الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مستهل
(1)
جاءني ذات يوم كبير مذيعي محطة إذاعة عربية كبرى وقال: "إن كاتباً كبيراً ذكر عنك بأن ما تكتبه عليه مسحة دينية".
ومن الصدف أن يزورني قائد من قادة الفدائيين الفلسطينيين في ذلك اليوم وقال: "لماذا تحرص على إبراز الناحية الدينية في كل ما تكتب"؟.
وبالطبع كان ما نقله المذيع الكبير إليَّ، وما قاله القائد الفدائي، هو في معرض النقد، فهما يعتقدان أن القائد العسكري لا ينبغي أن يكون متديناً!!!.
وكنت أحرص على صداقة أخ فلسطيني أعظم الحرص، لأنه من فلسطين التي خالط حبها دمي وتغلغل في قلبي، ولأنه مفكر ألمعي وعالم جليل، ولكنني اضطررت إلى نبذه إلى الأبد، لأنه زعم أن التدين مظهر من مظاهر التخلف، وأن العرب لن يفلحوا ما لم يتخلوا عن الدين.
هذا الذي كان صديقي، يعمل في بلد عربي يتمسك معظم سكانه بالدين الحنيف، وقد زعم أن سر تخلف هذا البلد العربي يكمن في تدين
شعبه، ولكن الذي يبشر بالخير - كما زعم صديقي الذي كان - هو أن طلاب الجامعة في ذلك البلد العربي الشقيق تعلموا احتساء الخمر ولعب الميسر ومغازلة الفتيات، لذلك فالبلد مقبل على التحرر والانعتاق من براثن الجهل والتقاليد البالية.
وحينذاك اجتاحني الغضب الشديد، وزجرته زجراً عنيفاً، وقررت أن أقاطعه نهائياً لانحرافه عن الطريق السوي! أحقاً أن الخمر والميسر والانحلال الخلقي تقود إلى التحرر والانعتاق؟! وكيف؟! ومتى؟! وأين؟! وتسأل هذا الرجل وأمثاله:"هل يحارب الإسلام العلم؟ هل يدعو الإسلام إلى الجهل؟ ماذا تعيب على العقيدة الإسلامية منهجاً للحياة الدنيا وسبيلاً إلى الحق والفضيلة والخير"؟ لماذا إذن نتنكر للإسلام؟ ولمصلحة من هذا التنكر؟ ولماذا ينبغي أن يتخلى القائد العسكري بالذات عن الدين؟ وكيف يمكن أن نتصور القائد العسكري بلا دين؟ إن الذي لا دين له، لا يدافع عن الدين. والذي لا عرض له، لا يدافع عن أعراض الناس. والذي لا يتحلى بالمثل العليا، لا يمكن أن يدافع عن المثل العليا.
وماذا تريد إسرائيل، وماذا يريد أعداء العرب والمسلمين، غير أن يتخلى العرب والمسلمون عن دينهم وعرضهم ومثلهم العليا؟!
هل يمكن أن يدافع الديوثون والبغايا عن الشرف الرفيع؟! هل يمكن أن يدافع المتنكر للمثل العليا عن المثل العليا؟! إن الأيدي الخفية التي لا تريد الخير للعرب والمسلمين، وتعاون إسرائيل في تنفيذ مخططاتها وأحلامها التوسعية الاستيطانية في البلاد العربية، وتؤازر الاستعمار ليبقى إلى الأبد مستحوذاً على خيرات بلاد العرب ودار الإسلام، هي التي تعمل جاهدة لكي يتخلى العرب والمسلمون عن الدين، وبذلك لا تقوم لهم قائمة أبداً.
وقد حدثت حوادث كثيرة، استغل فيها عملاء الاستعمار وإسرائيل قسماً من المسؤولين العرب والمسلمين وحصلوا على معلومات خطيرة منهم بالغواني والمال والخمر والميسر، فهل كان بمقدور أحد أن يستغل هؤلاء لو كانوا يخافون الله حقاً؟! والعاقل من اعتبر بغيره، فما أحرى العرب والمسلمين اليوم بالاعتبار! إني أتحدى كل من يستطيع أن يذكر قائداً عربياً واحداً أو قائداً مسلماً واحداً انتصر على أعدائه، ولم يكن يتحلى بالتدين العميق ويتمسك بالمثل العليا النابعة من صميم تعاليم الدين الحنيف.
لن يستطيع أحدٌ أن يذكر قائداً عربياً واحداً أو قائداً مسلماً واحداً، كان له في ميدان النصر تاريخ، إلا وهو متدين إلى أبعد الحدود.
وكل واحد يستطيع أن يعدّد ما لا يحصى من القادة الملوثين
جنسياً أو حبيبياً كانوا السبب فيما حاق بالعرب والمسلمين من نكبات.
سيد القادات وقائد السادات الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام هو صاحب الشريعة الغراء ونبي المسلمين وخاتم النبيين والمرسلين.
وقادة الفتح الإسلامي العظيم كلهم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ومن التابعين عليهم رضوان الله.
لقد أحصيت عدد القادة الفاتحين الذين حملوا رايات المسلمين شرقاً وغرباً في أيام الفتح الإسلامي العظيم (11هـ - 94هـ)، فكانوا ستة وخمسين ومئتي قائد عربي مسلم، منهم ستة عشر ومئتا قائد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأربعون قائداً من التابعين بإحسان رضوان الله عليهم (1).
وهؤلاء هم قادة فتح العراق والجزيرة، وقادة فتح فارس، وقادة فتح الشام ومصر، وقادة فتح المغرب العربي، وقادة فتح المشرق الإسلامي، وقادة فتح الأندلس والبحار.
وقد توقف الفتح الإسلامي العظيم عام أربعة وتسعين الهجري، وأصبحت معارك المسلمين بعد ذلك معارك دفاعية عدا فتح مناطق من أوروبا الذي جرى في عهد العثمانيين.
ومع ذلك، فكل القادة الذين انتصروا في صد غارات المعتدين
(1) انظر أسماء قسم من القادة في: 1 - قادة فتح العراق والجزيرة. 2 - قادة فتح بلاد فارس. 3 - قادة فتح الشام ومصر. 4 - قادة فتح المغرب العربي. 5 - الرسول القائد. 6 - الفاروق القائد.
أو فتحوا بلاداً جديدة كانوا متدينين غاية التدين، وكانوا أمثلة شخصية لرجالهم في التدين والعمل الصالح، ويكفي أن أذكر منهم: أسد بن الفرات فاتح جزيرة (صقلية)، وصلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس من الصليبيين، وقطز قاهر التتار، ومحمداً الفاتح فاتح القسطنطينية.
فمن أين جاءت الفكرة السائدة بأن القائد لا ينبغي أن يكون متديناً؟! وكيف استقر هذا الخطأ الشائع في أذهان قسم من العرب والمسلمين بأن القيادة والتدين على طرفي نقيض؟! لا شك أن تلك الفكرة وذلك الخطأ لا مسوغ لهما، وقد روَّجهما أعداء العرب والمسلمين، وصدَّقهما الجهلاء والعملاء والمغرر بهم وطالبوا اللذة من عبيد البطن والفرج.
كيف كان العرب والمسلمون يطبقون تعاليم الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم؟ هذا ما سأتطرق إليه بالبحث وشيكاً، لإيراد نماذج حية تدل على التطبيق العملي لتعاليم الإسلام، ونتائج ذلك التطبيق في الميدان العسكري بخاصته.
وقبل أن أدخل في صُلب الموضوع، لا بد لي من تسجيل أربع حقائق ملموسة: الأولى: أن انتشار الإسلام في المناطق العربية أيام النبي صلى الله عليه وسلم كان انتشاراً (مستداماً)، إذ لم يخسر المسلمون أي شبر من الأرض التي أصبحت للمسلمين في عهد الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام.
الثانية: أن الفتح الإسلامي الذي جرى بقيادة الصحابة عليهم رضوان الله كان فتحاً (مستداماً) أيضاً، لم يخسر المسلمون أي شبر من الأرض إلا واستعيدت بعد مدة من الزمن - كما حدث في احتلال الصليبيين لجزء من فلسطين وسورية ولبنان مثلاً، ثم طُرد الصليبيون وعادت البلاد المغتصبة لأهلها
…
ولعل هذه الحقيقة بشارة للعرب والمسلمين، بأن الأرض المحتلة من قِبَل إسرائيل ستعود إلى العرب والمسلمين اليوم أو غداً بإذن الله، ما في ذلك أدنى شك.
والثالثة: أن الفتح الإسلامي بقيادة التابعين عليهم رضوان الله كان فتحاً (مستداماً) أيضاً، لم يخسر المسلمون منه غير الأندلس وجزر البحر الأبيض المتوسط.
والرابعة: أن الفتح الإسلامي في عهد العثمانيين الذي جرى بعد توقف الفتح الإسلامي العظيم سنة أربع وتسعين الهجرية، وهو الفتح الذي اكتسح أجزاء أوروبا لم يكن فتحاً (مستداماً)، إذ خسر المسلمون ما فتحوه هناك، عدا مناطق آسيا الصغرى التي كانت الروم فيها وكانت القسطنطينية عاصمتها.
نستنتج من ذلك، أن الفتح الإسلامي وانتشار الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام الصحابة والتابعين كان فتحاً (مستداماً) وانتشاراً خالداً، لأن قادة الفتح الإسلامي وجنوده كانوا (دعاة) ولم يكونوا (غزاة)، فاهتموا بتعميق جذور الدعوة الإسلامية في المناطق التي فتحوها، وكان سلوكهم الشخصي تديناً وورعاً واستقامة خير عون لهم
على تحقيق أهدافهم في الدعوة إلى دين الله.
أما الفتح الإسلامي بعد الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، فلم يكن فتحاً (مستداماً) إلا في مناطق محدودة جداً، لأن قادة الفتح وجنوده كانوا (جباة) ولم يكونوا (دعاة)، لذلك انصبَّ اهتمامهم على السيطرة والنفوذ والاستعلاء وتحصيل الأموال - خلافاً لتعاليم الإسلام - ولم ينصب على نشر الإسلام وإعلاء كلمة الله بالدرجة الأولى.
والآن
…
كيف كان التطبيق العملي لتعاليم الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم؟ وكيف كان القادة الفاتحون بعد انقضاء مدة الفتح الإسلامي العظيم؟
***