الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في مَكّة
1 - التعذيب:
لن أستطيع أن أذكر في هذا المكان، كل ما قدمه الصحابة رضوان الله عليهم من تضحيات جسام، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، لأن تضحياتهم كثيرة جداً ومتعددة الجوانب والأشكال، وحسبي أن أذكر هنا (أمثلة) منها لتكون دليلاً للعرب والمسلمين - خاصة في مثل هذه الأيام.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أقل الناس كلاماً، ولكن أفعاله كانت تؤثر في أصحابه وتشع عليهم بالنور اقتباساً من مثاله الشخصي، ولاشيء كالمثال الشخصي يؤثر في الناس؛ أما الكلام وحده دون عمل فلا يؤثر في أحد، فلا موعظة في كلامٍ لم يمتلئ من نفس قائله ليكون عملاً، فيتحوَّل في النفوس الأخرى عملاً ولا يبقى كلاماً.
كان عليه الصلاة والسلام يبني الأفراد الصالحين ليكوّن أمة صالحة بالأعمال لا بالأقوال، وقد عمل ما لم يستطع أحد أن يعمل مثله أو قريباً منه، وكان أصحابه بتربيته لهم خير القرون ثم الذي يليهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد كان خريجو مدرسة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام رجالاً لا كالرجال.
إنه قدوة الرؤساء والمرؤوسين، والقادة والجنود، وقدوة الأجيال جيلاً بعد جيل، وهو المثل الأعلى للمسلمين وللبشر من مختلف الأجناس.
لقد تحمَّل العربي المسلم التعذيب في سبيل عقيدته، فَعَدَتْ كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، يفتنونهم عن دينهم.
كان بلال بن رباح يخرجه أميَّة بن خلف إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له:"لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّى"، فيقول وهو في ذلك البلاء: "أَحَدٌ
…
أَحدٌ" (1).
وكان بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:"صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة"، وأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام (2). وعندما أسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه، أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية، فأوثقه كتافاً وقال: "ترغب عن ملَّة
(1) سيرة ابن هشام 1/ 339 - 340؛ والإصابة 1/ 171.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 342؛ وأسد الغابة 4/ 42.