة.
والله لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد فخرج من غيره لحلّ لي دمه. والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي حلالا. يا عجبي لعبد هذيل يزعم أنّه يقرأ قرآنا من عند الله! والله ما هو إلّا رجز من رجز الأعراب. والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه- يعني عبد الله بن مسعود- يا عجبا لهذه الحمراء- يعني الموالي- إنّ أحدا ليأخذ الحجر فيرمي به يقول: لا يقع هذا حتى يكون خير.
قال أبو بكر بن عيّاش: فحدّثت بهذا الحديث الأعمش، فقال: وأنا قد سمعته يقول ذلك. فقلت في نفسي: لأقرأنّ بها رغم أنفك.
وقال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وجئنا بالحجّاج لغلبناهم!
وقال منصور: سألنا إبراهيم النخعيّ عن الحجّاج، فقال: ألم يقل الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ؟ [هود: 18].
وقال الشافعيّ: بلغني أنّ عبد الملك بن مروان قال للحجّاج: ما أحد إلّا وهو عارف بعيوب نفسه، فعب نفسك ولا تخبأ منها شيئا!
قال: يا أمير المؤمنين، أنا لجوج حقود حسود محبّ لسفك الدماء.
فقال عبد الملك: إذن، بينك وبين إبليس نسب؟
فقال: إنّ الشيطان إذا رآني سالمني.
وفي رواية: قال عبد الملك للحجّاج: صف لي عيبك!
فقال: أنا حسود حقود لجوج ذو قسوة.
فقال: ما في إبليس شرّ من هذا!
وبلغ كلامه خالد بن صفوان، فقال: لقد استحلّ الشرّ بحذافيره والمروق من جميع الخير ب [ت] زويره، ولقد تأنّق في ذمّ نفسه وتحرّم في الدلالة على لؤم طباعه وإفراط كفره وشدّة الشكالة لشيطانه الذي أغواه.
وقال الحسين: سمعت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على [330 ب] المنبر بالكوفة يقول:
«اللهمّ، كما نصحتهم فغشّوني، وائتمنتهم فخافوني، فابعث عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهليّة! » فوصفه عليّ وقال: الدجّال مفجّر الأنهار يأكل خضرتها ويلبس فروتها.
ثمّ قال الحسن: هذه والله صفة الحجّاج.
وقال حبيب بن أبي ثابت: قال عليّ رضي الله عنه لرجل: لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف.
قيل له: يا أمير المؤمنين، ما فتى ثقيف؟
قال: ليقالنّ له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنّم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلّا ارتكبها حتى لو لم يبق إلّا معصية واحدة، وبينه وبينهما باب مغلق، لكسره حتى يرتكبها، يقتل من عصاه بمن أطاعه.
وقال سفيان بن سعيد الثوريّ عن سلمة بن كهيل: اختلفت أنا وذرّ المرهبيّ في الحجّاج، فقال: مؤمن، وقلت: كافر.
وقال الأعمش: والله لقد سمعت الحجّاج يقول: يا عجبا من عبد هذيل! يزعم أنّه يقرأ قرآنا من عند الله. والله ما هو إلا رجز من رجز الأعراب! والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه! (1).
ويروى أنّ الحجّاج مرّ بخالد بن يزيد بن معاوية، وهو يخطر في مشيه، فقال رجل لخالد:
من هذا؟
فقال: بخ! بخ! هذا عمرو بن العاص!
فسمعه الحجّاج، فرجع وقال: والله ما يسرّني أنّ العاص ولدني، ولكنّي ابن الأشياخ من ثقيف والعقائل من قريش! وأنا الذي ضربت بسيفي هذا مائة ألف كلّهم يشهد أنّ أباك كان يشرب الخمر ويضمر الكفر.
ثمّ ولّى وهو يقول: بخ! بخ! عمرو بن العاص!
ويروى أنّه أحصي عدّة من قتله الحجّاج فكانوا مائة وعشرين ألفا.
وقال المدائني عن عامر بن حفص: وكان الحجّاج يطعم أهل السجن دقيق الشعير والرماد مخلوطين. ويقال: إنّه كان يخلط لهم في ذلك الملح أيضا.
وكان الحجّاج أخفش منسلق الأجفان.
وخطب يوما فقال: اللهمّ أرني الغيّ غيّا فأجتنبه، وأرني الهدى هدى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فأضلّ ضلالا بعيدا. والله ما أحبّ أنّ ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه. ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء.
وأراد الحجّ، فخطب الناس فقال: أيّها الناس، إنّي أريد الحجّ واستخلفت عليكم ابني هذا، وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمصار: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. ألا وإنّي قد أوصيت ألّا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم! ألا وإنّكم ستقولون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلّا مخافتي: ستقولون
(1) مرّ بنا هذا القول.
بعدي: لا أحسن الله له الصحابة! ألا وإنّي معجّل لكم الإجابة: لا أحسن الله عليكم الخلافة!
ثمّ نزل.
وكان يقول: أيّها الناس، إنّ الكفّ عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله.
وقال عتبة بن عبد الرحمن بن الحارث: ما رأيت عقول الناس إلّا قريبا بعضها من بعض إلّا ما كان من الحجّاج بن يوسف، وإياس بن معاوية، فإنّ عقولهما كانت ترجح على عقول الناس كثيرا.
وضرب الحجّاج أعناق أسرى، فلمّا قدّم رجل لضرب عنقه، قال: والله لئن كنّا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو!
فقال الحجّاج: أفّ لهذه الجيف! أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام؟
وأمسك عن القتل (1).
ولمّا بلغه موت أسماء بن خارجة قال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء، ومات حين شاء؟
وقال: ليت الله إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا، فرفع عنّا الهمّ بالمأكل والملبس والمنكح! أو ليته إذ أوقعنا في هذه الدار هنّأنا أمر الآخرة فرفع عنّا الاهتمام بما ينجي من عذابه!
فبلغ قوله عليّ بن الحسين فقال: ما عمل في التمنّي شيئا، ما اختاره الله خير.
وخطب الوليد بن عبد الملك (2) فقال: إنّ أمير المؤمنين عبد الملك يقول: إنّ الحجّاج جلدة ما بين عينيّ، ألا إنّه جلدة وجهي كلّه!
ويقال: إنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجّاج وهو على المدينة أن فد عليّ، وفد معك
بمائة رجل من وجوه الناس. فوفد بيحيى بن طلحة (3) بن عبيد الله وحده، فخرج الحاجب فقال: أين الحجّاج؟
فدخل على أنّ الوفد [
…
] (4)، فقام يحيى وحده، فقال عبد الملك: فأين المائة؟
فقال [الحجّاج]: هو [331 أ] يعدلها يا أمير المؤمنين (5).
(قال يحيى): فلمّا رأيت مكاني من عبد الملك قلت في نفسي: والله إنّه ينبغي أن أنصح له، عسى الله أن يريحنا من الحجّاج. فقلت: إنّ لي حاجة يا أمير المؤمنين، فأخلني.
قال: ومن أبي محمّد؟
قلت: نعم.
فقال له: قم.
فقام وهو يقول [الطويل]:
كمكتفل كفلا وفي الكفل عقرب
فقلت: يا أمير المؤمنين، والله ما يسعني إلّا نصيحتك، اعلم أنّك استعملت على بيضتك وعشيرتك أخبث الناس سرّا وعلانية.
فقال: وصلك الله وأدّى عنك الحقّ. انصرف.
فقمت. فأرسلت إلى مولى لي كان ذا رأي فقلت: اعلم أنّي وقعت في أمر عظيم، فأخبرته الخبر فقال: بئس والله ما تعرّضت من خليفتك وعاملك!
(1) العقد 2/ 174.
(2)
في المخطوط: ابن عبد الله.
(3)
في سرح العيون لابن نباته (نشر محمد أبو الفضل) 174؛ هو إبراهيم بن طلحة.
(4)
كلام مبتور.
(5)
في العقد 2/ 79: قدمت عليك برجل الحجاز، لم أدع له بها نظيرا
…