الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
توفّي في ذي القعدة سنة عشرين ومائتين.
1113 - الحارث بن العبّاس بن عبد المطّلب
(1)
[480 أ] الحارث بن العبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، أبو فضل، ابن أبي الفضل، الهاشميّ.
أمّه حجيلة بنت جندب بن الربيع الهذليّة.
وقيل: بل أمّه أمّ ولد. ووجد عليه أبوه العبّاس فلحق بالزبير بن العوّام، وهو ببعض مغازيه، فانصرف به معه وكلّمه فيه، فرضي [314 ب] عنه.
وقال هشام ابن الكلبيّ والهيثم بن عديّ: طرد العبّاس الحرث فأتى الشام، ثمّ صار إلى الزبير، فلمّا قدم الزبير قدم به معه وأتى به العبّاس. فلمّا رآه قال له: يا زبير، جئتني بأبي فضل؟ لا وصلتك رحم! نحّه عنّي!
فمات العبّاس، وعمي الحارث بعده، فقال حين عمي: كلّا! زعمتم أنّه ليس أبي، وأنّي لست ابنه، وقد عميت كما عمي.
1114 - الحارث بن مسكين [154 - 250]
(2)
[481 أ] الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف، أبو عمر، مولى محمد بن زبان بن عبد العزيز بن مروان، فقيل: مولى عتاقة، وقيل:
مولى إسلام.
ولد سنة أربع وخمسين ومائة. ورأى الليث بن
سعد وسأله عن العصير. فقال: هو حلال ما لم يهدر، فإذا هدر فلا خير فيه (3).
ليس له عن الليث غير هذه المسألة.
ورأى المفضّل بن فضالة، وتخلّف سماعه، فروى عن سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، ودوّن أسمعتهم وعدّ في أكابر أصحابهم. وجمع كتابا فيما اتّفق فيه رأي ابن وهب وابن القاسم وأشهب.
وروى عنه أبو داود والنسائيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصليّ، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن زياد بن حبيب، وعبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن رشدين بن سعد، وجماعة.
وكان فقيها على مذهب مالك، ثقة في الحديث، ثبتا، عظيما في نفسه، حافظا لمذهبه، وهو أحد قضاة مصر، سئل عنه الإمام أحمد بن حنبل قبل أن يلي القضاء فأثنى عليه خيرا، وقال إنّه رآه (قال): وما بلغني عنه إلّا خير. (قال):
وكانوا يتساهلون في الأخذ عنه.
وقال أبو حاتم: هو صدوق.
وقال يحيى بن معين: لا بأس به.
وقال النسائيّ: ثقة صدوق، وفي رواية: ثقة مأمون.
وقال ابن وضّاح: هو ثقة الثقات.
وقال ابن يونس: كان فقيها على مذهب مالك بن أنس، أخذ الفقه عن ابن القاسم وابن وهب، ورأى الليث بن سعد وسأله. وكان يجالس برد بن نجيح صاحب مالك. وقعد في حلقة برد
(1) المعارف 122.
(2)
الأعلام 2/ 160؛ تاريخ بغداد 8/ 216 (4331)؛ الكندي 467، 502؛ وفيات 2/ 56 (151)؛ الوافي 11/ 257 (376)؛ السبكي 2/ 113 (23)؛ الديباج 1/ 106؛ أعلام النبلاء 12/ 54 (12)؛ تهذيب التهذيب 2/ 156 (273).
(3)
هدر اللبن والشراب وغيره: راب وحمض.
بعد موته، وكان حمل مع من حمل من مصر في محنة القرآن، حمله المأمون، فأقام في السجن ببغداد إلى أن ولي المتوكّل، فأطلق جميع من كان في السجن، فخرج ورجع إلى مصر، وكتب إليه المتوكّل بعهده على القضاء.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: قال لي أحمد بن أبي دؤاد: يا أبا عبد الله، لقد قام حارثكم لله عز وجل مقام الأنبياء- وكان ابن أبي دؤاد إذاذكره أحسن ذكره وأعظمه جدّا، وكان يكتب إلى ابن أبي الليث بالوصاة به.
وقال أبو عمر الكندي: وكان مفتيا فقيها، حدّثني عاصم بن رازح قال: حدّثني بحر بن نصر [الخولانيّ](1)، قال: عرفت الحارث أيّام ابن وهب على طريق وزهادة وورع وصدق لهجة حتّى مات.
وقال أبو زكريّا [يحيى بن معين](2):
الحارث بن مسكين خير من أصبغ [بن الفرج](3) وأفضل، وأفضل من عبد الله بن صالح كاتب الليث، وكان أصبغ أعلم خلق الله كلّهم برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة ومتى قالها [مالك] ومن خالفه فيها.
وقال عبد الله بن عيسى بن عبد الله المرادي في كتابه «المسالك في تعريف أتباع الإمام مالك» : تقدّم الحارث على الأفراد، وساد على الأجواد، امتحن فصبر، واختبر فجاد وغفر، روى عنه كافّة المصريّين، وكان فقيها كبيرا، وله في المذهب مصنّفات منها كتاب كبير نحو 481 ب] من ثماني مجلّدات،
وله «اختلاف الرواية عن أصحاب مالك» يكون في مجلّدين. وتفقّه بالمصريّين وأصحاب مالك.
وقال الخطيب: كان ثبتا في الحديث، فقيها على مذهب مالك، حمله المأمون إلى بغداد أيّام المحنة وسجنه، لأنّه لم يجب إلى القول بخلق القرآن. فلم يزل محبوسا إلى أن ولي المتوكّل فأطلقه. فحدّث ببغداد ورجع إلى مصر.
وقال أبو عمر الكندي عن سعيد بن كثير بن عفير: لمّا قدم أمير المؤمنين المأمون مصر، تلقّاه الناس بالفرما يرفعون على عمّال مصر، فلم يلتفت إليهم. ودسّ العمّال قوما يثنون عليهم عند المأمون، منهم أبو صالح الحرّانيّ، وابن أبي رملة، فبعث المأمون بالفضل بن مروان وأحمد بن أبي دؤاد إلى المسجد، فأوقفا إبراهيم بن تميم وأحمد بن محمد بن أسباط، وأرسلا إلى الحارث بن مسكين فسألوه عنهما، فذكر عنهما شرّ ثناء ممّا قد ظهر وانتشر، فانتهره الفضل بن مروان، فانصرف الحارث إلى منزله. وشخص المأمون إلى الغرب ثمّ إلى سخا، وشخص بالحارث إليه، فدخل عليه بسخا فسأله فأخبره بسوء السماع فيهما، فقال للحارث: لا تؤوي [ك] البلاد، وأخرج.
وذكر في رواية أخرى عن أبي يزيد يوسف بن يزيد، قال: قدم المأمون مصر، وكان بها رجل يقال له الحضرميّ يتظلّم من ابن أسباط وابن تميم، فجلس الفضل بن مروان في المسجد الجامع، وحضر مجلسه يحيى بن أكثم وابن أبي دؤاد، وحضر إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زياد- وكان على مظالم مصر- وحضر جماعة من فقهاء مصر وأصحاب الحديث، وأحضر الحارث بن [315 أ] مسكين ليولّى قضاء مصر، فدعاه الفضل بن مروان، فبينا هو يكلّمه إذ قال
(1) بحر بن نصر مرّت ترجمته رقم 909.
(2)
الحافظ أبو زكريّا المرّي (ت 233): أعلام النبلاء 11/ 71 (28).
(3)
أصبغ بن الفرج مفتي مصر (ت 225) مرّت ترجمته برقم 794.
الحضرميّ للفضل: سل، أصلحك الله، الحارث عن ابن أسباط وابن تميم!
فقال: ليس لهذا أحضرناه.
فقال: أصلحك الله، سله!
فقال الفضل للحارث: ما تقول في هذين الرجلين؟
قال: ظالمان غاشمان.
قال: ليس لهذا أحضرناك.
فاضطرب المسجد، وكان الناس متوافرين، فقام الفضل وسار إلى المأمون بالخبر، وقال:
خفت على نفسي من ثوران الناس مع الحارث.
فأرسل المأمون إلى الحارث، فدعاه فابتدأه بالمسألة، فقال:
ما تقول في هذين الرجلين؟
قال: ظالمان غاشمان.
قال: هل ظلماك بشيء؟
قال: لا.
قال: فعاملتهما؟
قال: لا.
قال: فكيف شهدت عليهما؟
قال: كما شهدت أنّك أمير المؤمنين ولم أرك قطّ إلّا الساعة، وكما شهدت أنّك غزوت، ولم أحضر غزوتك.
قال: اخرج من هذه البلدة، فليست لك [482 أ] ببلاد، وبع قليلك وكثيرك فإنّك لا تعاينها أبدا (1).
وحبسه في رأس الجبل في قبّة [ابن] هرثمة (2)
في خيمة، ثمّ انحدر المأمون آلى البشرود وأحدره معه، فلمّا فتح البشرود أحضر الحارث، فلمّا دخل عليه سأله عن المسألة التي سأله عنها بمصر، فردّ عليه الجواب بعينه.
قال: فأيّ شيء تقول في خروجنا هذا؟
قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك أنّ الرشيد كتب إليه في أهل دهلك (3) يسأله عن قتالهم، فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم من السلطان فلا يحلّ قتالهم. وإن كانوا إنّما شقّوا العصا فقتالهم حلال.
فقال: أنت تيس، ومالك [أتيس](4) منك.
ارحل عن مصر!
قال: يا أمير المؤمنين، إلى الثغور.
قال: الحق بمدينة السلام.
فقال له أبو صالح الحرّاني: يا أمير المؤمنين تغفر زلّته.
فقال: يا شيخ، شفعت إن نفع (5) - وجعل المأمون يقول للحارث: يا ساعي! - يردّدها، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أنا بساع
…
وإن أذن لي أمير المؤمنين تكلّمت.
قال: تكلّم!
فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أنا بساع، ولكنّي أحضرت فسمعت وأطعت حين دعيت. ثمّ سئلت عن أمر فاستعفيت فلم أعف، ثلاثا، فلمّا رأيت أنّه لا بدّ لي من الكلام كان الحقّ آثر عندي من غيره.
فقال المأمون: هذا رجل أراد أن يرفع له علم
(1) في ك. الولاة: فإنّك لا تبقى فيها أبدا.
(2)
في الخطط 2/ 202: ابتناها حاتم بن هرثمة، وتعرف بقبّة الهواء.
(3)
دهلك مجموعة جزر في البحر الأحمر كان بنو أميّة يسجنون بها الخصوم: الطبري 6/ 557 و 7/ 509 وياقوت ودائرة المعارف الإسلاميّة.
(4)
زيادة من الخطط 2/ 202.
(5)
في الخطط: تشفّعت فارتفع.
ببلده، خذه إليك! - يشير إلى أبي صالح الحرّاني.
وخرج المأمون راحلا عن مصر لثماني عشرة خلت من صفر سنة تسع عشرة ومائتين، وأخرج بالحارث، فخرج معه ابنه إبراهيم، وكان إبراهيمرفيق أبي خالد اليماميّ في المحمل. فلمّا كانوا في مفرق الطريق إلى طرسوس وإلى العراق، أمر المأمون بالحارث أن يذهب به إلى العراق، وبأبي خالد إلى الثغر.
وحجّت امرأة الحارث، فسارت من مكّة إلى العراق، فأقام الحارث بالعراق ستّ عشرة سنة حتّى مات المأمون والمعتصم، وولي الواثق.
فذكره لابن أبي دؤاد، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، هو حاضر.
فقال: ما ظننت أنّه حيّ؟
فأرسل إلى الحارث وهو بمدينة السلام نازل على الحسن بن عبد العزيز الجرويّ، فقال: سل حاجتك.
فقال: حاجتي أن لا تحملني إلى سرّ من رأى.
فقال ابن أبي دؤاد للواثق: هو شيخ ضعيف، وخفت أن أحمله فيموت.
قال: فاكتب إليه يتوجّه حيث شاء.
فقدم [482 ب] مصر سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، واغتمّ عليه أهل بغداد أسفا على فقده، خصوصا، أبو عليّ الحسن بن عبد العزيز الجرويّ، فكتب إلى سعدان بن زيد وهو بمصر يشكو إليه ما نزل به لفقد الحارث، وفي آخر كتابه هذه الأبيات [البسيط]:
من كان يسليه [نأي] عن أخي ثقة
…
فإنّني غير سال آخر الأبد (1)
وكيف ينساك من قد كنت راحته
…
وموضع المشتكى في الدين والولد؟
كنت الخليل الذي نرجو النجاة به
…
وكنت منّي مكان الروح في الجسد
ففرّقت بيننا الأقدار واضطرمت
…
بالوجد نار الحزن والكمد [315 ب]
فأجابه سعدان [الرمل]:
أيّها الشاكي إلينا وحشة
…
من حبيب بان عنّا فبعد (2)
حسبك الله أنيسا فبه
…
يأنس المرء إذا المرء سعد
كلّ أنس بسواه زائل
…
وأنيس الله في عزّ الأبد
ولقد متّعك الله به
…
بضع عشر من سنين قد تعدّ
5 لو تراه وأبا زيد معا
…
وهما للدين حصن وعضد (3)
يدرسون العلم في مسجدهم
…
وإذا جنّهم الليل هجد
وإذا ما وردت معضلة
…
أسند القوم إليهم ما ورد
نوّر الله به مسجدهم
…
فهو للمسجد نور يتّقد
فلمّا قام المتوكّل في الخلافة ولّى قضاء مصر جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ. فكتب إلى الحارث ابن مسكين فقلّده قضاء مصر، وكان قد ذكر عند المتوكّل فأثنى عليه، وذكر عنده لقضاء مصر عيسى بن أبي لهيعة، فقيل له: الله الله، يا أمير المؤمنين! في المسلمين عيسى مشتهر بالشطرنج.
(1) زيادة من تاريخ بغداد 8/ 217.
(2)
في المخطوط: نأى، والتصويب من ك. الولاة 503.
(3)
حاشية في الهامش: يعني أبا زيد عبد الرحمن بن أبي أنعم عمر، يروي عن مفضّل بن فضالة. مات سنة 224.
فقال: من ترون توليته؟
قيل له: رجل يعرفه أمير المؤمنين، وهو الحارث بن مسكين.
قال: اكتبوا بولايته!
فورد على الحارث كتاب تقليده القضاء وهو يومئذ بالإسكندريّة، فلمّا قرأه امتنع من الولاية.
فجبره إخوانه على قبوله وقالوا: نحن نقوم بين يديك.
فقدم الفسطاط وجلس للحكم في مجلس القضاء من المسجد الجامع في يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين ومائتين. واستكتب محمّد بن سلمة المراديّ، وولّى على [483 أ] أموال السبيل والغيّب، فحمله أصحابه على أن كشف على القاضي أبي بكر محمد بن أبي الليث فأمر به، وكان يوقف كلّ يوم بين يديه ويضرب عشرين سوطا ليخرج ما وجب عليه من الأموال التي كانت تحت يده، فأقام على ذلك أيّاما حتى كلّم الحارث في ذلك، وقيل له:
لا يحبّ للقاضي أن يتولّى مثل ذلك، وإنّه لقبيح بالقاضي فعله، فخلّى عنه وترك مطالبته.
ودعي الحارث إلى لباس السواد، وهو يومئذ شعار الدولة العبّاسيّة، فامتنع من لبسه لأنّه كان أمويّا (1)، فخوّفه أصحابه سطوة السلطان له، وقالوا له: يقال إنّك من موالي بني أميّة.
فأجابهم إلى لباس كساء أسود من صوف، وقيل: بل استمرّ على الامتناع، فكتب الأمير إلى المتوكّل بذلك. فورد كتابه: إن لم يلبس فاخلع وركيه! فأمر به الوالي أن يحضر برسول بعث به إليه، فلقيه محمد بن سعيد، والرسل تزعجه وقد وله. فدنا منه وقال له: يا شيخ، لا يهولنّك ما
ترى، فإنّ إبراهيم عليه السلام أسلمه أهل الأرض فلم يضرّه ذلك لمّا كان الله له.
فاعتنقه وقال: أحييتني يا أخي بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدا.
وأقرأه الوالي كتاب المتوكّل، فامتنع من لباس السواد. فقال شيخ من ناحية المسجد: إنّ الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب الفرجيّة (2) التي تعمل باليمن.
فقال الحارث: بل إنّي ربّما ألبسها.
فقال له الوالي: فالبسها!
قال: أمّا تلك، فنعم.
فقنع منه بذلك وكتب به إلى المتوكّل، وخلّى عنه.
قال ابن قديد: وكان الحارث مقعدا من رجليه، فكان يحمل في محفّة في المسجد الجامع، وكان يركب حمارا، متربّعا.
وأمر الحارث في ولايته بإخراج أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعيّ من المسجد، وأمر بنزع حصرهم من العمد. وأنزل عامّة المؤذّنين وأخرجهم من الأذان. ومنع قريشا والأنصار أن يدفع إليهم من طعمة رمضان شيء. وحوّل سلّم المؤذّنين إلى غربيّ [316 أ] المسجد. وبلّط زيادة عبد الله بن طاهر التي في المسجد، وأصلح سقوفه، وبنى سقاية في الحذّائين، وأمر ببنيان رحبة ملاصقة لدار الضرب ليتّسع الناس بها.
وحفر خليج الإسكندريّة، ونهى عن تقبيل المصايد، فأبيحت للناس. ومنع من النداء على الجنائز وضرب فيه. وضرب [483 ب] القرّاء الذين يقرءون بالألحان. وكشف أمر المصاحف التي
(1) كان أمويّا بالولاء.
(2)
في المخطوط: العرحية، وفوقها: كذا.
بالمسجد الجامع، وولّى عليها أمينا من قبله، وهو أوّل القضاة فعل ذلك.
وترك تلقّي الأمراء والسلام عليهم. ولا عن بين رجل وامرأته، ونفى وضرب الحدّ في سبّ أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وتهدّد بالرجم.
وقتل نصرانيّا سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد أن جلده الحدّ.
وأمر بضرب عنق رجلين نصرانيّين شهد عنده أنّهما ساحران، فكانت بينه وبين يزيد بن عبد الله الأمير في ذلك منازعة. وهدم مسجدا بناه خراسانيّ بين القبور.
ولم يكن في ولايته خلل سوى في بيت مال القضاة، فإنّ أمره لم يجر على استقامة من أجل أنّه دفع مفتاحه إلى أخيه محمد بن مسكين ولإبراهيمبن أيّوب ليخرجا منه شيئا، فاتّهم إبراهيم أنّه سرق منه ثلاثين ألف دينار، ثمّ كتبت رقعة إلى الحارث بالطعن في ولاته، فاستبدل بكتّابه وأعوانه وغيّرهم.
وشهد عنده رجل، فقال له: ما اسمك؟
قال: جبريل.
فقال له: لقد ضاقت عليك أسماء بني آدم حتى سمّيت بأسماء الملائكة؟
فقال له الرجل: كما ضاقت عليك الأسماء حتّى سمّيت باسم الشيطان، فإنّ اسمه الحارث.
وفي رواية أنّ رجلا تقدّم إليه في خصومة، فناداه رجل باسمه وكان اسمه إسرافيل، فقال له الحارث: ما حملك على أن تسمّى بهذا الاسم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: لا تسمّوا بأسماء الملائكة؟
فقال له: فلم سمّي مالك بن أنس، وقد قال الله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ [الزخرف: 77]؟ ثمّ قال:
والله لقد تسمّى الناس بأسماء الشياطين، فما عيب ذلك- يعني الحارث، ويقال: هو اسم إبليس لعنه الله.
وحضر الحارث جنازة في جمع من وجوه مصر، وفيهم يونس بن عبد الأعلى، فأخذ يونس في كلام الزهّاد والحكاية عن الصالحين حتى بكى من حضر. فالتفت الحارث إلى يونس، وقال له برفق: أنت تحسن هذا كلّه، وأنت تصنع وتصنع؟
فقال له يونس: أنت قاض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكّين.
وكان الحارث منحرفا على يونس، فاتّفق أنّه شهد عنده بشهادة وانصرف. فأسقط في يديه وعلم أنّ أصحاب مسائل الحارث، وهم أبو برد أحمد بن سليمان بن برد، وعمرو ويزيد ابنا يوسف بن عمرو سيجرحونه، فرجع إلى الحارث من وقته [484 أ] وقال: أصلح الله القاضي، إنّي شهدت اليوم شهادة وفي قلبي منها شيء، لست أحقّها.
فأوقف الحارث الشهادة، وبلغ أصحاب مسائله ذلك، فقالوا: أفلت يونس من أيدينا.
ودخل إلى الحارث رجل فخاطبه بشيء، فقال له الحارث: من يشهد لك؟
قال: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم.
فقال له الحارث: قل له إن كان رجلا فليأت وليشهد.
فقال رجل من أهل العراق: ما أعجب أمركم يا أهل مصر! يكون سليم الأسود الخادم معدّلا فيكم، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم مجروح؟
فسمعه سليم فقال: يا هذا، إنّي لم أخن
أمانتي، ولم أدّع ما ليس لي- وكان الحارث قبل سليما بغير شاهد شهد له، وقال: أنا به عارف.
وكانت عجوز لها موروث في دار فغصبته، وكان مالك بن سيف التجيبيّ ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم يشهدان لها، فشهد لها مالك عند الحارث، وأقامت المرأة تختلف إليه زمانا ليأذن لها في إحضار محمد بن [عبد الله بن] عبد الحكم، والحارث يمتنع من إحضاره، فلمّا تيقّن أنّها مظلومة ولم يتمّ لها الشهادة، بعث من قوّم ذلك الموروث من الدار، فقوّم بخمسين دينارا. فدفعها الحارث إلى المرأة [316 ب] حتّى لا يحضر ابن عبد الحكم.
وخوصم وكيل السيّدة في دار من دورها، فحكم الحارث على وكيلها بإخراج الدار من يده إلى خصمه. فرفع ذلك إلى العراق، فورد الكتاب على عنبسة بن إسحاق الأمير، فيه: وذكر الفضل بن مروان أنّ الحارث بن مسكين لم يزل معروفا بالانحراف عن السلطان والمباعدة لأسبابه في أيّام المأمون. وإنّ أمير المؤمنين أيّده الله أمر أن نكتب إليك ما رفع الفضل بن مروان من ذلك، وأن تعلم الحارث أنّ مقام وكلاء جهة (1) أمير المؤمنين في ضياعها ودورها ومستغلّاتها بمصر مقام من يحوطها ويجبي أموالها، وتأمر بردّ الدار التي كانت في أيديهم المعروفة بعليّ بن عبد الرحمن الموصليّ إلى أيديهم كما كانت قبل عرضه فيها، وترك النظر في شيء ممّا في يدي وكلاء أمير المؤمنين من الضّياع والدور وغلّات مصر، والاعتراض على أولئك الوكلاء، بما يوهن أمرهم أو يطمع في شيء ممّا في أيديهم من حقوق أمير المؤمنين. ويأمر بالتقدّم إلى الحارث في ترك
النظر في شيء من الضّياع [484 ب] والتعرّض لما في أيدي الوكلاء منها، ومنعه من ذلك إن حاوله.
وكتب بما أمر به أمير المؤمنين في ذلك، وبمنع الحارث من تقدّمه وتجاوزه. واعمل بما أمر به أمير المؤمنين، وانته إليه، وقف عنده، وتوقّ مجاوزته والتقصير فيما أمرت به. وكتب أحمد بن الخصيب يوم الاثنين لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربعين ومائتين.
ثمّ كثرت المرافعات في الحارث، فرفع عليه أنّ رجلا شهد عنده وقد حلق شعر رأسه، فقال له:
أشاميّ أنت أم عراقيّ؟
فقال له الشاهد: بل كوفيّ.
فقال الحارث: فأخبث وأشرّ.
ورفع عليه أنّه شهد عنده شاهد أنّ ابن أبي الليث أشهد عليه بكذا.
فقال له: تذكر ابن أبي الليث في مجلسي؟ لا تعد إليّ في شهادة!
ورفع عليه أنّه قال لسهل بن سلمة الأسوانيّ:
قد عدّلت عندي، ولست أقبل شهادتك لأنّك عملت لابن أبي الليث.
ورفع عليه أنّه قال لسليمان بن أبي نصر: لا أجيز وصيّة من أوصى إليك، وقد صحّ عندي أنّك كنت تأتي ابن أبي الليث- وأخرج الوصيّة من يده.
وكانت دار بخطّة أبي ثعلبة الخشنيّ من الفسطاط تعرف بدار الفيل من أجل أنّ متملّك الهند أهدى إلى الوليد بن رفاعة أمير مصر فيلا، فصيّره بها. وكان أبو عثيم مولى مسلمة بن مخلد الأنصاريّ حبّس هذه الدار على مواليه الذين بفسطاط، وهم: كعب بن سليمان، وناصح، ويسار، ورافع، وعليّ، وأولادهم وأولاد أولادهم
(1) الجهة هنا: زوجة الخليفة، وقد سمّيت السيّدة قبل قليل.
ما تناسلوا، ذكرهم وأنثاهم سواء. وإذا لم يبق أحد من أولادهم رجعت الدار إلى السبيل إلى جزءين: الجزء الأوّل على الفقراء والمساكين، والجزء الثاني على من يسكن فسطاط مصر من صليبة بني ساعدة من الأنصار من آل أبي دجانة سماك بن حرشة الساعديّ، وهم عصبة مولاه مسلمة بن مخلد على المطوّعة وأهل الديوان ممّا لم يبلغ عطاؤه مائتين. فمن بلغ عطاؤه مائتين، فلا حقّ له في أجرة ولا سكنى، فإن لم يحضر الفسطاط أحد من بني ساعدة، كان النصف الذي لهم مضموما إلى النصف الأوّل في سبيل الله عز وجل.
وتاريخ كتاب التحبيس في سنة ثلاث وتسعين.
ثمّ قدم مولى لأبي عثيم من إفريقيّة اسمه رباح، وهو غير من سمّى أبو عثيم في كتابه، فادّعى أنّ له في هذه الدار مثل ما لموالي أبي عثيم. [485 أ] وخاصم في ذلك إلى توبة بن نمر الحضرميّ قاضي مصر (1)، فجعل الحبس لمن سمّى أبو عثيم من مواليه، وأخرج رباحا المدّعي منهم، وقضى بذلك في كتاب تاريخه سنة سبع عشرة ومائة.
وتأخّر من موالي أبي عثيم محمد بن ناصح وعزّة بنت عمرو بن رافع، فماتت عزّة، وتركت ابنها إبراهيم بن عبد الصمد المعروف بالسابح.
فخاصم إبراهيم [317 أ] إلى المفضّل بن فضالة قاضي مصر، فيما كان بيد أمّه من هذه الدار. فرأى المفضّل أن لا حقّ لإبراهيم هذا في الدار، ولم يره من عقب موالي أبي عثيم على مذهب أهل المدينة، وسلّم دار أبي عثيم كلّها إلى محمد بن ناصح.
ثمّ خاصم ابن السابح إلى عبد الرحمن بن عبد الله العمريّ قاضي مصر، فأخرج محمد بن ناصح قضيّة المفضّل بإخراج ابن السابح منها.
فنفّذ العمري قضيّة المفضّل.
ثمّ تخاصما إلى إبراهيم بن الجرّاح قاضي مصر، فحكم بردّ النصف إلى إبراهيم بن السابح، ورآه من العصب.
ثمّ مات محمد بن ناصح وإبراهيم بن عبد الصمد بن السابح وتركا أولادهما:
إسحاق بن إبراهيم بن عبد الصمد بن السابح، وعبيد بن محمد بن ناصح، فتناظرا فيها إلى هارون بن عبد الله الزهري قاضي مصر، فقضى هارون أن لا حقّ لإسحاق بن إبراهيم [بن عبد الصمد] بن السابح.
ثمّ تخاصما إلى محمد بن أبي الليث قاضي مصر، فرأى أنّ إسحاق من عصب موالي أبي عثيم، وسلّم إليه وإلى أخيه أحمد بن إبراهيم نصف الدار، وأقرّ النصف في يد عبيد بن محمد بن ناصح، فلمّا ولي الحارث بن مسكين خاصم عبيد هذا إليه وأتاه ببيّنة تشهد على حكم هارون الزهري، فحكم الحارث بإخراج بني السائح من الدار وأسلمها كلّها عبيد بن محمد بن ناصح، وأخرج عيال إسحاق وأحمد ابني إبراهيم بن عبد الصمد منها.
ولم يحضر إسحاق الحكم، فكان حكم الحارث عليه، وهو غائب، على مذهب أهل المدينة. فقدم من سفره واختلف إلى الحارث زمانا يناظره في حكمه عليه وهو غائب فلم يجده شيئا. فخرج إلى العراق ورفع على الحارث وتظلّم منه بباب المتوكّل والمنتصر (2)، فأمر المتوكّل بإحضار الفقهاء، فنظروا في قضيّة الحارث فخطّئوه فيها على مذهبهم وتناولوه بألسنتهم، فكتب المتوكّل إلى قاضي القضاة جعفر بن
(1) توبة بن النمر قاضي مصر مرّت ترجمته برقم 1036 (ت 120).
(2)
المنتصر العبّاسيّ ولي سنة 247.