الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: "اللهم اجعلني مع صاحب النقب"(1).
9 - في إفريقية:
أ) وكان الزبير بن العوّام قد هَمّ بالغزو وأراد إتيان (أنطاكية)، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنهما:"يا أبا عبد الله! هل لك في ولاية مصر"؟ فقال: "لا حاجة لي فيها، ولكن أخرج مجاهداً وللمسلمين معاوناً، فإن وجدت عمرو بن العاص قد فتح مصر لم أعرض لعمله وقصدت إلى بعض السواحل فرابطت به، وإن وجدته في جهاد كنت معه"، فسار على ذلك (2).
وقدم الزبير على عمرو، فوجده محاصراً حصن (بابلْيون)(3)، فلم يلبث الزبير أن ركب حصانه وطاف بالخندق المحيط بالحصن، ثم فرّق الرجال حول الخندق (4). وطال الحصار حتى بلغت مدته سبعة أشهر، فقيل للزبير:"إن بها الطاعون"، فقال:"إنما جئنا للطعن والطاعون"(5).
(1) انظر بحث: الحرب الإجماعية في الإسلام، مجلة ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، بغداد، 1951.
(2)
البلاذري 214.
(3)
بابليون: حصن كان في موضع الفسطاط، وهي المدينة التي بناها عمرو بن العاص. انظر التفاصيل في معجم البلدان 2/ 20، ولا تزال آثار الحصن باقية حتى اليوم في مصر القديمة (القاهرة).
(4)
فتوح مصر والمغرب 92.
(5)
طبقات ابن سعد 3/ 107، والبلاذري 215.
وأبطأ الفتح على عمرو بن العاص، فقال الزبير:"إني أهب نفسي لله، أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين"، فوضع سلماً وأسنده إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمّام ثم صعد، وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعاً، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبّر ومعه السيف. وتحامل الناس على السلّم حتى نهاهم عمرو خوفاً من أن ينكسر، فلما رأى الروم أن العرب قد ظفروا بالحصن انسحبوا، وبذلك فتح حصن (بابليون) أبوابه للمسلمين (1)، فانتهت بفتحه المعركة الحاسمة لفتح مصر.
ب) وخرج عقبة بن نافع الفهري من (القيروان) على رأس جيشه، فدعا بأولاده قبل مغادرته (القيروان) وقال لهم:"يا بني! إني قد بعت نفسي من الله عز وجل، فلا أزال أجاهد مَن كفر بالله"(2). وقال عقبة لأولاده: "عليكم سلام الله، وأراكم لا ترونني بعد يومكم هذا"، ثم قال:"اللهم تقبّل نفسي في رضاك، واجعل الجهاد رحمتي ودار كرامتي عندك"(3).
ومضى قدماً ينتقل من نصر إلى نصر، حتى وصل إلى (آسفى)(4) على المحيط الأطلسي، فأدخل قوائم فرسه في البحر المحيط، ثم قال:"يا رب! لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك"(5)، ثم
(1) فتوح مصر والمغرب 94، والبلاذري 215، ومعجم البلدان 6/ 378.
(2)
ابن الأثير 4/ 42.
(3)
رياض النفوس 1/ 22.
(4)
آسفى: بلدة على شاطئ المحيط الأطلسي بأقصى المغرب، انظر التفاصيل في معجم البلدان 1/ 232.
(5)
ابن الأثير 3/ 42 - 43.
قال: "اللهم اشهد! إني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل مَن كفر حتى لا يُعبد أحد من دونك"(1). ووقف ساعة في البحر المحيط ثم قال لأصحابه: "ارفعوا أيديكم"، ففعلوا، ثم قال:"اللهم إني لم أخرج بطراً ولا أشراً، وإنك لتعلم أنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك (ذو القرنين) وهو أن تعبد ولا يُشرك بك شيء. اللهم إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام"، ثم انصرف راجعاً إلى (القيروان)(2).
ولما انتهى إلى ثغر (إفريقية) وهي (طُبنة)(3)، أذن لمن معه من أصحابه أن يتفرقوا ويقدموا (القيروان) فوجاً فوجاً، ثقة منه بما نال العدو وأنه لم يبق أحد يخشاه (4).
ومال عقبة بخيل يسيرة إلى (تُهْوَذة)(5)، وكان معه نحو ثلاثمئة فارس (6)، فلما رآه الروم في قلة طمعوا فيه، فأغلقوا الحصن وشتموه، وهو يدعوهم إلى الإسلام، فلم يقبلوا منه (7).
وبعث الروم إلى (كسيلة) أمير البرانس من البربر، وكان في
(1) رياض النفوس 1/ 25.
(2)
الاستقصا 1/ 74.
(3)
طبنة: بلدة في طرف إفريقية مما يلي المغرب على ضفة الزاب، انظر معجم البلدان 6/ 28.
(4)
ابن الأثير 4/ 43، ورياض النفوس 1/ 25.
(5)
تهوذة: مدينة في جنوب جبال أوراس في الجنوب الشرقي لمدينة طبنة وعلى مسافة 37.5 ميلاً منها، انظر تاريخ المغرب الكبير 4662.
(6)
الخلاصة النقية 5، والاستقصا 1/ 74.
(7)
ابن الأثير 4/ 43.
عسكر عقبة مضمراً للغدر، فلما أرسل إليه الروم أظهر ما كان يضمره وجمع أهله وبني عمه وقصد عقبة، فقال له أبو المهاجر دينار (1) الذي كان أميراً على إفريقية قبل ولاية عقبة الثانية، وكان يومها موثقاً في الحديد:"عاجله قبل أن يقوي جمعه"، فأطلق عقبة أبا المهاجر وقال له:"الحقْ بالمسلمين وقم بأمرهم، وأنا أغتنم الشهادة"، فلم يفعل وقال:"وأنا أيضاً أريد الشهادة". وكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم، وتقدموا إلى البربر وقاتلوهم، فقُتِل المسلمون جميعهم (2) ومعهم عقبة، وقُتِل معه زهاء ثلاثمئة من كبار الصحابة والتابعين في أرض الزاب بـ (تهوذة)(3) سنة ثلاث وستين الهجرية (4)(683 م).
ج) وتولَّى القيادة بعد عقبة: زهير بن قيس البلوي، فاستطاع قتل (كسيلة) والقضاء على مقاومة البربر. وعاد إلى (القيروان) فأبى أن يقيم بها وقال:"إني ما قدمت إلا للجهاد، وأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك"، وكان من رؤساء العابدين وكبراء الزاهدين، فترك القيروان وانصرف عنها، وأمَّ بها كثيراً من أصحابه (5).
ترك (القيروان) آمنة، لخلو البلاد من عدو ذي شوكة، ورحل في جمع كثير إلى مصر، فبلغ الروم خروجه من (إفريقية) إلى (برقة)،
(1) انظر ترجمته في: قادة فتح المغرب العربي الكبير 1/ 137 - 149.
(2)
ابن الأثير 4/ 43.
(3)
الاستقصا 1/ 24.
(4)
سير أعلام النبلاء 3/ 349، والبداية والنهاية 8/ 217، والإصابة 5/ 81.
(5)
ابن الأثير 4/ 44، والبيان المغرب 1/ 20، والاستقصا 1/ 81، ورياض النفوس 1/ 31.