الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجاء اليوم الموعود، فمات البطل صلاح الدين في ليلة الأربعاء، السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمئة الهجرية (4 من آذار - مارس - 1193م) وهو في السادسة والخمسين من عمره، فكان يوماً لم يصب المسلمون والإسلام بمثله منذ فُقِدَ الخلفاء الراشدون، وغشي القلعة ودمشق والدنيا من الوحشة ما لا يعلمها إلَاّ الله تعالى.
قال بهاء الدين بن شداد صاحب النوادر السلطانية: "وبالله لقد كنتُ أسمع من بعض الناس أنَّهم يتمنَّون فداء مَن يعزُّ عليهم بنفوسهم، وما سمعت هذا الحديث إلا على ضربٍ من التجوُّز والترخص إلَاّ من ذلك اليوم، فإنِّي علمت من نفسي ومن غيري لو قُبِل الفداء لفدي بالنفس"(1).
وقد دفن رضي الله عنه في دمشق، وقبره معروف.
9 - الإنسان:
كان حَسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى، شديد المواظبة على الصلاة بالجماعة. وكان إذا مرض يستدعي الإمام وحده ويكلِّف نفسه القيام ويصلي جماعة، وكان يواظب على السنن والنوافل، وكانت له ركعات يصلِّيها إن استيقظ ليلاً، وإلَاّ أتى بها قبل صلاة الفجر، وما كان يترك الصلاة مادام عقله عليه، وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلَّى.
(1) النوادر السلطانية 246، وكان بهاء الدين بن شداد قاضياً لعسكر صلاح الدين، وقد لازمه خلال الحقبة الأخيرة من حياته التي قضاها في الشام، وخالطه مخالطة تامة، وقد روى سيرته في كتابه:(النوادر السلطانية) عن مشاهدة، لذلك اعتُبرت سيرته هذه أوثق المراجع التاريخية عن صلاح الدين.
وقد مات ولم يحفظ من الأموال ما وجبت عليه الزكاة، وأما صدقة النفل فإنها استنفدت جميع ما ملكه من الأموال، ولم يخلف من خزانته من الذهب والفضة إلَاّ سبعة وأربعين درهماً ناصرية وديناراً واحداً ذهباً، ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك.
وكان يحرص على الصوم غاية الحرص، فإذا مرض أحصى ما فاته من الصوم وقضاه. وقد شرع بقضاء الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها. وكان الصوم لا يوافق مزاجه، وكان الطبيب يلومه وهو لا يسمع ويقول:"لا أعلم ما يكون"، ولم يزل يقضي حتى قضى ما كان عليه (1).
وكان عازماً على أداء فريضة الحج ناوياً له سيما في العام الذي توفي فيه، فإنه صمم العزم عليه، وأمر بالتأهب ولم يبقَ إلا المسير، ولكنه اعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وفراغ اليد من النفقات" (2).
وكان يحبُّ سماع القرآن العظيم، حتى إنه كان يختار إمامه اختياراً، ويشترط أن يكون عالِما بعلوم القرآن متقناً لحفظه.
وكان يستقرئ مَن يحضره في الليل وهو في برجه الجزأين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن، فاستحسن قراءته، فقرَّبه وجعل له حظّاً من خاصّ طعامه، ووقف عليه وعلى أبيه جزءاً من مزرعةٍ.
(1) النوادر السلطانية 7 - 8.
(2)
النوادر السلطانية 9.
وكان رقيق القلب، خاشع الدمعة، إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته.
وكان شديد الرغبة في سماع الحديث، ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير، فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه، فأسمع مَن يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصِّين به، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له؛ وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم، سعى إليه وسمع عليه، وقد تردَّد إلى الحافظ الأصفهاني (1) بالإسكندرية وروى عنه أحاديث كثيرة.
وكان يحب قراءة الحديث بنفسه، وكان يستحضر العلماء في خلوته، ويحضر شيئاً من كتب الحديث ويقرؤها هو، فإذا مرَّ بحديثٍ فيه عبرة رقَّ قلبه ودمعت عينه.
وكان كثير التعظيم لشعائر الدين، حسن الظنِّ بالله، كثير الاعتماد عليه، عظيم الإنابة إليه (2).
وكان عادلاً رؤوفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي، وكان
(1) الحافظ الأصفهاني: هو الحافظ السلفي أبو الطاهر عماد الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم المحدِّث المشهور، والسلفي لقب جَدٍّ له نسبه إلى سلفة وهو لفظ فارسي معناه ثلاث شفاه، لأنَّ إحدى شفتيه كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين. وقد تلقَّى دراسته الأولى في أصفهان، ثمَّ حجَّ وسمع بالحرمين، وطوَّف بالبلاد في طلب الحديث، فزار بغداد ودمشق وصور، وانتهى به المطاف إلى الإسكندرية سنة 511هـ، وظلَّ مقيماَ بها إلى أن توفي سنة 576هـ. انظر الهامش رقم (7) في: النوادر السلطانية 9.
(2)
انظر التفاصيل في: النوادر السلطانية 9 - 12.
يجلس للعدل في كل يوم إثنين وخميس في مجلس عام، يحضره الفقهاء والعلماء والقضاة، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير، وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفراً وحَضَراً.
وكان في كل أوقاته يصغي إلى التظلم، وكان يجمع ما يصل إليه كل يوم دون أن يردَّ قاصداً، وكان يجلس إلى الكاتب ساعة إما بالليل أو النهار ويوقع على كل ورقة شكوى بما يطلق الله على قلبه، ولم يَرُدَّ قاصداً أبداً ولا منتحلاً ولا طالب حاجة، وهو مع ذلك دائم الذكر لله والمواظبة على تلاوة القرآن الكريم.
وكان رؤوفاً بالرعية، ناصراً للدين، مواظباً على تلاوة القرآن العزيز، عالِماً بما فيه عاملاً به، لا يعدوه أبداً (1).
وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته وأخذ بقصته، وقد استغاث إليه إنسان من أهل دمشق على ابن أخيه، فأنفذ إليه وأحضره إلى مجلس الحكم ثم جرت محاكمته (2).
وخاصمه رجل، فحضر بنفسه في مجلس القضاء، وجرت محاكمته حسب الأصول. وحكم القاضي لصلاح الدين، فتقدَّم للمحكوم عليه بخلعة ونفقة بالغة (3).
وكان كريماً جداً يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة، وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئاً من المال، حذراً أن
(1) النوادر السلطانية 13.
(2)
النوادر السلطانية 14.
(3)
النوادر السلطانية 15 - 16.
يفاجئهم مُهِمٌّ، لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه، وقد مات وليس في خزائنه إلا دريهمات ودينار واحد فقط (1)!.
وكان من أشجع الشجعان، قوي النفس، شديد البأس، عظيم الثبات، مسيطراً على أعصابه، لا يخيفه شيء. وكان لا بد له من أن يطوف حول العدوكل يوم مرة أو مرتين إذا كانت قواته قريبة من العدو، وكان في أثناء نشوب القتال يطوف بين الصفوف ويخترق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتِّب المقدِّمات ويأمرهم بالتقدُّم أو الوقوف في مواضع يراها، وكان في الحرب أقرب ما يكون إلى العدو (2).
لقد كان يقود رجاله من (الأمام)، وكان المثل الأعلى لهم بالشجاعة.
وكان شديد المواظبة على الجهاد، عظيم الاهتمام به، وقد كان الجهاد وحبه والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً، بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في آلته، ولا كان له اهتمام إلَاّ برجاله، ولا ميل إلا إلى مَن يذكره ويحثُّ عليه. ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذِّه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظلِّ خيمة تهبُّ بها الرياح يمنة ويسرة.
وكان الرجل إذا أراد أن يتقرَّب إليه يحثّه على الجهاد أو يذكر شيئاً من أخبار الجهاد، وقد أُلِّفت له كتب عدة في الجهاد، وكان كثيراً ما يطالع هذه الكتب.
(1) انظر التفاصيل في: النوادر السلطانية 17 - 18.
(2)
انظر التفاصيل في: النوادر السلطانية 19 - 20.
قال يوماً وهو على البحر قرب (عكا): "في نفسي أنه متى ما يسَّر الله تعالى فتح بقية الساحل، قسَّمتُ البلاد وأوصيتُ وودَّعت، وركبت هذا البحر إلى جزائرهم (1)، أتتبعهم فيها حتى لا أُبقي على وجه الأرض مَن يكفر بالله أو أموت"(2).
وأمره عالم جليل (3) ألا يخاطر بنفسه؛ فقال له: "أنا أستفتيك: ما أشرف الميتات"؟ فقال العالم الجليل: "الموت في سبيل الله"! فقال: "غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتات"(4).
قال ابن شداد: "ولقد رأيته بمرج عكا، وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دماميل، كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه، بحيث لا يستطيع الجلوس، وإنما يكون متَّكئاً على جانبه إن كان بالخيمة. وامتنع عن مدّ الطعام بين يديه لعجزه عن الجلوس، وكان يأمر أن يفرّق على الناس وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريباً من العدو، وقد رتَّب الناس ميمنة وميسرة وقلباً تعبية القتال، وكان مع ذلك كلّه يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر، يطوف على الكتائب والوحدات، ومن العصر إلى صلاة المغرب وهو صابر على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل، وأنا أتعجَّب من ذلك فيقول: "إذا ركبتُ يزول عني ألمها حتى أنزل" (5).
(1) يريد جزائر الإفرنج في البحر الأبيض المتوسط.
(2)
ذلك ما قاله عقبة بن نافع الفهري حين وصل إلى البحر المحيط.
(3)
هو بهاء الدين بن شداد.
(4)
انظر التفاصيل في: النوادر السلطانية 21 - 23.
(5)
النوادر السلطانية 24.
وكان حليماً إلى أبعد الحدود، قال ابن شداد: "
…
تقدم إليه مملوك، وعرض عليه قصته (1) لبعض المجاهدين، فقال له:
…
أخِّرها ساعة
…
"ولم يفعل المملوك، وقرب القصة إلى قريب من وجهه الكريم بيده، وفتحها بحيث يقرؤها، فوقف على الاسم المكتوب في رأسها فعرفه، فقال: رجل مستحق. فقال المملوك: يوقع المولى له، فقال: ليست الدواة حاضرة الآن.
"وكان جالساً في باب الخيمة بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليها، والدواة في صدرها، والخيمة كبيرة، فقال له المخاطب: هذه الدواة في صدر الخيمة!
…
وليس لهذا معنى إلَاّ أمره إياه بإحضار الدواة، فالتفت فرأى الدواة فقال: والله لقد صدق.
"ثم امتدَّ على يده اليسرى، ومدَّ يده اليمنى فأحضرها ووقَّع له، فقلتُ: قال الله تعالى في حقِّ نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ، وما أرى المولى إلَاّ قد شاركه في هذا الخلق، فقال ما ضرَّنا شيء
…
قضينا حاجته، وحصل الثواب" (2).
وكان كثير المروءة، ندي اليد، كثير الحياء، مبسوط الوجه لمن يَرِدُ عليه من الضيوف، لا يرى أن يفارقه الضيف حتى يطعم عنده، ولا يخاطبه بشيء إلَاّ وينجزه.
(1) يريد: مذكرة كما يعبر عنها المصريون وعريضة كما يعبّر عنها العراقيون، وهي مذكرة مكتوبة، تفصل حاجة الطالب.
(2)
النوادر السلطانية 28 - 29.
وكان يكرم الوافد عليه وإن كان كافراً، وكان يكرم مَن يرد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار، وكان يوصي رجاله المقرَّبين بألَاّ يفضلوا عمن يجتاز بالمكان الذي هو فيه من المشايخ المعروفين إلَاّ أحضروهم عنده ليراهم ويقدِّم لهم الهدايا.
ومَثُلَ بين يديه أسير إفرنجي وقد هابه، فرقَّ له ومَنَّ عليه وأطلق سراحه.
وجاءته يوماً امرأة إفرنجية، وكانت ابنتها قد اختطفت، فقالت له:"قيل لي (1): إنَّ الملك رحيم، ونحن نخرجك إليه تطلبين ابنتك منه، فأخرجوني إليك، ولا أعرف بنتي إلَاّ منك "، فرقَّ لها ودمعت عينه وحرَّكته مروءته، فلم يقر له قرار إلَاّ بعد العثور على ابنتها وتسليمها لها، ثم حُمِلَتْ حتى أعيدت إلى معسكر الإفرنج.
وكان حسن العشرة، لطيف الأخلاق، طيِّب الفكاهة، حافظاً لأنساب العرب ووقائعهم، عارفاً بسيرهم وأحوالهم، حافظاً لأنساب خيلهم، عالماً بعجائب الدنيا ونوادرها، بحيث يستفيد محاضره منه ما لا يسمع من غيره.
وكان حسن الخلق، يسأل الواحد من رجاله عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله.
وكان طاهر المجلس، لا يذكر أحد بين يديه إلَاّ بالخير. وكان طاهر السمع، فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير. وكان طاهر
(1) تريد: قومها الإفرنج، فهم الذين نصحوها باللجوء إلى صلاح الدين، لأنهم كانوا يعرفون خصاله ومزاياه.
اللسان، فما سُمع يشتم أحداً قط. وكان طاهر القلم، فما كتب بقلمه إيذاء مسلم قطّ.
وكان حسن العهد والوفاء، فما أحضر بين يديه يتيم إلَاّ وترحَّم على مخلفيه، وجبر قلبه وأعطاه أرزاق مخلفه. فإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه، سلَّمه إليه، وإلَاّ أبقى له من أرزاق مخلفه ما يكفي حاجته، وسلَّمه إلى مَنْ يعتني بتربيته ويكفلها.
وكان لا يرى شيخاً إلَاّ ويرقُّ له ويعطيه ويحسن إليه (1)، ولا يرى محتاجاً إلَاّ مدَّ إليه يد العون.
ذلك هو صلاح الدين: رجل لا كالرجال، لا يتكرر مثله إلا نادراً، مؤمن بالله إيماناً راسخاً، تقي نقي ورع، عامل عالم، يحب العلم ويُقبل عليه، ويحتضن العلماء ويشجعهم، كريم كالريح المرسلة، شجاع كالأسد، صبور مصابر، مجاهد لإعلاء كلمة الله، حليم عادل ذو مروءة وشهامة، يرعى الضعفاء والأيتام والشيوخ، يعمل للمصلحة العامة لا لنفسه، قائدٌ ماهر وجنديٌّ متميِّز.
مات وفي يده السيف، ورحل عن الدنيا وهو فقير، ولكنه بقي مِلْءَ السمع والبصر، سيرته مسك مضمَّخ بالنور.
لقد عاش حياته موحِّداً من أجل الجهاد ومجاهداً من أجل التوحيد.
(1) النوادر السلطانية 31 - 34.