الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان الأحنف بن قيس التميمي حليم العرب وفاتح (خراسان) و (قاشان) قَلَّ ما خلا إلا دعا بالمصحف، وكان النظر في المصاحف خُلُقاً في الأولين (1).
وكانت معارك الفتح الإسلامي تُسْتَفتَح بسورة الأنفال، وكان للمجاهدين دوي كدوي النحل من قراءة القرآن والتسبيح.
واليوم؟؟!!.
…
(9)
وأخيراً شاء مونتكومري أن تكون (خاتمة) كتابه القَيِّم، تهويمة صوفية بكل ما في هذا التعبير من معانٍ، فهي عبارة عن رؤيا رآها في المنام، لاقى فيها أباه المتوفى قبل سنين، فآثر أن يجعل من هذه الرؤيا خاتمة لكتابه.
وكم كنت أتمنى أن أنقل نص هذه الخاتمة أو على الأصح نص الرؤيا، ولكنني أخشى الإطالة دون مُسَوِّغ، لذلك سأقتصر على نقل أهم ما جاء فيها.
قال مونتكومري: "كانت الشمس بعد الظهر حارة، وكان يصعب على المرء ألا ينام. وقد فكرت في أبي وفي النصائح الحكيمة التي كان يقدمها لي، فاشتقت إلى نصيحته الآن حول طريقة كتابة خاتمة
(1) طبقات ابن سعد، 7/ 96.
الكتاب. وفجأة رأيته!!
…
أجل كان بعينه واقفاً بين قواعد نبات الاسبريا الحمراء والبيضاء وعلى ضفة جدول الطاحونة. لقد وَهَبْتُ أبي عندما كنت صبياً كل مودتي وحبي، وإذا كان ثَمَّة قديس على هذه الأرض فهو أبي، وهاهو ذا الآن في حديقتي" (1).
ويقول مونتكومري لوالده: "لقد حاولت أن أقوم بواجبي، ولم أخش أحداً في قول الحق أبداً، وبقيت صامداً على آرائي، لكن ذلك سبَّبَ لي مشكلات في بعض الأحيان"(2).
ويجيب أبوه: "أعرف يا ولدي! لقد مرّت لحظات كنت أتساءل فيها هل ستتمكن من التغلب على المصاعب التي تكتنفك؟ لكنك قد تمكنت مستعيناً بإيمانك
…
" (3).
ويقول مونتكومري مصوراً رؤياه: "وبدا الرجل الشيخ وكأنه على وشك أن يذهب، فخطوت نحوه خطوة وقلت: أبتي! اِبْقَ معي برهة من الزمن وزودني ببعض الحكم من عالمك، لكي تبعث في نفسي القوة في السنين الباقيات من حياتي
…
فالتفت نحوي وقال: "لا يجوز لي أن أبقى طويلاً، وأود أن أقول لك هذا: يتحدث الناس كثيراً في هذه الدنيا كلها عن الحرية، ولكن هناك حرية إيجابية واحدة، هي حرية الاختيار بين الخير والشر، وأن أفضل تعريف لهذه الكلمة التي قلَّما فهمها الناس هي: إن الحرية
(1) السبيل إلى القيادة، الباب السادس عشر، ص 305 - 306.
(2)
المصدر السابق، الباب السادس عشر، ص 306.
(3)
المصدر السابق، الباب السادس عشر، ص 306.
التامة هي في خدمة الرب" (1).
ويمضي مونتكومري في سرد قصة رؤياه، فينقل ما يقوله أبوه: "عندما أُعايِنُ عالمكم اليوم، ينتابني القلق أحياناً على الجيل الجديد: عندهم مغريات لم نحصل عليها أنا وأنت، ويبدو أنهم ينضجون مبكراً، ولكنّ ذلك يجري في عالم غير مأمون. وهم يميلون إلى أن يجعلوا للأمور (المادية) قيمة كبيرة، وأن يهملوا (القيم الروحية)
…
على الشباب أن يتسلح جيداً بالشعور الروحي إذا أراد ألا ينحرف أو أراد ألا يجرفه التيار.
"لقد كنت أراقبك ذات مرة وأنت تقول: إن الحرية الحقيقية هي أن يكون لديك الخيار في أن تفعل ما (يجب) أن تفعله لا ما (تريد) أن تفعله
…
إن هذه هي الحقيقة بعينها التي تواجه أي ولد، وهي التوفيق بين ما يريد أن يفعله وبين ما يوحي إليه ضميره أن يفعله، وهو حُرٌّ في الاختيار بين الاثنين، فهو وحده الذي يقرر مصيره. ولكنه يحتاج إلى معونة، وفي وسعه أن يستمدها من (صلاته) اليومية ومن الآخرين أمثالك
…
" (2).
ويستمر مونتكومري في سرد حلمه فيقول: "ثم غمر المكان سكون مطبق - سكون يشعر به الإنسان، لكنه لم يكن ثمة ما أراه غير أحواض الزهر والشجيرات
…
وتولاني الأسى في بادئ الأمر، لكنني سرعان ما رضيت، لأنني علمت بأن الأمر بالنسبة لنا، هنا في هذه الحياة، يجب بل ينبغي أن تكون هذه الحياة حياة إيمان، يصحبها من
(1) السبيل إلى القيادة، الباب السادس عشر، ص 306 - 307.
(2)
المصدر السابق، الباب السادس عشر، ص 306 - 307.
حين لآخر رسالة مشجعة أو حلم أو نظرة أو حادثة. فاستيقظت، فإذا أنا أحلم؛ لكنني كنت سعيداً، وأملت أن يهَبَني الله حلماً كهذا مفعماً بذكريات أبي الذي كنت أبجله كثيراً في حياته؛ قوة للسنين الباقيات من عمري.
وذهبت إلى داخل الدار حيث مكتب الدراسة، فدوَّنت ذلك كله كخاتمة للكتاب" (1).
هكذا اختتم مونتكومري كتابه بهذه التهويمة الصوفية، واختتم تهويمته بقوله:"يجب بل ينبغي أن تكون هذه الحياة حياة إيمان".
وقلت: لنفسي لو كتب عسكري عربي أو مسلم ما كتبه مونتكومري عن: علاقة الدين بالقيادة، ثم ختم ما كتبه بمثل هذه التهويمة الصوفية، فماذا كان يقول عنه الناس هنا وهناك؟! بقي أن تعرف أن مونتكومري متدين إلى أبعد الحدود، لم يدخن ولم يعاقر الخمر ولم يكشف ذيله على حرام، وكان في حياته مستقيماً متقشفاً، ومع ذلك فهو أعظم القادة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
فأين من يدعي بأن القيادة والعقيدة متناقضان؟
…
(1) السبيل إلى القيادة، الباب السادس عشر، ص 308 - 309.