الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويتهادنوا فيما بينهم ويوجهوا جميع قواهم ضد العثمانيين.
وحشد أمراء إيطاليا قواتهم، ولكنهم لم يستطيعوا زعزعة العثمانيين عن مواضعهم.
وحشد السلطان الفاتح جيشاً ضخماً في (أسكدار)، وغادر السلطان القسطنطينية في أوائل الربيع من سنة ست وثمانين وثمانمئة الهجرية (1481م) ليتولى قيادة جيشه، ولكن المنية عاجلته في (أسكدار)، فمات القائد البطل وبقي الجنود بلا قيادة.
22 - وقع النعي:
كان قائد الحملة الإيطالية كدك أحمد باشا لا يزال في الميناء الألباني (فالو) يتهيأ للإبحار بجيشه الجديد إلى (أوترانتو) حينما بلغه نعي السلطان الفاتح، فعدل عن السفر وعاد أدراجه إلى القسطنطينية.
وما لبث أن ذاع نبأ الوفاة في الشرق والغرب، فأحدث دوياً هائلاً اهتزت له النصرانية والإسلام على السواء.
أما النصرانية فقد كانت هزتها هزة فرح وابتهاج، وتلقت النبأ كأحسن ما تتلقى أعظم البشرى. وكانت جزيرة (ردوس) لقربها من المدينة التي توفي فيها السلطان الفاتح أسبق إلى معرفة النبأ، فغمرها فيض من الغبطة والفرح لا يوصف، إذ كانت تتخوف من هجوم جديد يشنه عليها السلطان الفاتح بنفسه، فلم يكد يصل إليها نبأ وفاته حتى أمر رئيسها بإقامة صلوات الشكر على نجاتهم من هذا:"العدو المخيف".
ولم يكن ملك نابولي أقل ابتهاجاً بتلقي هذا النبأ، فقد تنفس الصعداء، وبادر فعرض على الجيش العثماني المعسكِر في (أوترانتو) أن ينسحب منها بأمان ويعينه على الرحيل منها. ولكن الجنود العثمانيين أبوا أول الأمر أن يصدقوا نبأ وفاة سلطانهم وحسبوه خدعة لبلبلة أفكارهم وإضعاف عزيمتهم، وأصروا على البقاء في أماكنهم. ولما رأى دوق (كلابريا) منهم ذلك، شن عليهم القتال وهجم عليهم هجوماً شديداً، وجعل شجعان رجاله في مقدمة الجيش، ولكن العثمانيين ردوهم على أعقابهم مدحورين.
ولم يمضِ على ذلك غير قليل، حتى جاءهم النبأ اليقين عن وفاة
السلطان محمد الفاتح، فانتابهم من ذلك هم شديد وحزن عميق، فقد كانوا يرجون أن يستأنفوا زحفهم لفتح جميع إيطاليا بعد أن استولوا على مفتاحها في الجنوب. وعرض ملك نابولي مرة أخرى على الجنود العثمانيين أن ينسحبوا آمنين على حياتهم وأمتعتهم وعتادهم. وقبل العثمانيون ذلك هذه المرة، وشرعوا ينسحبون عن إيطاليا، ولكن الإيطاليين لم يفوا بما تعهدوا فاعتقلوا قسماً من الجنود الانكشارية الذين كانوا في المؤخرة وصفدوهم بالسلاسل.
على أن ما أقامه رئيس فرسان (ردوس) وملك (نابولي) من مباهج وأفراح واحتفالات لوفاة السلطان الفاتح، لا يكاد يعدّ شيئاً إلى جانب ما أقامته (روما) من مباهج وأفراح واحتفالات. وكان أشد الناس اغتباطاً فيها بطبيعة الحال البابا سيكست الرابع الذي حاول الفرار من روما حين اقترب العثمانيون من مقر عرشه. فلم يكد يبلغه
وفاة محمد الفاتح حتى أمر بفتح جميع الكنائس وأقيمت فيها الصلوات والاحتفالات، وسارت المواكب العامة تجوب الشوارع والطرقات وهي تنشد أناشيد النصر والفرح بين طلقات المدافع. وظلت هذه الاحتفالات والمهرجانات قائمة في روما طيلة ثلاثة أيام. ولم تفعل البابوية مثل ذلك قط لموت أي رجل من رجال الإسلام من قبل ولا من بعد. ولا غرو فقد حاربت البابوية السلطان الفاتح بكل ما ملكت من قوة وحيلة طيلة ثلاثين عاماً، وألّبت عليه ملوك وأمراء ورؤساء الغرب والشرق، فلم يغن ذلك عنها شيئاً، وحاولت أن تستميله وحببت إليه اعتناق النصرانية وأغرته بملك الخافقين والمجد القاهر في الأرض، فلم تفلح في مسعاها وباءت بالإخفاق الشنيع.
وظل السلطان الفاتح في جهاده يمضي قُدُماً لا يصده شيء، حتى أنزل جنوده في جنوب إيطاليا، فارتاعت البابوية وأوشكت أن تلقى مصرعها، ولكن القدر المحتوم كان قد جعل للفاتح أجلاً ينتهي عنده، لا يستقدم ساعة ولا يستأخر، فتخلصت النصرانية من أعظم خطر كان يهددها.
انطفأت فجأة الآمال الضخام التي كانت معقودة على قيادة محمد الفاتح بانطفاء حياته الغالية، وكان موته نكبة عظيمة للإسلام والمسلمين، فلا عجب أن بكاهُ المسلمون بحرارة ولوعة في جميع أرجاء الأرض، وحزنوا عليه حزناً شديداً، وأقيمت المآتم في كل أرض إسلامية على النطاقين الرسمي والشعبي.
لقد أدّى واجبه كاملاً لدينه وأمته، وجاهد في الله حق جهاده،