الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويذكر أنّ أوّل عمل وليه الحجّاج تبالة، فلمّا سار إليها وقرب منها، قال للدليل: أين هي؟
وعلى أيّ سمت هي؟
قال: تسترها عنك هذه الأكمة.
قال: لا أراني أميرا على عمل تستره عنّي أكمة. أهون بها عليّ!
وكرّ راجعا، فقيل في المثل: أهون من تبالة على الحجّاج.
*** ولمّا حضرت الحجّاج الوفاة، قال للمنجّم:
هل ترى ملكا يموت؟
قال: أرى ملكا يموت اسمه كليب، وأنت اسمك الحجّاج.
قال: أنا والله كليب: أمّي سمّتني به وأنا صبيّ.
فمات.
*** واستخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم، وعلى الحرب يزيد بن أبي كبشة.
وقال الحجّاج مرّة لعبد الرحمن بن الأشعث:
عمدت إلى مال الله فجعلته تحت
…
- وتلجلج خوفا من أن يقول قذعا أو رفثا كما يقول الناس:
تحت استك- ثم قال: تحت ذيلك.
وكتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان يعظّم أمر قطريّ. فكتب إليه عبد الملك: أوصيك بما أوصى به البكريّ زيدا.
[فقال الحجّاج لحاجبه: ناد في الناس: من يخبر الأمير بما أوصى به البكريّ زيدا]، فله عشرة آلاف درهم (1).
فقال له رجل: أنا أخبره.
فأدخله عليه، فقال له: ما قال البكريّ لزيد؟
قال: قال لابن عمّه زيد- والشعر لموسى بن جابر الحنفيّ-[الطويل]:
أقول لزيد: لا تثرثر فإنّهم
…
يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حربا فضعها، وإن أبوا
…
فشبّ وقود الحرب بالحطب الجزل
وإن عضّت الحرب الضروس بنابها
…
فعرضة حرّ الحرب مثلك أو مثلي
فقال الحجّاج: صدق أمير المؤمنين: عرضة نار الحرب مثله أو مثلي.
[قصّة المتمنّية أمّ الحجّاج مع نصر]
وحضر الحجّاج يوما مجلس عبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير عنده يحدّثه ويقول: قال أبو بكر كذا، وسمعت أبا بكر يقول كذا- يعني أخاه عبد الله بن الزبير، فقال الحجّاج: أعند أمير المؤمنين تكنّي أخاك المنافق، لا أمّ لك!
فقال عروة: يا ابن المتمنّية، ألي تقول: لا أمّ لك، وأنا ابن عجائز الجنّة، صفيّة وخديجة وأسماء وعائشة، رضوان الله عليهنّ؟
وهذه المتمنيّة هي الفريعة بنت الهمام، أمّ الحجّاج، وقيل: إنّ أصحاب الحجّاج كانوا يصيحون بابن الزّبير أيّام محاربته بمكّة: يا ابن ذات النطاقين! - وهم يظنّون ذلك سبّا، فيقول عبد الله بن الزبير: أمّي والله! - وينشد بيت أبي ذؤيب [الطويل]:
وعيّرها الواشون إنّي أحبّها
…
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
[338 ب] ويحمل ويقول: مكانك يا ابن المتمنّية- يعني أمّ الحجّاج.
(1) زيادة من ذيل الأمالي 71.
وقيل للفريعة أمّ الحجّاج «المتمنّية» لقولها في نصر بن حجّاج بن علاط بن خالد بن نويرة بن خالد بن حنثر بن نويرة بن هلال بن عبيد بن ظفر بن يهصر [البسيط]:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
…
أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج؟
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل
…
سهل المحيّا كريم غير ملجاج
نمته أعراق صدق حين تنسبه
…
أخو حفاظ عن المكروب فرّاج
سامي النواظر من بعد له مهل
…
تضيء صورته في الحالك الداجي
5 نعم الفتى في سواد الليل يطرقه
…
لبائس ولملهوف ومحتاج (1)
وكانت تهوى نصرا هذا حتى ضرب بها المثل، فقيل: أصبّ من المتمنّية. وكان نصر أحسن أهل زمانه صورة فضنيت من حبّه ودنفت من الوجد به، ثمّ لهجت بذكره حتى سار ذكره هجّيراها. فمرّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات ليلة فسمعها، فتقول رافعة صوتها: هل من سبيل إلى خمر فأشربها
…
الأبيات- فقال عمر: «من هذه المتمنّية؟ » فعرّف خبرها، فلمّا أصبح أحضر المتمنّى، فلمّا رآه بهره جماله، فقال له: أنت الذي تتمنّاك الغانيات في خدورهنّ، لا أمّ لك؟
والله لأزيلنّ عنك رداء الجمال!
ثمّ دعا الحجّام فحلقه، ثمّ تأمّله فقال:«أنت محلوقا أحسن» . فأمره أن يعتمّ فافتتن النساء بعمّته. فقال عمر: والله لا تساكنّي بلدا.
فقال: وأيّ ذنب لي في ذلك؟
قال: صدقت، الذنب لي إذ تركتك في دار الهجرة.
ثمّ أركبه جملا وسيّره إلى البصرة وكتب معه إلى مجاشع بن مسعود السلميّ: «إنّي صيّرت إليك المتمنّى نصر بن حجّاج السلميّ إلى البصرة» .
فاستلب نساء المدينة لفظة عمر فضر بن بها المثل، فقلن:«أصبّ من المتمنّية» ، فصارت مثلا. وقال نصر بن الحجّاج لمّا حلق [الطويل]:
لقد حسد الفرعان أصلع لم يكن
…
إذا ما مشى بالفرع بالمتخايل
فصلّع رأسا لم يصلّعه ربّه
…
يرفّ رفيفا بعد أسود جائل
واشتدّ على أمّ نصر غيبة ابنها، فعرضت لعمر بين الأذان والإقامة، فلمّا خرج يريد الصلاة قالت: يا أمير المؤمنين لأحاكمنّك بين يدي الله! أيبيت عبد الله وعاصم إلى جنبك، وبيني وبين ابني المفاوز والفيافي؟
قال لها: إنّ عبد الله وعاصما لم تهتف بهما الغواني العواتق في خدورهنّ.
وكتب نصر بن الحجّاج من البصرة إلى عمر:
سلام عليك، أمّا بعد [الطويل]:
لعمري لئن سيّرتني أو حرمتني
…
لما نلت من عرضي عليك حرام
أإن غنّت الحسناء يوما بمنية
…
وبعض أمانيّ النساء غرام
ظننت بي الأمر الذي ليس بعده
…
عزاء، وما لي في النديّ كلام
ويمنعني ممّا ظننت تكرّمي
…
وآباء صدق طاهرون كرام
5 ويمنعها ممّا ظننت صلاتها
…
وحصن لها في قومها وصيام
(1) عيون الأخبار 4/ 23.