الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان يسكن بمنازل العزّ (1) في مدينة مصر. وقيل:
بل هجموا عليه من غير استئذان، فتلقّاهم في [488 ب] صحن الدار، وعليه رداء، فأخذته السيوف وقطع الدكز رأسه. وكان محمود بن ذبيان أمير بني سنبس في خزانة الشراب فدخلوا فقتلوه، ومضوا إلى أخيه تاج المعالي [ابن حمدان] وإلى ابنه فخر العرب عليّ وجماعة من أهل بيته فقتلوهم (2)، وانقطع من حينئذ أثر بني حمدان من ديار مصر ولم يبق لهم ذكر. وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102].
واتّفق أنّ ناصر الدولة هذا نظر إلى أخيه المهذّب [
…
] وقد وفّر له وفرة من شعره فقال:
يا مهذّب نحن قوم خوارج عرب. أين أنت وهذا الشعر الذي قد تركته؟ .
فقال له المهذّب: يا مولانا نحن قوم خوارج، وقلّما مات الخارجيّ إلّا مقتولا، فيكون حمل المقتول بشعره المظفور خير [ا] من أن يخرق شدقه ويحمل به وبلحييه.
فقال ناصر الدولة: ذخيرة سوء ليوم مشئوم.
فأراد الله أنّه لمّا قتل ناصر الدولة والمهذّب حمل رأس المهذّب بدبّوقته (3) المظفورة، وناصر الدولة ثقب شدقه وحمل به.
وفي ناصر الدولة هذا يقول ابن حيّوس [الكامل]:
محض الإباء وسؤدد الآباء
…
جعلاك منفردا عن الأكفاء (4)
ولقد جمعت حميّة وتقيّة
…
تثني إليك عنان كلّ ثناء
الدهر في أيّام عزّك، [لا انقضت]
…
متعوّض عن ظلمة بضياء
حطت الرعايا بالرعاية رأفة
…
فاضت على القرباء والبعداء
1232 - الحسين بن حمدان [- 306]
(5)
الحسين بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد- وقيل: الرشيد- بن المثنّى بن رافع بن الحارث بن بطيف بن مجربة بن حارثة بن مالك بن جشم- أحد الأراقم- بن بكر بن خبيب بن عمرو بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معدّ بن عدنان، الأمير أبو عبد الله، وأبو علي، التغلبيّ، عمّ سيف الدولة أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان.
فبنو حمدان جرثومة نسبهم تغلب، وشعبهم في ربيعة. وحمدان أوّل من اشتهر منهم ذكره. وكان يقال له: مكايد المحل. وقام مع هارون بن عبد الله الصفريّ الشاري ببلاد الموصل بعد سنة ستّين ومائتين وغلظ أمره حتّى أخذ قلعة ماردين وغيرها، وخرج إليه المعتضد بالله فاستخلف ابنه حسينا على قلعة ماردين وفرّ في المحرّم سنة اثنتين وثمانين ومائتين. فسلّم الحسين القلعة بأمان.
وأخذ المعتضد حمدان واحتفظ به وجدّ في قصد هارون الشاري وبعث الحسين بن حمدان في طلبه ومعه جماعة من الفرسان والرجّالة في سنة ثلاث
(1) منازل العزّ منتزهات وقصور «بنتها السيّدة تغريد أمّ العزيز
…
وكانت مطلّة على النيل
…
وبموضعها الآن المدرسة التقويّة». الخطط، 2/ 376.
(2)
النجوم 5/ 21. أخبار مصر لابن ميسّر 22.
(3)
الدبّوقة: الظفيرة من الشعر.
(4)
ديوان ابن حيّوس 1/ 12. وفي المخطوط
…
جعلوك.
(5)
الوافي 12/ 360 (344) - تهذيب ابن عساكر 4/ 294، دائرة المعارف الإسلاميّة 3/ 639. وانظر فيما سبق التراجم 1179، 1230، 1231.
وثمانين، فانتخب ثلاثمائة فارس، ومعهم وصيف الخادم. فقال الحسين: يا أمير المؤمنين، إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين، (قال) أوّلها إطلاق أبي. وحاجتان أذكرهما بعد مجيئي به.
فقال المعتضد: لك ذلك.
قال الحسين: يا أمير المؤمنين، تأمر وصيفا بطاعتي.
فأمره بطاعته. فسار ولقيه فأوقع به وقتل بينهم قتلى كثيرة وانهزم هارون فتبعه حتّى أخذه أسيرا وجاء به إلى المعتضد. وانصرف المعتضد من الموصل وكان قد قدمها بسبب هارون وصار إلى بغداد في ربيع الأوّل منها، وخلع على الحسين وطوّقه وخلع على إخوته وأمر بحلّ قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه ووعد الحسين بإطلاقه.
ولم يزل الحسين ببغداد إلى أن مات أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو العبّاس أحمد واستخلف من بعده
…
المكتفي بالله محمد (1) وقام بأرض الشام من القرامطة أبو العبّاس أحمد بن زكرويه بن مهرويه المعروف بصاحب الشامة وتلقّب بالمهديّ أمير المؤمنين. وخطب له على منابر أطراف حمص، وعهد لابن عمّه عبد الله بن أحمد الملقّب [489 ب] بالمدّثر، ثمّ غلب على حمص وحماة وبعلبك وسلميّة، وأفسد وخرّب، وحصر حلب. فخرج المكتفي من بغداد في سنة تسعين ومائتين ونزل الرقّة. وبعث محمد بن سليمان الكاتب على الجيوش لقتال القرمطيّ. ثمّ بعث في إثره الحسين بن حمدان وغيره من القوّاد، فاجتمعت الجيوش وواقعت
القرمطيّ حتى فرّ وقتلت أصحابه وأسرت. وكان أكثر الناس أثرا في الحرب الحسين بن حمدان.
فلما عادوا إلى بغداد خلع على القواد وأمروا بالمسير إلى مصر والشام مع محمد بن سليمان الكاتب لأخذ الأعمال من هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون. فساروا- وفيهم الحسين بن حمدان- في رجب سنة إحدى وتسعين ومائتين حتى نزلوا الرملة. فلمّا ثار شيبان وعديّ ابنا أحمدبن طولون (2) وقتلا هارون بن خمارويه بالعبّاسة، وقام بأمر مصر شيبان، لم يرض ذلك الأمير طغج بن جفّ، وفائق مولى خمارويه، وعدّة من قوّاد مصر، وأنكروه وخالفوا على شيبان وكاتبوا الحسين بن حمدان بمقتل هارون وسألوه أخذ الأمان لهم، وحرّكوه على الفسطاط وكان قد تربّص بالرملة لمّا نزل هارون بالعبّاسة. فتوسّط الحسين للقوّاد عند محمد بن سليمان حتى أمّنهم، وسار حتى قدم الفسطاط ومعه الحسين. فأقام بمصر حتّى تسلّمها من بني طولون وعاد إلى العراق بالقوّاد.
فأقام الحسين ببغداد إلى أن خرج محمد بن عبد الله بن سعيد المعلّم [القرمطيّ]، ويكنّى بأبي غانم ويعرف بنصر في سنة ثلاث وتسعين بأرض الشام، وأخذ بصرى وأذرعات والبثنيّة، وقصد دمشق، وقتل صالح بن الفضل عاملها من قبل ابن كيغلغ. ثمّ سار إلى طبريّة ونهبها وقتل أهلها.
(1) في 22 ربيع الآخر سنة 289.
(2)
يظهر أنّ شجرة الطولونيّين تتفرع كما يلي:
أحمد بن طولون
وانظر ترجمة أحمد بن طولون رقم 458 وخمارويه رقم 1401.
فبعث المكتفي بالله الحسين بن حمدان في جماعة من القوّاد لمحاربته. فقدم دمشق والقرمطيّ بطبريّة. فلمّا علم بالحسين سار نحو السماوة فتبعه الحسين، وصار القرمطيّ يغوّر (1) المياه التي يرحل عنها. فعاد الحسين عنه على الرحبة، ووافى القرمطيّ هيت لتسع بقين من شعبان فنهب وقتل. فبعث المكتفي إليه محمّد بن إسحاق بن كنداج على جيش كثيف. ثم أتبعه بمؤنس. وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة.
فلمّا أحسّ أصحاب القرمطيّ بذلك ائتمروا به، وقتله شخص من أتباعه يقال له الذئب بن القائم، وشخص إلى بغداد متقرّبا بذلك، فأكرم وأجيز، وكفّ عن طلب قومه.
فاختلف رأي القرامطة بعد ذلك وتقاتلوا وافترقوا. ولم يزل الحسين يبعث في طلب الثوّار إلى أن كانت خلافة المقتدر، [490 أ] واجتمع القوّاد في سنة ستّ وتسعين ومائتين على خلعه وولاية عبد الله بن المعتزّ، وكان القائم في ذلك الوزير العبّاس بن الحسن ومحمد بن الجرّاح (2) وغيره، ومن القوّاد الحسين بن حمدان في آخرين. ثمّ إن الوزير بدا له، فوثبوا وقتلوه، وتولّى قتله الحسين وبدر [الأعجمي] ووصيف [بن صوارتكين] وقتلوا معه فاتكا (3)
[المعتضدي]. وخلع المقتدر الحادي والعشرين من ربيع الأوّل، وبويع ابن المعتزّ. وركض الحسين إلى المقتدر ليقتله ففاته، وعاد ولمّا أصبح بكّر إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والغلمان والرجّالة من وراء السور عامّة النهار. فانصرف عنهم آخر النهار. فلمّا جنّه الليل سار عن بغداد بأهله وماله وأتباعه إلى الموصل، لا يدرى لم فعل ذلك؟ فأصبح الناس وقد فرّق المقتدر السلاح على من معه، وخرجوا، فهرب أصحاب ابن المعتزّ من قبل أن يصلوا إليهم. وقال بعضهم لبعض: إنّ الحسين بن حمدان عرف ما يجري (4) فلهذا هرب من الليل، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر، وهذا كان سبب هربه. وانحلّ أمر ابن المعتزّ، وعاد المقتدر إلى الخلافة وبعث العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان فتبعوه إلى الموصل فلم يظفروا به وعادوا. ثمّ خرج القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد في طلبه فلم يظفروا به. فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن [385 ب] حمدان أمير الموصل يأمره بطلب أخيه الحسين، فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تكريت، فانهزم الحسين وبعث أخاه إبراهيم يطلب له الأمان، فأجيب إلى ذلك. ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاشان، فسار إليها (5).
ثمّ خرج عن طاعة المقتدر في سنة ثلاث وثلاثمائة وجمع نحو عشرة آلاف. وسبب ذلك أنّ الوزير عليّ بن عيسى [بن الجرّاح] طالبه بمال عليه من ديار ربيعة، وهو يتولّاها. فدافعه فأمره
-
وعمّي الذي أردى الوزير وفاتكا
…
وما الفارس الفتّاك إلّا المجاهر
…
وسار إلى دار الخلافة عنوة
…
فحرّقها، والجيش بالدار دائر
(1)
غوّر الماء: أراقه حتى تشربه الأرض. وانظر استعراض هذه الحوادث في الاتعاظ 1/ 175 وعند الطبري 10/ 122.
(2)
الوزير العبّاس بن الحسن بن داود الجرجرائيّ، ومحمد بن داود بن الجرّاح تحالفا مع الحسين بن حمدان على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتزّ، انظر رسالة ماريوس كانار عن الأسرة الحمدانيّة ص 324. والكامل تحت سنة 296.
(3)
افتخر أبو فراس الحمدانيّ بهذه الفعلة في قصيدته الرائيّة المعروفة فقال [الطويل]:
(4)
في المخطوط: ما يريد يجري.
(5)
كانار: الأسرة الحمدانيّة، 334.